Tear Gas Claims Several Lives

Physicians for Human Rights

January 27, 2012

Over the last month, the Bahraini police have been using tear gas almost every night against protesters in residential areas. Specifically, the police have been targeting the Shi’a neighborhoods of Iker, Sitra, Nuwadrat, and Ma’ameer. While there are international guidelines for the proper use of tear gas, victims of such attacks describe the police using tear gas inappropriately – including firing into homes and other closed spaces. Such inappropriate use can have disastrous consequences. Since the start of the unrest in February 2011, at least 13 civilians have died from exposure to the tear gas, according to Bahraini civil society groups. They note that those who die from tear gas inhalation are usually people who are already vulnerable due to old age or disease, which make the gas’s effects more deadly.

read more

http://physiciansforhumanrights.org/blog/bahraini-governments-use-of-tear-gas-claims-several-lives.html

 

.

Star unstruck?

Finally professor Bassiouni has come to see the light. 

BICI Chief calls Government implementation programme a “whitewash”

http://www.bahrainjdm.org/2012/01/25/bici-chief-calls-government-implementation-programme-a-whitewash/

I told you so Bassiouni  🙂 

see my two articles of  August 10 & 14  2011  on

ورطة البروفيسوربسيوني

and

ورطة البروفيسوربسيوني 2

——————————–

See also

لتقرير البسيوني مدة صلاحية محدودة

http://wp.me/p18GrX-64

according to Bassiouni the king has to choose:

“Either unity of the ruling family/regime or unity of the nation”

العائلة أو الوطن

2011 in review

The WordPress.com stats helper monkeys prepared a 2011 annual report for this blog.

Here’s an excerpt:

The concert hall at the Sydney Opera House holds 2,700 people. This blog was viewed about 43,000 times in 2011. If it were a concert at Sydney Opera House, it would take about 16 sold-out performances for that many people to see it.

Click here to see the complete report.

Bahrain – ett rop i mörkret

DOKUMENT UTIFRÅN Historien om den arabiska revolutionen som övergavs av araberna och väst och som glömdes

bort av resten av världen. Ett brutalt tillslag av regeringen mot en fredlig demonstration, med många dödsfall och

arresteringar som följd. SVT2 sön 22 jan kl 22.00

http://svtplay.se/v/2683385/dokument_utifran/bahrain_-_ett_rop_i_morkret

Report on the Treatment of Political Detainees in Bahrain’s Prisons (forwarded)

Report on the Treatment of Political Detainees in Bahrain’s Prisons

21 January 2012

Prepared by the Bahrain Rehabilitation & Anti-Violence Organisation (BRAVO) and the Bahrain Centre for Human Rights (BCHR) for the International Committee of the Red Cross.

Introduction

Since the popular uprising calling for greater political and civil rights started in Bahrain on 14th February 2011, well over 3000 people have been arrested by the authorities and continue to be arrested, according to the Bahrain Independent Commission of Inquiry (BICI). Many of those who were detained or imprisoned by the government in relation to the events have described substandard conditions at various detention centres around Bahrain, particularly at central prisons whilst systematic torture seems to be continuing in local detention centres where unconvicted prisoners are held. This report attempts to highlight areas where treatment of political detainees at these detention centres falls short of the Standard Minimum Rules for the Treatment of Prisoners (SMRTP) adopted by the First United Nations Congress on the Prevention of Crime and the Treatment of Offenders (Geneva 1955). The research methodology adopted is based on extensive interviews conducted with prisoners recently released and incorporates consistent reports that the Bahrain Center for Human Rights (BCHR) receives from families of prisoners.

Report content:

1. Discrimination against political detainees 2. Separation of prisoner categories 3. Accommodation 4. Clothing and bedding 5. Food 6. Exercise and sport 7. Medical care 8. Discipline and punishment 9. Instruments of restraint 10. Information to and complaints by prisoners 11. Contact with the outside world 12. Books and formal education 13. Religion 14. Notification of death, illness, transfer, etc. 15. Conditions in local detention centres.

View the report on google docs or download it here (PDF)

 

——————

From BCHR site

http://bahrainrights.hopto.org/en/node/4986

 

Just how long will “Silmiyya” last? (forwarding)

Mahmood’ Den raises an important, a life and death, question

http://mahmood.tv/2012/01/21/just-how-long-will-silmiyya-last/

.

 

 

Nabeel Rajab’s Speech During the Political Societies’ Mass Gathering

 

 

 

http://mohdashoor.wordpress.com/2012/01/15/nabeel-rajabs-speech-during-the-political-societies-mass-gathering/

طبائع الإستبداد (مقالٌ قديم 5 مايو 2009)م

تحتاج ملاحظاتي في مقالي السابق عن «الإفراط في السلطة» إلى ربطها ببعض ما جاء في كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» الذي نشره الشيخ عبدالرحمن الكواكبي باسم مستعار قبل أكثر من مئة سنة.   والكتابُ هو واحدٌ من جملة الجهود التي بذلها مفكرو النهضة العرب في سبيل استنهاض شعوب بلدانهم لإزاحة النير العثماني من جهة ولمقاومة الاستعمار الغربي المستشري من الجهة الأخرى.

لم ترتفع تلك الكتابات النهضوية العربية إلى ما وصلت إليه كتابات معاصرة لها أو سابقة عليها في بلدان غربية وشرقية أخرى. لا جدوى تُرجى من مقارنة «طبائع الاستبداد» بتلك الكتابات التي صيغت في إطار تغيرات جذرية شاملة اقتصادية وعلمية واجتماعية ودينية أفرزت مشروع الحداثة الأوروبي وكانت جزءاً منه.   وللسبب نفسه لا جدوى تُرجى من مقارنة ما طرحه الكواكبي بما جاء به «ديلا بويسي» قبله بثلاثة قرون في كتاب «خطاب حول العبودية الطوعية» الذي تعرضتُ إليه في هذه الصفحة قبل سنة. فالكواكبي رغماً عن تلك الفوارق البيِّنة يستحق مكانته المتميزة في تاريخ مشروع الحداثة العربي. وهو بالتأكيد يستحق اهتماماً أكبر مما يلقاه الآن من قبل القائمين على مؤسسات التعليم في بلداننا.

يسعى الكواكبي إلى الإجابة على سؤالٍ مزدوج: ما سبب الانحطاط وما هو دواؤه؟ ويعكس عنوان كتابه رغبةً في التوفيق بين جُهديْن، فكري وسياسي. فمن جهة ناقش «طبائع الاستبداد» عبر تفكيك المفهوم بالاعتماد على ما لديه بخلقه أدوات تحليل وتنظير. ومن جهة ثانية سعى عبر «مصارع الاستعباد» إلى تحديد ما سماه «طرائق التخلص من الاستبداد». ومع أن مناهج البحث الحديثة أكثر تعقيداً وتداخلاً مما توافر للكواكبي، إلا أننا لا نستطيع التقليل من قيمة الأسئلة المنهجية التي طرحها. فهو لم يكتفِ بطرح الأسئلة المعتادة بشأن تعريف الاستبداد وسببه وأعراضه ومساره. بل دخل في مباحث ماتزال ماثلة حتى اليوم

سأكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها: كيف يؤثر الاستبداد على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية بما فيه الدين والعلم والعمران لماذا يكون المستبد رغم جبروته شديد الخوف؟ ولماذا، بالمقابل، يستولي الخوف على الرعية؟ ويبدو الكواكبي ابناً للقرن الواحد والعشرين حين تتداخل إجابتاْه على السؤاليْن الأخيريْن فيقول إن «خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهلْ. خوفُه عن عجزٍ حقيقي وخوفهم عن توهم التخاذل فيهم[1]».

 يبدأ الكواكبي إجابته على سؤاله عن سبب الانحطاط بانتقاد آراء منتشرة بين العامة. فالقائل إن «أصل الداء التهاون في الدين لا يلبث أن يقف حائراً عندما يسأل نفسه: لماذا تهاوَن الناس في الدين؟ والقائل إن الداء هو اختلاف الآراء يقف مبهوتاً عند تعليل أسباب الاختلاف. فإن قال سببه الجهل، يُشْكل عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشد. وهكذا في حلقة مفرغة لا مبدأ لها، فيرجع إلى القول: هذا ما يريده الله بخلقه، غير مكترثٍ بمنازعة عقله ودينه له بأن الله حكيم عادل رحيم». ويلخص الكواكبي التعريف «تحكم أصل الداء هو الاستبداد الذي يستند عليه كل فساد في الدين والعلم والعمران». يشير الكواكبي إلى أن «الاستبداد، لغةً، هو غرور المرء برأيه والأَنَفَة عن قبول النصيحة».

ولهذا يدخل في التعريف «تحكم الأب والأستاذ والزوج ورؤساء بعض الأديان وبعض الطبقات». إلا أن مُراد بحثه هو «استبداد الحكومات» بمعنى أن الاستبداد «هو صفة للحكومة المطلقة العنان، فعلاً أو حكماً، التي تتصرف في الرعية كما تشاء بلا خشية حساب أو عقابٍ محققيْن».
يكرر الكواكبي بعض ما طرحه من سبقه من المفكرين الإصلاحيين والثوريين.

وبالمثل يكرر مفكرون إصلاحيون وثوريون في جيلنا بعض ما قصده الكواكبي. ومن جملته أن الاستبداد فعلٌ إنساني كما أن الاستعباد فعلٌ إنساني. وككل الأفعال الإنسانية فهي خاضعة للإرادة. وهذا يعني أن مواجهة الاستبداد والتخلص من الاستعباد هما أمران في أيدي الناس إنْ وَعَوا وإنْ أرادوا. ففي ذلك الوعي وتلك الإرادة تكمن الحرية كما تكمن العبودية. إلا أن للوعي كُلفةً وللإرادة ثمناً.

ونراه يقارب هذه المقولة في شرحه لما جاء في الأثر: «من أعان ظالماً على ظُلمه سَلَّطه الله عليه». ويشير إلى أن إعانة الظالم على الظلم تبتدئ بمجرد الإقامة في أرضه. أسارع للتنبيه إلى أن الكواكبي كتب ذلك في بداية القرن الماضي، أي حين لم تكن الدول العربية قد قامت ولم ترسَّم بعدُ حدودها.

يرى الكواكبي أن للاستبداد أعواناً لا يمكنه أن يستمر من دونهم. ولكل فئة من الأعوان دورها المعلوم زماناً وظرفاً.    ومن بين هؤلاء الأعوان رجالُ دينٍ ممن اتخذوا الدين «وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأمة شِيَعاً وجعلوه آلة لأهوائهم السياسية فضيَّعوا مزاياه وحيَّروا أهله بالتفريع والتوسيع والتشديد والتشويش». وإلى جانب دور رجال الدين من أمثال هؤلاء يحتاج الاستبداد إلى من سماهم الكواكبي «العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسَهم بمحفوظات كثيرة كأنها مكتبات مقفلة».

ورغم قسوته الظاهرة على الفئتيْن السابقتيْن، إلا أنه احتفظ بأقسى الأوصاف لفئة «المتمجدين». وهي فئة من الناس يحرص المستبدُ على «إيجادهم والإكثار منهم ليتمكن بواسطتهم من أن يغرر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها». يتخذ المستبدون من المتمجدين «سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حب الوطن، أو توسيع المملكة، أو تحصيل منافع عامة أو مسؤولية الدولة، أو الدفاع عن الاستقلال». يشدد على أن المتمجدين فئة واسعة وتزداد اتساعاً كلما اشتد الاستبداد.

وبطبيعة الحال فلا حدود لازدراء الكواكبي بالمتمجدين الذين يعتبرهم «مستبدين صغاراً في كنف المستبد الأعظم» يضربون بسيفه وينفقون من ذهبه. إلا أن الكواكبي لا يستصغر شأنهم. بل نراه يشير إلى دوريْن متداخليْن يقوم المتمجدون بهما في الوقت نفسه. فمن جهة هم من لوازم الاستبداد اللازمة. فمن دونهم لا حول للمستبد ولا قوة. ومن الجهة الأخرى هم مثل بقر الجنة لا ينطحون ولا يرمحون إلا برضا المستبد وفي ظل حمايته وبفضل عطاياه.

————
[1] عبدالرحمن الكواكبي، «طبائع الاستبداد ومصرع الاستعباد»، بيروت، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، 6002. جميع الاقتباسات اللاحقة من الكتاب.

.رابط المقال : http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10493 

.

ز

سوق الجنة (مقالٌ قديم 14 مارس 2009)م

كيف يصبح الحرف مفتاحاً لعالمٍ لا يحدّه إلا التعب. والتعب اختيار

يكتبها هذا الإسبوع عبدالهادي خلف:

من درس القرآن انتقل، إلى درس الفلسفة، ثم إلى درس الحَيْرة، ثم إلى درس التعب، ثم بقيَ هناك. شيئان لا حقيقة فيهما: السياسة والفكر. طريقان، اختارهما بعناية امتداد الألف في باقي الحروف، ليجد نفسه ساكناً في لا حقيقتهما. وحين تكون الحيرة حقيقتك، فالتعب اختيارك الذي لن تغادره، حتى يغادرك.   ولعل مقولة ابن عربي الأثيرة ”الحيرة حقيقة الحقيقة” تجعل من حيرة عبدالهادي خلف، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ”لوند” السويدية، جنة. جنة تبوح بشيء من تمرد الأسئلة، وشيء من زفرة المخلوق في حضرة حقيقة الحقيقة.. علي الديري

—————

 (1)  ألف لاشَلَه

عرفتُ عبر أربع نساء توليْن تباعاً ”تعليمي” القرآن كيف يصبح ”الألِفُ الذي لا شيء له” والباء التي ”من تحتها نقطة” مفاتيح عالمٍ يزداد اتساعاً. ما عليك إلا معرفة أشكال ربط الحروف بالحروف. وكلما ازدادت معرفتك بالأشكال المختلفة للحروف وأشكال ربطها ببعضها البعض ازداد العالم اتساعاً حتى ولو ضاقت بك الدنيا. لا أتذكر أسماءهن ولا أظنني سأتعرف الآن على مواقع بيوتهن بسبب ما أصاب قصبة المنامة من تغيرات. ولكنني أتذكرهن جميعاً بامتنان. نقلتني أمي بينهن لأسباب لا أعرفها فتعددت أسباب امتناني لهن ولها. فلقد نجحن في تعليمي أن أندهش بالخطوط وهي تتداخل لتخلق سحراً يبهر. ما أبدع القول أن من البيان لسحراً. أتذكرهن الآن، بعقلٍ رجل على مشارف تقاعده، فأبتسم شاكراً لهن حناناً توزع بيننا أولاداً وبناتاً. فلا أتذكر أنهن استخدمن خيزرانة أو فلقة لتأديبنا كما كان يفعل غيرهن بغيرنا. وأبتسم أيضاً شاكراً لهن أنهن زرعن في طفل عمره أربع سنوات بذرة الانبهار بالحرف. وعلّمنه كيف يَربط حرفاً بحرف ليرى الحروف كلمات مقدسة كما في آيات حفظها عن ظهر قلب أو في كلماتٍ فاحشة تعلّم استخدامها في الطرقات بين بيت الأم وبيت المعلمة. رحم الله معلماتي. فلقد علمنني كيف يصبح الحرف مفتاحاً لعالمٍ لا يحدّه إلا التعب. والتعبُ اختيار.  

(2) درس الفلسفة

يشرح مدرس مادة ”الاجتماع والفلسفة” لطلابه في آخر سنة في المدرسة الثانوية شيئاً عن معنى كلمة ”فلسفة”. فيقول إنها حب الحكمة. ويقول شيئاً من قبيل أن هذا الحب يتطلب تحدي المسلّمات عن طريق مساءلة المألوف. فحين نلاحظ سقوط ثمرةٍ من على غصن شجرة فعلينا ألا نكتفي بملاحظة المألوف الذي يراه كل الناس. بل على محب الحكمة أن يطرح الأسئلة من قبيل لماذا وكيف وماذا بعد. إلا أن المدرس يتمادى في شرحه. فيزداد اهتمام ثلاثة على الأقل من تلاميذه بما يقول. لا يجب أن يكتفي محب الحكمة بمساءلة المألوف فحسب بل لا مفر أمامه من تحدي المسلّمات أيضاً عن طريق صياغة الأسئلة غير المألوفة. يطرح أحد الثلاثة سؤالاً عن الخلق والخالق ويتبعه الآخران. من خلق الكوْنَ؟ ولماذا خُلق؟ بل من خلق الخالق إذا كان لكل موجود خالق؟ وتتكاثر الأسئلة في صياغات فجة كالتي يستطيع صياغتها صبيةٌ لا يزيد عمر أكبرهم عن خمس عشرة سنة. يجيب المدرس في حدود المباح وفي حدود ما يعرف. ولكن ذلك لا يسعفه كثيراً فيلجأ إلى الأجوبة المألوفة التي لا تحتاج لتبّحر في حب الحكمة. ينتهي الدرس وتتوقف الأسئلة والنقاش حولها داخل الصف. ولم يعد المدرس إلى الموضوع ولم يهتم تلاميذه بإعادة إثارته. إلا أن ثلاثة تلاميذ يستمرون ليومٍ آخر في ذكر الموضوع. ما لم يعرفه مدرسنا الطيب هو أنه طرح الفلسفة لا كمسلَّمات بل كما رآها ماركس أسلوباً للتفكير العقلاني مادته كل ما يتعلق بالوجود الإنساني ونتائجه. أسلوبٌ للتفكير لا يكتفي بتفسير الوجود بل يسعى لتغييره. أقولُ لم يواصل المدرس ما بدأه ولكنه أغرى ثلاثة صبية بمتعة غير مألوفة. بل وأغرى واحداً منهم بمتعة التمادي في تلك المتعة. أحد الثلاثة صار رجل دينٍ معتبر. فلعله بذلك وجد أجوبة ترضيه ضمن المألوف أو خارجه. ووجد الآخر أجوبته حين أصبح عسكرياً ومسؤولاً معتبراً حتى كاد أن يحقق حلمه بإقامة مشروع إسكاني مهول كنتُ سأكون من جملة من سيُنقلون للسكن فيه. أما هذا الفقير فمازال حائراً بين أجوبة.

(3)    لقد أفلح من حار

قيل إن الشك طريق المعرفة. ولكن المعرفة ليست واحدة. فلقد قادت المعرفةُ التي حصل عليها صاحبي الذي صار رجل دين إلى اليقين المطمئن بثوابٍ وعقاب واستغفار وغفران. وقادت معرفةٌ أخرى صاحبي الآخر إلى قوة الصارم المصقول الذي فيه الأمان. بينما قادتني معرفة ثالثة إلى الحيرة. لا وقت لدي الآن كي أغبط هذا أو أحسد ذاك. ولا حاجة لي بذلك. بل أتسلى بأنني لستُ أفضل ممن أشهدَه الحقُ بالحيرة. وقال له ارْجعْ فلم يجد أين. وقال له أَقْبِل فلم يجد أين. فقال له قِفْ فلم يجد أين. حتى صرخ بجملة تربط الحكمة كلها ”لقد أفلح من حار”. إلا أن الحيرة ليست قدراً مقضياً ولاهي مسارٌ لا متناهٍ كُتبَ على الناس كافة. بل هي خيار فردي. هي خيارُ الحائر نفسه لا يمنعه منه سوى الموت أو انتهاء رغبته في مطالعة العالم ومجالدة الحيرة. أو كما يخبرنا ابن عربي ”من تعب من الفكر وقفَ حيث تعبْ، فمنهم من وقف في التعطيل، ومنهم من وقف في القول بالعِلَل، ومنهم من وقف في التشبيه، ومنهم من وقف في الحيرة فقال لا أدري، ومنهم من عثر على وجه الدليل فوقف عنده فكلَّ عنده. فكلُ إنسان وقف حيث تعب، ورجع إلى مصالح دنياه وراحة نفسه وموافقة طبعه. فإن استراح من ذلك التعب، واستعمل النظر في الموضع الذي وقف فيه مشى حيث ينتهي به فكره إلى أن يتعب فيقف أيضاً أو يموت”.

(4) كليف ريتشارد

بعد الانقلاب البعثي الذي أطاح بعبدالكريم قاسم في العراق العام 1963 انتظم عددٌ من الطلبة البحرينيين في الحرس القومي وحملوا السلاح للدفاع عن النظام الجديد. أحد هؤلاء (وقد صار أغلبهم فيما بعد من كبار المسؤولين في البحرين) رتب كميناً لاعتقالي مع طالبٍ بحريني آخر. لم يدم اعتقالنا طويلاً فلم يكن لدينا ما يستوجب إطالة الاعتقال والتعذيب. ولكنني خسرتُ بعثتي واضطررتُ لمغادرة العراق. بعد عودتي إلى البحرين اشتغلتُ موظفاً في دائرة الجمارك. ولكي أتمكن من توفير المال اللازم لمواصلة دراستي حصلت على عمل إضافي كاتباً للفواتير في كازينو ميناء سلمان الذي أسسه المرحوم حسن محمد جواد. وكان غالبية زبائن الكازينو من الأجانب من بحارة السفن الراسية أو الجنود البريطانيين المتمركزين في قاعدة الجفير. وكجزء من الخدمة كان لدينا غرامفون وعدد من الأسطوانات لمغنين بريطانيين. ولهذا كانت الأغاني تصدح في أركان الكازينو إلى حين إغلاقه قرابة منتصف الليل. وكان أشهر المغنين وأكثرهم شعبية بين زبائن الكازينو هو كليف ريتشارد الذي كانت ترافقه وقتذاك فرقة اسمها ”ذي شادوز” أي الظلال. رغم اسمها البارز على أغلفة الأسطوانات فلم يكن للفرقة من دور سوى ترديد كلمات أو أصوات محددة. مثل أي مجموعة كورس كان دور الفرقة هامشياً وإن كان صاخباً. أتذكر كثيراً فترة عملي في كازينو ميناء سلمان وأحسبُ أنها أسهمت في رسم سلوكي السياسي. أو على الأقل اقتناعي بأن عاقلاً لا يعول على أن يوضع اسمه كبيراً على اليافطات بينما لا يتعدى دوره دور فردٍ في فرقة كورس. أو كما يقال في لغة فنية غابرة مجرد ”مطيباتي” لزعيم أو قائدٍ أو أبٍ روحي. إلا أن الأمر اختيار ولكل اختيار كلفة ومردود. ولهذا وكلما سمعت من يعيب على أحدٍ أنه يغني ”خارج السرب” تذكرتُ كليف ريتشارد وفرقته. وفي كل حال أترحم على الخال حسن جواد ممتناً له أنه أتاح لي أن أتعلم كم هو مهين قبول المرء أن يصبح تابعاً يردد كالببغاء ما يقوله الآخرون أو يفعل ما يأمرونه به.

(5)فرضية 1

خُصِّصت أحدى الجلسات الأولى التي عقدها المجلس الوطني العام 1974 لمناقشة أزمة الغلاء. وحين حمي الوطيس قال أحد أعضاء كتلة الشعب شيئاً عن أن ”الأزمة هي ليست أزمة غلاء بل هي أزمة نظام ولن يمكن حلها إلا بتقليم أظافر الطبقة الكمبرادورية”. وطالب نوابٌ آخرون بما هو أشد أي ”الضرب بيدٍ من حديد على أيدي التجار والمتلاعبين بالأسعار”. بعد ذلك انتفض الوزيران المكلفان بملاسنة المعارضة فشرَّقا على عادتهما وغرَّبا. إلا إنهما لم يدافعا عن التجار ولم يعترضا على الدعوة للضرب على أيديهم بيدٍ من حديد. بل حصرا اعتراضهما على الدعوة لتقليم الأظافر باعتبارها دعوة هدامة لتدمير اقتصاد البلاد وتخويف المستثمرين الأجانب. الفرضية: لا تهتم السلطة بالشعار بل بمن يقف خلفه.

(6) فرضية 2ل

م تكن السلطة موفقة في توقيت إعلان قراراها بإسقاط عضويتي من المجلس الوطني في فبراير/ شباط .1974 فلقد وفرت للناس مع بداية شهر محرم مساحة للاحتجاج على ذلك القرار. ومعلومٌ أن أغلب مواكب العزاء التي جابت شوارع المنامة وبعض القرى كانت تردد شيلات احتجاجية منها ”مال ميزان العدالة وفاز بالكرسي عميل.. من بعد سحب الثقة أصبح الكرسي هزيل” و”أول رسول لحسين بني أمية اغتالته.. وأول رسول للشعب العمالة شالته”. أتذكر بامتنان تلك الشيلات التي أعتبرها تثميناً لخيارٍ شاركتُ آخرين كثيرين في اتخاذه والالتزام به. إلا أن أهم ما أتذكره هو أنني تلقيتُ وقتها لقاحاً ضد الغرور أحسبه مازال فعالاً. ففي ليلة العاشر من محرم في تلك السنة خرجتُ مثل مئات الناس المتزاحمة في شارع الشيخ عبدالله بالقرب من منزلنا في المنامة لمتابعة مواكب العزاء. لم يكن ثمة موقع مرتفع أقف عليه لأشاهد ما يجري لولا أن تكرّم أحد الجيران بأن سمح لي بموقع قدم على عتبة دكان. فطالت قامتي بما يكفي لمتابعة مسيرة المعزين. تمر المواكب الواحد بعد الآخر منددة بطردي من المجلس ولا يهتم أحدٌ من آلاف المشاركين فيها حتى بالالتفات نحوي. الفرضية: لا تهتم الناس بك شخصياً ولا بتاريخك بل بما تقول الآن وتفعل.

(7)  الدين أفيون الناس

هل هو حقاً؟ قرأ كثيرون هذه العبارة في ترجمتها المتداولة ”الدين أفيون الشعوب” كمن يقرأ آية ”ولا تقربوا الصلاة” من دون تكملتها. لا أقصد هنا الدخول في مناقشة ما يسميه حامد أبوزيد بجدلية النص. أي ضرورة فهم النص في إطار علاقته بزمانه ومكانه من جهة وكذلك في إطار علاقته بمتلقيه وزمانهم ومكانهم. فالنص محكومٌ بظروف إنتاجه ومحكومٌ في الآن نفسه بظروف استهلاكه. ما أقصده أقل طموحاً من هذا. فالآية كما هو معروف لا تحض على ترك الصلاة إلا عند ابتسارها. لهذا قد يكون مفيداً قراءة مقولة ماركس كاملة. فلم يعتبر ماركس الدين شراً مطلقاً أو خيراً مطلقاً. فالدين لديه حسب عبارته التي تُقتطف مبتسرة ”هو زفرة المخلوق المضطهد. وهو القلب في عالمٍ بلا قلب. كما هو الروح في وضعٍ خلا من الروح. إنه أفيون الناس”. فالظاهرة الدينية حمالة أوجه ولها عند ماركس دوران متناقضان. وفي الدين دعوة للصبر على معاناة وعذاب يتولدان من ظروفٍ واقعية. وفي الدين أيضاً دعوة للاحتجاج على تلك المعاناة والعذاب وإزالة أسبابها بإقامة العدل. حين يختار رجل الدين أن يرتب أولوياته لصالح أن تتعايش الناس مع معاناتهم فهو يحول الدين إلى أداة تخدير. أما حين يختار ترتيب أولوياته لصالح دعوة الناس إلى الاحتجاج على ذلك الواقع فهو يحول الدين أداة من أدوات تغيير ذلك الواقع. هذه الطبيعة المتناقضة للظاهرة الدينية التي لاحظها ماركس هي التي تفسر أيضاً المبارزة الحادة بين رهبان لاهوت التحرير المتحالفين مع الحركات اليسارية في أميركا اللاتينية وبين أساقفة اللاهوت الفاتيكاني ورؤساء الكنائس الرسمية المتحالفين مع الطغم العسكرية التي كانت تحكم بلدان تلك القارة. وهي التي تفسر أيضاً المفاضلة التي قدمها علي شريعتي بين التشيع العلوي والتشيع الصفوي. وهي نفسها الطبيعة المتناقضة للظاهرة الدينية التي جعلت من الممكن في بحرين التسعينات أن يتزامن الشيخان الجمري والمدني.

 (8) الفتوى..

قبل يوم واحد من انتخابات العام 1973 فوجئنا بتوزيع كميات كبيرة من منشور مستنسخ قيل إنه يتضمن ”فتوى” أصدرها ضدي الشيخ أحمد خلف العصفور، أطال الله عمره. وقيل إنها ستقود الناس إلى عد التصويت لصالحي في دائرتي الانتخابية ولا لآخرين من زملائي من أعضاء كتلة الشعب في دوائرهم. لم يكن الأمر يتعلق بفتوى وإنما بجواب من الشيخ أحمد على سؤالٍ طرحه عليه أحد كبار أهل الحي هو السيدسلمان الحلاّي رحمه الله. فلقد بلغ السيد أنني ناقشتُ مع الشيخ برنامجنا الانتخابي. وبلغه أيضاً أن الشيخ لم يرَ في البرنامج ما يعارض الشريعة. وتركز احتجاج السائل على بنديْن تضمنهما البرنامج. أولهما يتعلق بـ ”حرية المرأة وحقها في الترشيح والانتخاب والتأكيد على مساواتها مع الرجل في جميع الحقوق الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية”. وثانيهما يتعلق ببندٍ حمل ”تأميم الشركات”. بطبيعة الحال نفى الشيخ أحمد العصفور موافقته على نشر برنامجنا الانتخابي. فنحن لم نعرض البرنامج على أحدٍ خارج الكتلة نفسها. وجاءت بقية جواب الشيخ في صيغة يمكن أن يُفهم منها أن ما جاء في برنامجنا يتنافى مع الشريعة. صار جواب الشيخ في نظر كثيرين فتوى. فقيل قُضيِ الأمرُ إذ لم تبق إلا ساعات على صبيحة يوم الانتخابات. ما حدث بعدها يعود بعض الفضل فيه لحكمة الشيخ أحمد وبعضه لأولئك النسوة اللواتي علمنني الربط بين الحروف. فلقد توجهتُ إلى حيث عرفتُ أن الشيخ أحمد يقضي ساعات العصر وانتظرته حتى فرغ من زوارٍ وذوي حاجة. وطرحتُ عليه حين انفردنا لساعة أو أزْيَد سؤالاً أجاب عليه. فكتبتُ السؤال وكتبَ الجواب على ورقة خرجتُ بها قبل صلاة المغرب ليستنسخها الأصحابُ وتنتشر في المنامة وخارجها. وبالغ كثيرون حين زعموا أن الشيخ أصدر ”فتوى” لصالحي. فهو لم يفعل وما كنتُ جاهلاً بالأعراف والأصول لأطلب منه ذلك. جوهر ما قاله الشيخ أنه ”يستنكر استغلال إجاباته”. وكان ذلك يكفيني.

(9) في السؤال الجواب

مثلما فعل معي قبل أربعين سنة أساتذتي في هذه الجامعة فإنني أقضي وقتاً طويلاً بين طلبتي الجدد لتمكينهم من فن صياغة السؤال. ففي القدرة على صياغة السؤال تكمن القدرة على التحكم في الإجابات عليه. ولهذا لا يبدأ أيٌ من طلبتي ورقة أو إطروحة قبل أن يقنع زملاءه بأن السؤالَ واضحٌ ومحددٌ وقابلٌ للإجابة عليه. فلا يعوّل على سؤال غير محدد وغير واضح وغير قابلٍ للإجابة عليه. ولا يعوّل على سؤال لا يعرف السائلُ احتمالات الإجابات عليه. ولا تختلف الأهمية في حال إذا كان الجواب المرجو يأتي في صورة إطروحة أكاديمية أو في صورة جملة في محادثة عابرة. ولا تختلف أهمية السؤال في مقهى عنه في جامعة أو حوزة. ففي كل الأحوال يكون الجوابُ في السؤال.

رابط المقال : http://www.alwaqt.com/art.php?aid=155321 ©

ألمواطنة الدستورية (مقالٌ قديم 2008)ا

تقارن بعض الدراسات المعنية بنظم الحكم بين سهولة إقامة نظام سياسي وإدامته وبين صعوبة بناء دولة. فالنظام السياسي سواءً كان ظالماً أو عادلاً، غنياً أو فقيراً، متسامحاً أو متشدداً فإنه يستطيع استخدام أدوات الحكم المتاحة له للبقاء أطول فترة ممكنة. ولا تنحصر هذه الأدوات في العددِ والعتاد والمال والقدرة على كسب المناصرين في الداخل والخارج بل وتشمل القدرة على إضعاف الأطراف المعارضة بقمعها أو تشطيرها أو باستلحاقها.   فهذه الأدوات توفر لسَدنة النظام إمكانية الحفاظ على الإستقرار لفترات طويلة. إلا إن النظام مهما كان متجبراً أو غنياً أو كريما ومهما كانت درجة ضعف معارضيه لن يتمكن من بناء دولة ووطن بدون الشرعية التي تمحضها له الناس طوعاً لا جبراً.

انطلق مؤسسو هيئة الاتحاد الوطني في خمسينيات القرن الماضي من الاقتناعٍ بأن الأوطان إنما تُشاد على الشراكة الطوعية وليس على الجبْر بالقمع أو العطايا. وأصبح هذا الاقتناع قاعدة الخطاب السياسي الذي اعتمدته أغلب المعارضة طوال العقود التي تلت قمع الهيئة بنفي قادتها وسجنهم وتشريدهم واستلحاق بعضهم. لم يكن قادة الهيئة خبراء في الهندسة الاجتماعية لكنهم حاولوا كما حاول من تلاهم أن يروِّجوا لمشروعٍ اعتبروه طريق البلاد للخلاص مما هي فيه. وهو مشروعٌ يبدأ بالتراضي على بناء وطن يتشارك في امتلاكه وفي حبه جميع مواطنيه ومواطناته. والشراكة المقصودة ليست شراكة بين المتنفذين في التعاضديات التقليدية ولا بين رموز طائفتيْن أو وجهاء مناطق سكنية بل شراكة بين أفراد أحرار يتوافقون على إرادة العيش المشترك كمواطنين متساوين.

أقول لم يكن قادة الهيئة ولا من خطا على خطاهم خبراء في الهندسة الاجتماعية، إلا أن الفكرة التي انطلقوا منها تتلخص في تأكيدهم بأن المشكلة التي تعاني منها البلاد ليست بين شيعة وسُّنّة. بل هي تكمن في الاستراتيجية التي تنطلق من اعتبار الناسَ رعية والبلادَ مزرعة. ولهذا استمرت الحركة الوطنية طوال العقود الماضية في الدعوة لإقامة الوطن الذي يتساوى فيه أهله. وللأسف ما زالت تلك الفكرة، على بساطتها، معلقة في الهواء ومازال إنجازها مطلوباً. فالمشكلة التي واجهت قادة الهيئة هي نفسها التي تواجهنا الآن. وهي المشكلة ذاتها التي تجعل شاباً عاطلاً عن العمل يشتكي من التمييز.

وهي المشكلة ذاتها التي تبرر عدم سعي وزارة الداخلية أو غيرها من الوزارات لاختبار صلاحية ذلك الشاب للعمل فيها بدلاً من توجهها إلى البلدان البعيدة لتجنيد من تتوفر فيهم شروطها.

لا أقلل من خطر الخطاب الطائفي وما يترافق معه من ممارسات، إلا إنني أرى الطائفية عَرَضاً من جملة أعراض علةٍ طالب قادة الهيئة بعلاجها. ولقد خَبَرَ كثيرون منّا شخصياً مدى بُعد نظر أولئك القادة.

لقد عانت البحرين قبل الهيئة وبعدها الكثير ولكن المعاناة كانت مشتركة بين الرعية كافةً. فسقط شهداءٌ من الطائفتيْن ومن كل المناطق. وحين سُجن الآلاف لم تفرق الزنازن ولا الموت تحت التعذيب بين شيعي وسني أو بين ستراوي وحِدِّي، ولا بين هولي وعجمي وعربي قُحّ. كما لم تُعطِ أياً من هذه الانتماءات حصانة لأحدٍ حين تشردت العائلات وتفرق مئات المعارضين في المنافي.

من جهة ثانية لم يقدِّم الناس كل تلك التضحيات من أجل زيادة حصة هذه الطائفة أو تلك في وظائف الدولة. فلو إنحصر العلاج في المحاصصة لما تغير شئ.   فلن نقترب من إنجاز مهمة بناء الوطن عن طريق زيادة عدد الوزراء من هذه الطائفة أو تلك طالما بقينا رعايا ولم نتحول إلى مواطنين بالفعل.   فلو كانت المشكلة تكمن في مظاهر التمييز بين الشيعة والسنة لأمكن علاجها بإجراءات شكلية من قبيل إعادة ترسيم الدوائر الإنتخابية أو إعادة ترتيب الكراسي الوزارية.

طرحتُ قبل سنوات ضرورة تجاوز حصر النقاش في ”الطائفية” فما هي سوى إحدى نتائج استمرار التعاطي مع الناس كرعية. وأن الحل يبدأ بتحديد مستلزمات بناء دولة عصرية يحكمها دستور عقدي يكفل المواطنة المتساوية للمواطنين والمواطنات كافة[1]. وبعد عودتي إلى البحرين وفي سياق محاضرة ألقيتها في نادي الخريجين بتاريخ 15 مايو/أيار ,2001 عددتُ المعيقات التي تواجه بناء الدولة في البحرين.   

في سياق تلك المحاضرة طرحتُ فكرة ”الوطنية الدستورية” مستنداً على إحدى اطروحات عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس. ومعلومٌ أن تلك المحاضرة أثارت غضب بعض أطراف السلطة مما استنفر عدداً من الرفاق الذين تحولوا إلى مرآة إعلامية للموقف الرسمي. فقام بعض هؤلاء بتدبيج المقالات استنكاراً لما اعتبروه جهلاً بالواقع دفعني للتطرف بل والدعوة لحرق المراحل والعياذ بالله. إلا أن الفكرة وجدت أيضاً من ناقشها بهدوء موافقةَ واعتراضاً وهناك من تبنّاها فأغناها.

وهناك من استملك الفكرة ليخوض عراكاً من طرف واحد يؤكد فيه أن الدولة قد تم بناؤها ونحنُ غافلون، وما على المعارضين إلا الخروج من غفلتهم والمسارعة للتوافق مع الدولة.

شددتُ في تلك المحاضرة المغضوب عليها على أن الوطنية الدستورية والمواطنة الدستورية التي تتولد عنها تستلزم حصول درجة من الإجماع على شروط بناء دولة تتراضى عليها القوى الفاعلة في المجتمع. ويشمل هذا الإجماع السعي لإعادة بناء مؤسسات الحكم لكي تصبح مؤسسات وطنية بالفعل تتعاطى مع مواطنين وليس مع رعايا كما في السابق. وعلى أساس هذا التعاطي يتولد اعتراف المواطنين بشرعية الدولة ومؤسساتها واثقين من تساويهم أمامها بغض النظر عن متانة أو ضعف انتماءاتهم الأخرى بما فيها انتماءاتهم الطائفية والقبلية. وهذه الفكرة وإن استندت إلى هابرماس إلا أن استيعابي لها يستند أيضاً إلى خطاب الحركة الوطنية الداعي لإقامة الوطن الذي يتساوى فيه أهله، وطنٌ يتأسس على الشراكة بين مواطنين متساوين فعلاً وليست شراكة بين المتنفذين في التعاضديات الطائفية أو المناطقية.

أجد نفسي الآن أكرر التأكيد على حاجتنا جميعاً، سواءً في ذلك من كان منا في السلطة أو المعارضة أو في منزلة بين المنزلتيْن، إلى إعادة النظر في أولوياتنا. نحن في حاجة إلى العودة إلى أصل المشكلة والعمل على بناء الدولة الدستورية القادرة على إثبات مصداقية مؤسساتها. فعن طريق إثبات مصداقية مؤسسات الدولة الدستورية تتوافر الآليات التي تتيح تجـــاوز الخطاب الطائفي وما يترافق معه من ممارسات وعندها ستضمن الدولة ولاء الناس لها.

عبدالهادي خلف

13 مايو 2008

الوقت

Hhttp://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=6906

ز