عبيد المنزل وعبيد الحقل (مقال قديم)ا

في واحدة من أهم خطبه؟ في بداية ستينيات القرن الماضي تحدث مالكولم إكس، المناضل الأميركي الراحل، عن الفرق بين عبيد المنزل وعبيد الحقل. في تلك الخطبة التي ساهمت في إعطاء حركة الحقوق المدنية للسود الأميركيين بُعدها الثوري الجذري،  استعاد مالكولم إكس مفهوميْن مترسخيْن في الموروث التاريخي المتولّد عما عاناه السود الأميركيون في فترات العبودية وما تلا ‘’تحريرهم’’ من تمييز وتفرقة عنصرية واضطهاد طبقي .

شدّد مالكولم إكس على أهمية الاهتمام بالموروث ليس لأهميته التاريخية فحسب بل لأن تأثيرها لم يتوقف حتى الآن على أكثر من صعيد، بل هو لايزال فاعلاً في المجتمع الأميركي ومتمثلاً في حرمان السود، وغيرهم من الفئات المضطهدة، من الاستمتاع بحقوق المواطنة التي يضمنها لهم، على الورق، الدستور الأميركي.
كان مالكُ العبيد يفرق بين فئتيْن الأولى هي فئة عبيد المنزل التي ينتقيها لخدمته، شخصياً ولمساعدته في إدارة ممتلكاته وللقيام بشؤون قصره مباشرة من طبخ وغسيل وتنظيف وما إلى ذلك من خدمات. أما الفئة الثانية فهي فئة عبيد الحقل التي يُفرض عليها العمل في مختلف المهن والأعمال المجهدة الأخرى التي يطلب المالك أو وكلائه منهم أدائها.

قارن  مالكولم إكس عبيد المنزل وعبيد الحقل ليرسم صورة تتكرر فيما يمكن قرائته في بعض الأدب الأميركي ومشاهدته في الأفلام الأميركية القديمة. يبدو عبد المنزل مهندماً وعليه علائم العافية. صحيحٌ إن ما يلبسه عبد المنزل مما بَلِيَ من ثياب السيد وما يأكله هو مما تبّقى على سفرة السيد إلا أن هذا لايقلل من سعادة عبد المنزل وخاصة حين يقارن وضعه بوضع عبد الحقل الذي يهلك كل يوم ليضمن مجرد بقائه على قيد الحياة.
عبد المنزل وعبد الحقل، كلاهما، مملوكان لسـيّدهما الذي يملك أيضاً حق التصرف في كل شؤونهما، ماذا وأين يعملان أو يأكلان أو يسكنان أو يفكران. والسيّد يملك الحق في تقرير مصير العبديْن ومقدار سعادتهما أو بؤسهما. على رغم ذلك كله إلا أن العبديْن يعيشان في عالميْن مختلفيْن. عالمٌ يضم عبيد المنزل الذين يروْن أنفسهم، باعتبارهم النخبة المختارة، في مرتبة أعلى بكثير من بني جلدتهم من عبيد الحقل الذين يضمهم عالمٌ كما يضم غيرهم من الصعاليك وأشباه العبيد.
ما يشير إليه مالكولم إكس هو حالة إنسانية وليست ظاهرة أميركية فريدة. وهي حالة تساهم في تفسير قدرة أصحاب السلطة، في أي مجتمع، على ضمان استمرار سلطتهم عن طريق توليد وإدامة تراتبية هرمية تتمتع كل مرتبة أعلى فيها بميزات فعلية أو رمزية لا تُتاح للأفراد في المرتبات الأدنى. ولهذا نرى المالكَ يتكرم على عبد المنزل بما يفيض على حاجته من متاع وزاد بل وقد يتيح له بعض المتع وأسباب الترفيه. وفي نفس الوقت نرى المالكَ يشدد من قبضته على عبيد الحقل استغلالا وقمعاً وانتهاكا لإنسانيتهم. ويسعى المالكُ في الحاليْن إلى توسيع البرزخ الفاصل بين عالم عبيد المنزل وعالم عبيد الحقل بما في ذلك عن طريق توكيل عبيد المنزل بمهمات الإشـراف على الحقل ومراقبة العبيد فيه.
يقوم عبد المنزل بكل ما يظنه ضرورياً لإرضاء السيد. لذا نراه لا يأنف من عملٍ يضمن استمراره في موقعه المتميز ولتأكيد ولائه لمولاه. ويصف مالكولم إكس كيف إن عبد المنزل يبذل جهداً لإثبات انه يرى إن مصالح سيده هي مصلحته وانه على استعداد للتضحية بنفسه دفاعاً عن السيد وعن مصالحه. ولهذا نراه أول من يهب للدفاع عن امتيازات السيد حين يحسب إنها تتعرض لاعتداء بل وحتى قبل أن يتحرك السيد نفسه. ويتشبه عبد المنزل بسيده في كل شيء، في تصرفاته وسلوكياته ويحاكي أساليبه في التفكير والحديث وحتى المشية. وباختصار يسعى عبد المنزل للتماهي مع سيده ويقوم بكل شيء يظن إنه سيبقيه في كنف مولاه. وضمن جهوده لتأكيد التماهي مع السيد لا يتوانى عبد المنزل عن قطع ما يربطه بجذوره الثقافية حتى ولو تطلب ذلك إعلان ازدرائها والبراءة منها.
إلا إنه وعلى رغم إخلاصه وتفانيه في حب سيده فهو غير واثق من استمرار الرضا. فثمة قلق مستمر من خطرٍ يتمثل في احتمال أن يغضب السيد عليه وأن يطرده إلى الحقل. فليس لرضا صاحب الأمر من ضمانات. أما عبيد الحقل، وهم الغالبية في كل الأحوال، فأمامهم الصبر على القمع والهوان ثم الموت كمداً أو سحلاً أو ضرباً بالسياط. إضافة لذلك فأمامهم أحد خياريْن: التمرد أو الأمل في أن يلهم الله سيّدَهم فينتقي من بينهم عبيداً جُدداً في المنزل.
في القلق المستمر لدى عبيد المنزل وفي الأمل المستمر لدى عبيد الحقل يكمن مصدرٌ هامٌ من مصادر قوة مالك العبيد. فهو يبذل جهداً لتأجيج قلق عبيد المنزل وزيادة عدم اطمئنانهم على استمرار حظوتهم لديه في نفس الوقت الذي يؤكد أيضاً مخاوف عبيد الحقل من تبعات التمرد على واقعهم ويحي الأمل لدى المتعقلين بينهم في قرب تخلصهم من عبودية الحقل والتحاقهم في خدمة سيّدهم عبيداً في المنزل.

Advertisements