لا وقت للمماطلة

صبيحة الرابع عشر من فبراير قبل تسع سنوات إستيقظ الناس ليسمعوا أن الدولة صارت مملكة والأميرملكاً. وتتالت المراسيم والإعلانات عن دستور جديد وعلمٍ جديد ونشيدٍ وطني جديد.  وقفت غالبية الناس والنخب السياسية والإجتماعية  ضد الدستور المنحة الذي خاطه رمزي الشاعر.  ولكن  إنقسام المعارضة و ثقة أطراف رئيسية في المجتمع البحريني بوعود الملك  جعلاه يصر على  قراراته االإنفرادية.  

 وبطبيعة الحال لم يسأل  أحدٌ الناسَ , حتى من بين أنصاره, عن رأيهم في أيٍ من هذه التغييرات.   ناهيك عن طلب موافقتهم عليها.  فما زالت البحرين أسيرة العام 1783  ومازالت شئونها تُدار بأساليب حكمٍ يشرعنها موروث ذلك الغزو. ومازال شيخ قبيلة الفتح  يعرف ما لا يعرف الناس وما عليهم إلا السمع والطاعة وهم صاغرون. نعم كان كثيرون في بداية عهده يأملون  أن تتحقق بعض الوعود والتعهدات ولكن خيبات الأمل تتالت كما هو معروف.

لم يرَ الملكُ ولا أحدٌ غيره في  السلطة أو من بين مناصريها في الأمر شيئاً.  فلقد تعودت السلطة في البحرين على  مخاطبة الناس بإعتبارهم رعاياها الذين تمن عليهم بما تتكرم به.  فماذا يريد الناس غير المكرمات؟ أيريدون منازعتها في حقٍ تاريخي إنتزعته بحد السيف؟   

 قال الملكُ يوماً إنه يحلم بدولة عصرية على غرار الممالك  الدستورية .  إلا أن للعصرنة شروطها ولبناء الدولة الدستورية معايير ومقاييس متعارف على أغلبها.  ولا يمكن لموروث الغزو أن يتعايش مع هذه المعايير والمقاييس.  فالدولة الدستورية العصرية ليست حصيلة كن فيكون إذ هي تتطلب ما هو أكثر من شكليات الإعلان عن قيام “دولة” ذات علم ونشيد ودستور.   لا يسمح موروث الغزو وسردياته إلا بإعلانات فوقية وبقرارات من طرف واحد.  ولقد شهدنا منذ العام 2002 سلسلة إعلانات وقرارات حاولت أن تبقى البحرين خارج التاريخ.  ولكنها فشلت. 

وها نحن اليوم  نرى حصيلة التذاكي والفهلوة السياسية.  ورأينا  تتابعاً في السنوات الماضية  كيف تكشَّفت أغطية “المشروع الإصلاحي” ليبدو كما هو في الواقع: مشروعاً طموحاً ومكلفاً لعصرنة موروث الغزو.  نعم جاءنا بكلمات عصرية ولكن المضمون هو نفسه الذي تكررها سرديات الفتح.  فلقد أصر الملك على السير لى نهج أسلافه الذي يعرفه الناس.  وللأسف الشديد ها نحن نشهد كيف ساقت الفهلوة السياسية زالإصرار على التذاكي البلاد إلى الهوة التي نجدها الآن فيها  وكيف تراكمت الأخطاء لتدفع البلاد إلى أزمة بعد أخرى.  

 طوال السنوات الماضية كانت الناس تستيقظ فيسمعون أخباراً تتناقلها وسائل إعلام السلطة بضجيج الموسيقى الحماسية وبكثير من اللغو وغث الكلام.   وفي بعض الأحيان يكون الخبر إعلاناً يسـرده مذيع أو مذيعة عن  “مبادرة شجاعة” قام الملك بها أو ينوي القيام بها.   ويلي هذا النوع من الأخبار عادة سلسلة  من المتحدثين ممن يكيلون المديح للملك ولبقية الثلاثي في قمة السلطة على ما يتمتعون به من بعد نظر وحكمة وعلى حبهم للبلاد وحرصهم على مصالح المواطنين والوافدين فيها.   ولا يخلو الأمر من سلسلة مقابلات لأفراد من الشعب يكررون ما هو متوقع منهم في هذه المواقف من شكر وإمتنان على الرعاية الأبوية التي يشملهم بها هذا أو ذاك من ثلاثي قمة السلطة.  وبطبيعة الحال ينطلق كتاب الأعمدة فيكتب هذا  مديحاً في المبادرة وتكتب تلك مديحاً في صاحب المبادرة.  تتشابه العبارات وكثيراً ما تتكرر حين يستنسخ هذا الكاتب أو تلك الكاتبة ما كتباه عن مبادرة أخرى شجاعة قبل سنة أو قبل عشر سنوات.  فلا أهمية لمضمون المقال مقابل كمية ما يحويه من إسهالٍ كلامي.   

ليس هذا الأمر بجديد ولكن هذه “الظاهرة” إزدادت منذ تولي الملك الحالي مقاليد الحكم.  فكثر ضجيج “المبادرات” الشجاعة منها وغير الشجاعة.  وكثر الضجيج حول المبادرات.  وأحسبُ, دون دليل,  أن كلمة  “المبادرة” هي من أكثر الكلمات إستخداماً في الإعلام المحلي قبل أن تحل محلها مؤخراً كلمتا “الخونة” و “الصفويين” منفردتان أو معاً.   .

كل شئ تمام التمام. هذا ما كان يقوله الإعلام الرسمي وهذا ما كانت تحويه التقارير الرسمية. ولقد قبل الملك هذه الحال.  فكما فهمنا من تقرير البسيوني لم يكن الملك يتابع تفاصيل ما يجري تماماً.  بل لقد إدعى البسيوني أن الأجهزة الأمنية والأجهزة المعنية الأخرى لا تطيع أوامر الملك وتعليماته.

ولا شك لدي في أن كثيرين فوجئوا, وربما لم يصدقوا, بعض ما قاله البسيوني. فهل يُعقل أن الملك لم يسمع بالإنتهاكات الممنهجة التي تقوم بها أجهزته الأمنية  والإعلامية لحقوق الإنسان وكرامته لوْ لمْ  يأتِ البسيوني على ذكر بعضها في خطابه في حفل تسليم تقريره؟  فإذا كان الأمر كذلك أي كما وصفه البسيوني حول إنتهاكات حقوق الإنسان فعلينا أن نتوقع ما هو أدهى بالنسبة لأمور أخرى.

رغم كل المآخذ  الجدية  منهجياً ومهنياً وأخلاقياً  على تقرير بسيوني إلا أنه يجب القول أنه وضع الملك أمام خيار مصيري.  خيارٌ لا مجال فيه للتذاكي والفهلوة ومحاولات كسب الوقت للمماطلة.  فالازمة التي تمر البلاد بها أعقد من كل ما عرفناه طوال الستين سنة الماضية.  فبعد كل هذه الأزمات المتتالية منذ 2002  وبعد أن فقد “المشروع الإصلاحي” بريقه في الخارج والداخل يجد الملك نفسه الآن أمام الإستحقاقات التي يفرضها قبوله المعلن بتقرير البسيوني.

تطول قائمة هذه الإستحقاقات إذا ما تابعنا تفاصيلها.  ولكن أولها بطبيعة الحال  هي العودة إلى ما قبل 14 فبراير 2002 والتراجع عما تلاه.  وتشمل هذه العودة إلغاء الدستور المنحة وما رافقه وتلاه من مراسيم وتغييرات بما في ذلك مرسوم رقم 56 الذي شرعن إفلات منتهكي حقوق الإنسان من المساءلة والعقاب.

أما بقية الإستحقاقات فقد حددتها قيادات المعارضة وفي مقدمتهم القياديين والرموزالوطنية الذين يرزحون الآن في السجن ويتعرضون للإهانات في زنازنهم في نفس الوقت الذي يتعرضون فيه لإغتيال السمعة على أيدي إعلام السلطة.  فالسلطة تعرف,  وأن أنكرت, ما نعرفه جميعاً إنه بدون ألأستاذيْن عبدالوهاب حسين وإبراهيم شريف وغيرهما من  المناضلين الصامدين في السجون ستبقى كل الحلول ترقيعية وقصيرة عمر.

لن يكون الأمرُ سهلاً على الملك كما نعرفه ولا على أيٍ ممن يصرون على إعتبار البحرين غنيمة غزو.  لن يكون الأمرُ سهلاً ولكن لا وقت للمماطلة. أقولُ لن يكون الأمر سهلاً على أحد إلا أن كل الخيارات ألاخرى أصعب.   

لقد منح دستور رمزي الشاعر السلطة تسع سنوات للمماطلة ضد الإصلاح الجدي على طريق بناء الدولة الدستورية.  ولكنها كانت بكل المقاييس سنوات عجافاً.  مخطئٌ من يظن أن البسيوني سيحقق بتقريره ما حققه الشاعر بدستوره.  فالناس غير الناس بعد أن ذاقوا مرارة تكرار النكث بالعهود.  والبحرين بعد كل التضحيات التي قدمتها منذ بدء ربيعها ليست بحرين ما قبل الربيع العربي.    

عبدالهادي خلف

18 ديسمبر 2011

Advertisements

11 thoughts on “لا وقت للمماطلة

  1. هذا المقال يفتح عقولا واذانا ترسب عليها اوساخ الجهل الذي نعيشه في ظل اجرام عصابة ال خليفة

  2. أعجبنى المقال لمحتواة التاريخى الى عصرنا الحالى, الان المعارضة امام مفترق طريقين اما مواصلة طريق الحرية وتقديم شهداء وجرحى واعاقات دائمة بعشرات او مئات المرات نسبة بالذين استشهدوا ونيل الحرية فى تهاية المطاف بغض النظر عن مدة الثورة وتبعاتها, او الرضوخ لتصديق الكذب من راس النظام الذى ما زال يكذب ويماطل حتى بعد قبولة بتقريرة الذى طلب من بيسيونى كتابة للاعلام الخارجى, مهما اختلفت العائلة الحاكمة فيما بينها الا انها تتحد علة ابادتة المواطنيين الاصلين كأننا فى البحرين كنا نحتاج الى شخص من الخارج ليعرب عروبتنا…. بغض النظر عن جيل الاربعينيات او الخمسينيات الموجود فى الجمعيات السياسية الا ان شباب الثورة المتواجدين على ارض الواقع لهم كلمة اخرى وهى “أكون أو لا أكون” حسب مجريات التاريخ القديم او الحديث لا يوجد شعب انهزم, وسوف يسقط كل دكتاتور فى خلال العام القادم وسوف تنتصر الشعوب.

  3. مقال نفيد و حقا ينورنا بالتاريخ..وهذا ما يجب علينا تناقله و تثبيته في التاريخ لأبنائنا

  4. مقال واضح نرجو لمن لا يعقل ان يقرأه ليستفيد -البحرين في القرن 21وليس في القرون الوسطى
    نريد دولة عصرية مدنية قائمة على العدل والانصاف
    فقد ولت الدول الاستعمارة الغازية ولن نقبل بعصور الغزو ان تعود نريد دولة ديمقراطية شعب يحكم نفسه ولا يتحكم به احد

  5. يا ريت والله كل بحرين يقراء هذا المقال حتي تتفجر لديه الوعي لمعرفة هذه العصابة المجرمة المسمي ال خليفة ، وبارك الله يداك التي خطة هذه الكلمات لشبابنا في البحرين
    تحياتي

  6. Pingback: Anonymous

Comments are closed.