البحرين : بين الجد و الهزل(مقال قديم – 2004)م

أعيدُ نشر هذه المقالة لقديمة تعليقاً على ما يجري التهامس
 حوله من “وساطات” تكرر بعض ما تناولته في هذه المقالة

 البحرين : بين الجد و الهزل

ملاحظات حول الوسـاطات و الخلوات و اللقاءات و جلسـات الإستماع و الحوارات و المفاوضات و حول الضمان و المناقصات و مقاولات توريد الولاء

 13 يوليو 2004

حســب تلخيصٍ منشــور حذّر نائب رئيس جمعية الوفاق الوطني الإسلامية الأستاذ حسن المشيمع في خطبة الجمعة في في جامع الصادق ( 9يوليو2004) من مماطلات حكومية و ذلك في معرض تعليقه حول اللقاءات الجارية بين الحكومة والمعارضة. رحم الله والديّْ الأخ حسـن فلقد عبّر عما يشــعر به كثيرون . و تضمن التلخيص المنشـور إشـارة الأستاذ حسن المشيمع إلى ما ســمّاه ببورصة اللقاءات و إن في إطارها تجري مناقصات رســت مناقصة منها على وزير العمل. و هذا الإســــــتخدام المجازي لكلمات “البورصـة” و “رســوّ” و”مناقصـة” يثير في ذهني بعض الصور و التداعيات التي سـأذكر بعضها بعد قليل. ( إحدي فوائد المجاز, كما يعلمنا العارفون به, هي ما يسـتـفزه من صور و تداعيات في ذهن المتلقي….. و مع ذلك يتوجب الإعلا ن من البداية إن الأستاذ المشيمع لا يتحمل وزر ما إستثاره مجازه من تداعيات لديْ ).

ولكني سـأبدأ بما أورده الخبر من إن الأستاذ مشيمع أشــار أيضاً إلى بقاء الشــكوك حول مدى جدية الطرف الحكومي إذا ما إستمرت إدارة الحوار في أيدي وزير العمل. و هنا يستعيد الأستاذ مشيمع التجارب الســابقة ,التي عايش واحدةً من أكثرها خطورة حين شـــارك , ضمن مجموعة المبادرة, في محاولة التوصل إلى حلٍ للأزمة التي عصفت بالبلاد طوال عقد التسعينات.    و هذه التجربة هي واحدة من ســـلســلة تجارب تاريخية , بعضها شـديد المرارة, صبغتها بلونها الداكن, أسـاليب السلطة/العائلة في تفتيت المجتمع وتشطيره بمختلف الوسـائل بما في ذلك عن طريق الإعتماد على الوسطاء على إختلاف أشــكالهم .

هذا الإعتماد على الوسطاء, يســـتند كما هو معروف إلى إصرار السلطة/العائلة على رفض التعاطى المباشــر مع الشــعب أو مع من يتقدمون كممثلين له,من قوى المعارضة, و يستند أيضاً إلى إصرارها على أن يتم ايُ تعاطٍ عبر وســطاء ممن تثق السلطة/العائلة فيهم من بين الوزراء أو الموظفين الكبار أحيانا أو من بين التجار أحياناً أخرى.

للتعاطي عبر الوســطاء ( ســواءً أكانوا وجهاء قدامى أو جُدد ) فوائده التي لا تخفى من وجهة نظر السلطة/العائلة. لقد كان الوسطاء ولا يزالون احد المكونات الرئيسية في نظام الحكم في بلادنا . فهؤلاء الوسـطاء يشـكلون جزءً اساسياً من المخزون الإحتياطي المحلي لمصادر قوة السلطة /العائلة. و بهذه الصفة يتم تجنيدهم و إستيعابهم في حظيرة النظام بحيث يكونون على أهبة الاستعداد متى ما شعرت السلطة/العائلة بالحاجة الى دعمهم للتغلب على أمر من الأمور. وفي ذات الوقت يتم إعادة تذكير الوسـطاء ( ســواءً أكانوا وزراء أو مستشـارين أو وجهاء قدامى أو جُدد) من حين إلى آخر بأن من غير المسموح لهم , مهما حســبوا إرتفاع قدرهم , أن يتحولوا إلى مراكز قوى مستقلة أو دائمة.

لقد أكدت الخبرات التاريخية مدى أهمية الوسـطاء ( ســواءً أكانوا وجهاء قدامى أو جُدد) في المحافظة على نظام التشطير العمودي للمجتمع الذي ثبتت فاعليته كأداة فعالة من أدوات الحكم. و لقد رأينا خلال سنوات الطفرة النفطية كيف إســتخد مت السلطة/العائلة الموارد الهائلة التي وضعتها الطفرة تحت تصرفها لإصطناع وســطاء جُدُد ودفع بعض القدماء منهم ممن إنتهت فترة صلاحيتهم إلى التقاعد.

و لقد رأينا كيف أن وسطاء الطفرة النفطية, كما هو حال من جاء بعدهم منذ تدشــين الملك لمشــروعه الإصلاحي, سـرعان ما إعترفوا بدورهم السياسي الهامشي و سـرعان ما أكّدوا وأعادوا التأكيد على قبولهم بواقع إن دورهم السـياسي/الإجتماعي/الإقتصادي سيكون متناسبا تناسـباً طردياً مع درجة الحماس التي يُبدونها و هم يسـاهمون في تعميق تشطير المجتمع و إدامة ذلك التـشطير. بل و رأيناهم يَقبلون, وهم صاغرون, بجميع الشـروط شـديدة الصرامة التي يضعها أهل النظام على من يختارهم لتولي دور الوسـيط, سـواءً أكان هذا المُختار في وظيفة وزير أو سـفير أو مستشـار أو كان تاجراً من تجار السـوق أو الســياسة أو الدين.

يتعجب المراقبون عن قربٍ أو و المتابعون عن بعدٍ , من أمثالي , من حال هؤلاء الوســطاء ( ســواءً أكانوا وزراء أو ســـــفراء أو مستشــارين , و ســواءً أكانوا من الوجهاء القدامى أو من وجهاء الطفرة النفطية أو من الوجهاء الجُدُد الذين أفرزهم تدشــين الملك لمشــروعه الإصلاحي) و بينهم عقلاء . يتعجب أمثالي كيف لا يتوقف أحدٌ من هؤلاء الوجهاء/الوســطاء ليأخذ العبرة من دَرْسِ مصير كثيرين ممن ســـبقوه في القيام بهذا الدور الذي يقوم به. صحيحٌ إن بعض أؤلئك الوجهاء/الوســطاء القدامى عاشــوا و ماتوا في بحبوحة عيْش . إلا إن كثيرين منهم عاشــوا و ماتوا مكروهين , ســراً أو جهراً , حتى من أقرب الناس إليهم. و قليلً منهم من تذكره الناس بخير.

تاريخنا ملئ بالأمثلة التي يجب على العاقل أن يتوقف عندها و دراسـتها بهدف إســتلهام العِبَر منها. و من الواضح إن الأمر يحتاج إلى توثيق و تأريخ ليس هذا مجاله. إلا إن القصص تتوالى و تتواتر. فكم من وجيهٍ ممن كان لا يُشـــــّق لهم غبار و كانت الناس تحســبهم خدنة أبديين للسلطة/العائلة رأيناهم يخســـرون بين ليلة و ضحاها حظوتهم و لأتفه الأسـباب.

أبعيدٌ منظر ذلك الوجيه الهاشـمي, رحمه الله, الذي كانت تهتز لســـلطته بعض أكبر أحياء المنامة بسبب قربه من أهل الحكم و بسبب دوره كوسـيط بين الأهالي و السـلطة؟ هذا الوجيه الهاشـمي رآه الناس , بعد أن فتشــت الشــرطة محل تجارته و قلبت عالى المكان ســافله , رآه الناس والشـــرطة تســحبه بغترته الملتفة حوْل رقبته في ســــوق المنامة لا لجرمٍ إرتكبه هو , بل لأن جلاوزة هندرســون كانوا يبحثون عن أحد أبنائه لإعتقاله؟ و لم تغفر للوجيه الهاشـمي علاقته المتينة و الممتدة لعشــرات السنين بالأمير وقتها و برئيس الوزراء و ببقية أفراد العائلة.

و لعل هناك من ســيتسـرع و يُلبس معاناة الوجيه الهاشــمي , رحمه الله , لُبوس الطائفية, ليرفض أن يجد فيها عبرة لمن يعتبر. و هنا أقول لهذا المتســرع أو لتلك المتسـرعة إن الأمر لا علاقة له بالطائفية….. بل بموروث الغزو.

و لكن لا بأس , فالقصص تتوالى و تتواتر. فليســت بعيدة أصداء تلك الكلمات التي قالها وزير الداخلية الســـابق , و مستشار جلالة الملك حالياً , لجماعةٍ ,ٍ أعرف بعضَها, من أهل المحرق ممن ذهبوا إليه لإســتصدار ترخيص بإقامة تأبين اليوم الأربعين على روح المرحوم عبدالعزيز سـعد الشـملان . و لقد ظن الأخوان من أعضاء الوفد المحرقي إن الأمر روتيني , فالمرحوم الشـملان كان من أكبر رجالات البحريْن و كان عند وفاته ســـفيراً في ديوان وزارة الخارجية البحرينية.  لكن ما حدث كان مفاجئاً لبعض الوفدِ و صدمة لآخرين منهم . كما هو إهانة أعتبرها شـخصية لجميع من عرفوا المرحوم عبدالعزيز الشـملان و قدّروا و ما زالوا يقدرون إســـهامه الهام في النضال الوطني . فلقد رفض وزير الداخلية يومها الموافقة على طلب الترخيص بإقامة الإحتفاء التأبيني للمرحوم السفير الشــملان . بل إن وزير الداخلية يومها وبّخ الوفد المحرّقي , و قال لهم من جملة ما قاله: ألا تعرفون إنه عدوّنا؟  نعم هكذا قال ولا عجدب فليس للعائلة من حبيب سوى نفسها

و لمن لا يعرف من هو المرحوم عبدالعزيز الشــملان أقول , مُختصِراً, إنه كان أحد قيادات هيئة الإتحاد الوطني التي قادت النضال الوطني في البحريْن في النصف الأول من خمســـينات القرن الماضي… و هي الحركة الســياسية التي تحدت بقوة الحواصر الطائفية التي فرضها نظام الحكم على البحرين و على العمل الســـياسي فيها. ولقد حُكم عليه و على آخرين من زملائه من قادة الهيئة بالســــجن لأربعة عشـــر سنة في ســــانت هيلانة.

بعد الإستقلال إقتنع المرحوم الشـــملان بما قيل وقتها عن نوايا القيام بإصلاح الأوضاع و التخلص من التركة الإســـتعمارية فعاد من منفاه في دمشـــق للمشـاركة في ” بناء دولة الإستقلال” الموعودة.   وكانت عودته المشــروطة صدمةّ لي و و لغيري من محبيه, لكن أحداً منا لم ينس فضله على مســيرتنا الوطنية. و تولى بعد عودته كثيراً من المهمات. فبعد مشــــاركته في المجلس التأســيسي التي وضع دســتـور البلاد , تولى المرحوم عبدالعزيز الشـــملان عدة مناصب رســمية من بينها منصب سفير البحرين في مصر و مندوب البحرين الدائم إلى جامعة الدول العربية. إلا إن كل هذا لم يغفر , في عين وزير الداخلية الســابق, للمرحوم الشــملان ذلك الجزء المشــّــرف من ماضيه حين شــارك مع رفاق نضاله في قيادة هيئة الإتحاد الوطني في صياغة الحُلم الوطني , حلم تحويل البحريْن من مزرعةٍ إلى وطن, و أهلها من رعايا إلى مواطنين متسـاويين في إمتيازات المواطنة و إلتزاماتها كافة. ولهذا قد لا يجد البعض غرابة في قول الوزير ما قاله لأعضاء الوفد المحرّقي : ألا تعرفون إنه عدوّنا؟

هذان مثالان أعرف و يعرف آخرون غيري أمثلة كثيرة تحكي نفس الحكاية: هذه البلاد مزرعتنا وأنتم رعايانا…. و ما لكم من حظوة او موقع او وجاهة إلا بمقدار ما نمنحه لكم…… و من يريد أن تتحول المزرعة إلى وطن و أن يتحول الرعايا إلى مواطنين ســنصب عليهم جام غصبنا و ســـنهيّج عليه جلاوزتنا علاوة على طبالينا و طبالاتنا . قلتُ إن للتعاطي عبر الوســـطاء ( ســواءً أكانوا وزراء أو مستشــارين أو وجهاء قدامى أو جُدد ) فوائد متعددة من وجهة نظر السلطة. و ســأتعرض , بإيجاز , إلى فائدتيْن من هذه الفوائد تتعلقان بمجريات اللقاءات الجارية بين الحكومة والمعارضة وما يشـــوبها من حرتقات و مماطلات و بالونات إختبار.

الفائدة الأولى هي إعادة تأكيد عدم إعتراف السلطة بالصفة التمثيلية لأي طرف يدعي تمثيل الشـــعب أو شــريحة كبيرة من شـــرائحه. فهي وحدها من تقرر من يمثلُ من . بل و رأيناها و نراها تتدخل لتحديد التوقيت الذي يُســــــمح فيه للوجيه المُعتمَد و المســـموح له بالتو سط بينها و بين الناس……. و تحديد طول المدة المســموح له أن يقوم بهذا الدور……. و ما هي المجالات التي سيكون متاحاً له أن يتوســـط فيها. و الحاصل إن هذا الإصرار على الشــروط التفصيلية و الصارمة التي تحكم دور الوســطاء ( ســواءً أكانوا وجهاء قدامى أو جُدُد ) يؤدي إلى حرمان هؤلاء من إمكانيات “شـــرعنة” دورهم , ناهيكم عن تثبيتهم كممثلين عن الشـــعب, أو أيٍ من شــرائحه. أما الفائدة الثانية التي أود الإشــــارة إليها فهي إعادة تأكيد حق الســلطة في إتخاذ القرار النهائي في جميع الأمور مهما صَغُرت و بغض النظر عن نتائج ما يتوصل إليه الوســـطاء ( ســواءً أكانوا وزراء أو مستشــارين أو وجهاء قدامى أو جُدد ) في حوارهم مع ممثلي الشــــعب, أو ممثلي أيٍ من شــرائحه. و هذا يعني إحتفاظ السلطة بما تحســــبُه حقّها التاريخي , المؤســــس على موروث الغزو, في الـتنّكر لنتائج الحــوار إذا ما جاءت تلك النتائج على غير ما تشــــــتهي. و لعل فيما حدث منذ ألإستفتاء على ميثاق العمل الوطني ما يكفي من أمثلة في هذا الصدد.

في هاتْين الفائدتيْن ما يفســـر إحدى أخطر ســـمات الممارسة الســياسية في البحريْن . و أقصدُ بهذه تشـــددَ السلطة في رفضها الإعتراف بأن هناك من يســـتحق أن يدخل معها في حوارٍ مباشــر حول ما يهم الوطن. فالبلاد في نظر المتشـــددين مزرعةً و ليست وطناً مشــــتـركاً , و أهلها رعايا و ليســـوا مواطنين. و لعل هذا أيضاً يفســـر تخلّف الوزير خالد بن أحمد الخليفة , في مخالفة ظاهرة لإيعاز علني من جـلالة الملك , عن مرافقة وزير العمل في جلســـات الحوار التي يجريها مع الجمعيات الأربع. ذلك لأن وجود الوزير خـالد بن أحمـد , بإعتباره وزير البلاط الملكي من جهة و بإعتبار صـيته كصقرٍ من صقور العائلة من الجهة الأخرى , كان ســيعطي الحوار الدائر مع وزير العمل بعض إحتمالات المصداقية و يخفف من مراوحة الحوارات الجارية بين الجد و الهزل.  بل ربما ســـاهمت مشــاركة وزير البلاط الملكي , و هو صاحب قصيدة شـــبّر و مرهـون ذائعة الصيت و ســـيئته, في إحداث تغيير رمزي في صورة الوضع . نعم , لن يكون هذا التغيير عاصفاً , و لكنه كان ســيكفي لإســـكات المتشــككيين في جدوى الحوار , و كان ســيكفي لإعطاء إشـــارة ينتظرها , على أحر من الجمر , أمثالي من المتفائلين تاريخياً بأن السلطة قد بدأت في التخلي عن موروث الغزو , أو على الأقل , إنها تنوي مراجعة نهجٍ مدمرٍ إنتهجته طوال عقود .

أعود الآن إلى ما تضمنه التلخيص المنشـور من إشـارة الأخ حســن المشيمع المجازية إلى بورصة اللقاءات  و إلى ما أثاره, مشكوراً, إسـتخدامه المجازي من تداعيات في ذهني لا يتحمل هو وزرها. فكما قلتُ فإن العارفين يؤكدون على إن إن إحدي فوائد المجـاز , هي ما يولّده من صـور و ما يســتحثه من تداعيات في ذهن المتلقي . ( و ليسامحني , من جهته , الأسـتاذ علي الديري على تطفلي على هامش مجالٍ هوَ له). هل يعني إرسـاء مناقصة اللقاءات الأخيرة على وزير العمل إننا على أبواب تحولٍ في جانب هام من جوانب الممارســة السياسـية في بلادنا ؟ أو على الأقل هل نحن نشــهدُ الآن تحولاً في الأســاليب التي تعتمدها السلطة في إختيار الوســطاء الذين تولى لهم مهمات التوســـط بينها و بين الناس ؟ من المعروف إن الأسلوب المعتمد, حتى الآن, و الذي ثبتت نجاعته و فاعليته طولا العقود الماضية يقوم على موروث الغزو كما تبلور في عهد المرحوم الشــيخ عيسي بن علي . فبعد أن وهب المذكور أغلبَ قرى البحرين, ببشـــرها و أرضها و مياهها , إلى من إختارهم من أهله قام كل واحدٍ من هؤلاء بإختيار ” وزيرٍ” أو أو أكثر من أهل القرية نفســها ليتولى القيام ,نيابة عن الشـــيخ متملك الأرض , بمهام عدة من بينها ضمان الأرض الزراعية و من ثم تضمينها إلى أهل القرية .

و كما هو معروف كان المرحوم الشـيخ عيسـي بن علي كريماً معطاءً . و يذكر النبهاني في تحفتـه (صفحة 199/200 ) إن المرحوم الشــيخ عيسي بن علي , غفر الله له, أنعم على القبائل التي كانت معه في قطر ببذل العاديات الأصائل , من جياد الخيل , و الأموال و الســـلاح و الحلل. و بلغ كرمه مبلغه حين “وصل بني عمَه من بالبسـاتين الزواهر و الطُرف النفيســة و الجواهر حتى إنهم أجمعـوا على إنه أندى الملـوك راحـةً و أرحبهم ســاحة”. و أدت وهبيات المرحوم الشــيخ عيسي بن علي , و كما هو معروف , إلى أن يصبح كل شـيخ من أؤلئك الموصولين بعطاياه ســيّداً مطلقاً على مجموعة من المضمنين و الضامنين يتنافســون فيما بينهم برفع سـعر الضمان الذي يعرضونه على الشـيخ. و كانت مكانة و حظوة كلٍ منهم لدى الشـــيخ مشـــروطة بقدرة الفرد “الوزير” أو الضامن منهم على تقديم أفضل عروض الضمان من حيث القيمة المالية و العينية ( و لا حرج هنا, فالذي يدفع في نهاية الأمر ليس “الوزير” بل العكّار الراغب في فلاحة الأرض أو إستعمال الحَظْرة). لقد توقف الإسـتخدام الزراعي لذلك النوع من “الوزراء” و لذلك النوع من الضمان. إلا إن إستخدامهما الســـياسي ما زال مستـمراً بل و نراه يصوغ الحياة الســياسية في بلادنا منذ عقود طويلة. و لم تعد قيمة الضمان تحســب في صورة نقود أو محصول تمر أو ســـمك , ولم يعد الضامنون يتنافســون على التقرب إلى الشــيخ بتقديم أعلى المردودات المالية و العينية إليه. فما لدى الشــيخ , الآن , صار أكثر مما يستطيع الضامنون إعتصاره من دماء و عرق من هم دونهم من أهل البلاد.

و لهذا أضحت قيمة الضمان المطلوبة للحصول على الجاهة لدى أهل الحكم تُحســــب على أســـاس الولاء غير المشــروط للنظام و على أســـاس نجاح الوجيه في دوره المرســـوم كضامن لولاء الآخرين. . إعتمد نجاح هذا الأسـتخدام كما رأينا على نجاح النظام في تحويل الولاء له ليصبح شـــرطاً ً مقبولاً من شروط ممارســة الحياة الاجتماعية العادية. فإذا لم تكن موالياً فأنتَ خطر يتوجب أن يتحاشــاك الآخرون , و إن لم يتحاشــوك فلك الســـجن أو ما هو أقســــى. ولكي يتحقق تحويل الولاء للنظام إلى شـــرطًٍ مقبولٍ من شروط ممارســة الحياة الاجتماعية العادية لم يعد “وزيرٌ” واحدٌ من وزراء تلك الأيام يكفي في الحيّ أو القرية للقيام بالمهمات المطلوبة. بل يحتاج الأمر إلى توافر عدد كبير من الراغبين في القيام بالمهمات التي يتطلبها تحشــيد الولاء ســـواء أكان ذلك التحشـــيد عن طريق التلويح بذهب المعّز أو عن طريق إشـــهار ســيفه. و لهذا رأينا كيف إزدادت عاماً بعد عام أعداد المتقدمين لضمان الولاء.

و لقد رأينا أيضاً كيف إزدادت , عاماً بعد عام , و بتوافر موارد النفط , قدرات النظام و خبرته في مجال فرز المتقدمين و إنتقاء الأنســب منهم للحاجة و الظرف. و يحتاج الأمر أيضاً , كما لا يخفى , إلى التنافس بين الضامنين ( ســواء أكانوا من القدامى أو الجُدد ) و تدافعهم و تأســيس هوة عميقة من عدم الثقة فيما بينهم . وهذا بدوره مكّن الســلطة/العائلة من تحوير موروث الغزو ليلائم متطلبات عهد ما بعد الإستقلال. و نجحت في إقامة نظام سياسي|إجتماعي معقد يقوم على التشـطير الإجتماعي كما يعتمد على هرم من الوسطاء من وجهاء البلاد الذين لا يثقون في بعضهم البعض و يعرفون إن بقائهم في مراكزهم تعتمد على إستمرار رضا أهل الحكم على إدائهم كضامنين لولاء الناس .

أدي موروث الغزو و تحويراته الحديثة إلى إدامة التشــطير الإجتماعي بمختلف الأســاليب. و أكثرهذه الأســاليب نجاعة و فعالية في هذا الصدد هو إلتزام كل فردٍ من الوســـطاء من وجهاء البلاد بحدوده و عدم تجاوزها . ففي هذا الإلتزام قبولٌ برضاه عن الوضع القائم و قبوله بدوره السـياسي الهامشــي . كما في هذا الإلتزام تأكيد على تعهد كل فردٍ من الوسطاء من وجهاء البلاد بالمســـاهمة, و بحماس , في الحفاظ على الوضع القائم . و لكي يحافظ الوســيط على حظوته فإن عليه أن يتحاشــى القيام بما قد يُعتبر تحدياً للأسس التي يقوم عليها تشــطير المجتمع , بل و عليه ألا يســـهم بأي شــكلٍ من الأشــكال في أي جهد يؤدي إلى خلخلة ذلك التـشــطير. و ينطبق هذا الإلتزام , كما نرى, على الجميع, لا فرق بين وزير أو ســفير أو مستشــار أو أو تاجر من تجار الســـوق أو الســـياسة أو الدين. و لا فرق هنا بين وجيه من وجهاء الســبعينات ممن ترعرعوا في عز الحرس القديم أو من الوجهاء الجدد ممن إســتلزمهم و إســــتزلمهم مشــروع الإصلاح الســياسي مؤخراً.

 في ظل موروث الغزو و تحويراته الحديثة رأينا الوجهاء الوســـــطاء ( رجال/ نســــاء , شـــــيعة/ســـــنة , قرويين/مدينين , دينيين/علمانيين , معارضين ســابقين/ موالين دائمين ……….الى آخر التصنيفات) رأيناهم ملتزمين تمام الإلتزام بهذه الشــروط. فهم لا يتحركون خارج حدودهم المرســومة ضمن شـــروط التشـــطير الســـائدة. نعم, الكل ملتزمٌ بشــروط الضمان غير المكتوبة. بل رأينا كيف يتخذ هذا الإلتزام بالحدود المرســـومة لكل وجيه/ وســـيط, أحيانا, أشـــكالاً ســـوريالية. و هذا ما حدث حين إحتج أحد هؤلاء الوحهاء/ الوســـطاء من فوق منابر عدة على إقامة حفلة تغني فيها إحدى مغنيات الفيديو الكليب العربيات المشــهورات . و طالب الوجيه بمنع ما إعتبره تحدياً للقيم و الأخلاق. إلا إن أحدأ لم يســتجب لنداءاته ســــوى مجموعات شـــباب من ســكنة المنطقة التي أقيمت تلك الحفلة الغنائية فيها . و لما كان هؤلاء الشـباب ينتمون إلى طائفة كريمة أخرى غير تلك الطائفة الكريمة الأخرى التي ينتمي إليها ذلك الوجيه المتصدي للدفاع عن القيم و الأخلاق رأيناه قد تحرّج من مشـــاركتهم شـــخصياً في إحتجاجاتهم. و يُقال إن ذلك ســاهم في إنفلات الأمور ليلتها. و الله أعلم. أقولُ, لقد بدا لي , حتى الآن , إن كل الأطراف المعنية أي السلطة/العائلة من جهة و الوجهاء/الوســـطاء من الجهة الأخرى ملتزمون بقواعد الضمان كما ورثناها من عهد المرحوم عيسى بن علي و بتحويراتها الحديثة.

و لهذا فلقد ســـعيتُ إلى فهم الإضافة الجديدة , أو قل التحوير الإضافي, الذي أشـــــار إليه أخونا المشــيمع حين إســتخدم ما إستخدمه من مجاز, بحثاً عمّا هو جديد في ممارســات الســلطة . لا… لم يفاجئني تولي الوزير العلوي مهمة إدارة جلســـات الإســتماع أو الحوار أو اللقاءات مع الجمعيات المقاطعة الأربع. فهذه مهمة يتمنى كثيرون الســـماح لهم بالتصدي لها. و لقد رأينا كيف تولاها قبله آخرون و رأينا كذلك كيف تبرع آخرون أيضاً بعرض تولي هذه المهمة منذ أن أُنتزعت لهذا الســبب أو ذاك من يد الوزير الدكتور حســن فخرو. لم يأتِ الإسـتبدال مفاجأة للمتابعين عن قرب أو عن بعد لأن من المعروف إن إســـبتدال الوجهاء/الوسـطاء هو سِلْك البلد و هذه طبيعة الأمور في بلادنا. فحين أقرأ أو أسمع عن تبديل الوســطاء , في حوارات أو خلوات أو جلســات إســـتماع أو غيرها من التســميات أرى فيما أقرأ و أسمع إســـتمراراً و تأكيداً لنهج السلطة الثابت في عدم الســـماح لأي وجيه/وســـيط مهما إرتفعت مكانته بأن يصبح مركز قوة بذاته. فكما سبقت الإشــارة فإن إحدى أبرز سمات اساليب تعاطي السلطة مع الوجهاء/ الوسطاء هو حزمها الصارم في ردع أية محاولة لرفع مكانة أي وســيط/ وجيه و دوره الســياسي بحيث يخطر في باله أن يكون مركز قوة بذاته. و لهذا يعرفُ كلُ وجيه/ وســـيط إن وضعه غير مضمون و غير دائم . و إن دوره , و إن تكرر , فلا يعطيه أية حقوق تخوله إحتكار تمثيل قطاع معين من السكان. و فوق ذلك, يعرفُ كلُ وســـيط إنه مجرد و ســـيط لا أكثر مهما تضّخمت صورته لديْه أو لدى أهله و مريديه, و مهما إزداد هيلمانه . و يعرفُ كلُ وســـيط إن إســتمراره مرهونٌ بإرادة السلطة و رغبتها و رؤيتها لمصالحها الآنية. فحتى حين يحقق الوســيط إنجازات تفوق التوقعات.

 و لننظر في هذا الصدد إلى مثال الوزير الدكتور حســن فخرو . فما قدمه منذ مارس 1999 من خدمات و خاصة لجهة تســويق المشــروع الإصلاحي هي خدمات أكبر مما أســتطيع حصرها في حيّز هذه الملاحظات التي أكتبها الآن.   و يكفيني القول إن المرء لا يمكن أن يقلل من أهمية دور الوزير الدكتور حســن فخرو و خاصة لجهة نجاحه الباهر السـنتيْن الأولييْن من المشــروع الإصلاحي في إقناع عديدٍ من وجوه المعارضة , في البحريْن و خارجها, بالإنضواء تحت اللواء الملكي. أقولُ, بالرغم من هذا النجاح الباهر و بالرغم من إســهاماته الأخرى لا يســـتطيع الوزير فخرو, وهو لم يســـتطع بالفعل , أن يضمن إستمرار دوره وســـيطاً. إســـتلهاماً من موروث الغزو , يحدث كثيراً أن تضع الســلطة وســيطاً ناجحاً على الرف و تستـبدله بغيره ممن هم أقل خبرة أو أقل كفاءة أو أقل مكانة منه حتى يتعلم هو و حتى يســتوعب غيره الدرس. ومن متابعة مثال الوزير فخرو يمكنني القول , بغير دليل يمكن عرضه ههنا, إن أحد العوامل التي أدت إلى تهميشــه الملحوظ منذ فترة , و أدت أيضاً إلى إنتزاع ملف الحوار مع المعارضة من يده هو , بالضبط , نجاحه الذي يُحســـد عليه في تجنيد وجوه بارزة من المعارضة لخدمة المشــروع الملكي . فبهذا التهميش لن يتحول هو إلى مركز قوة بذاته و لن يتوهم آخرون إنه أصبح مركز قوة بذاته. و لســـان حال النظام في هذا مصداق لقولٍ حكيم: قٌال أو لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي. لا… و لم تكن المفاجأة تكمن في إحتمالات غير واقعية بنجاح الوزير العلوي في فرض أجندته التصالحية الخاصة متخطياً بذلك كل موروث الغزو و تحويرات ذلك الموروث. فلو كان الأمر كذلك , لكان الوزير العلوي مســئولاً عن إنقلابٍ حقيقي في المفاهيم و الأسـاليب. و لكان ذلك يعني إن البحرين تقف الآن على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخها…… و لقالت الناس إننا نشـــهد الآن بدايات تحولٍ في جانب هام من جوانب الممارســة السياســية في بلادنا….. أو لقالت إننا ندنو من اليوم الذي نتحول فيه من رعايا إلى مواطنين قادرين , معاً, على تحويل البحرين من مزرعة إلى وطن. ل

كننا , للأســف الشــديد, لســنا هناك بعد. و على أية حال فأنا لا أتهم الوزير العلوي بأن هذا هو جزء من طموحاته …….و بطبيعة الحال فأنا لا أرمي بهذه التهمة اياً ممن ســبقوه في تولي المهمة التي يقوم الآن بها. المناقصة التي رســت على وزير العمل قد لا تعدو أن تكون تحويراً خاصاً بالوزير و لكنه يكاد يتطابق مع التحوير الذي أدخله عديدٌ من الوجهاء الجدد خلال السـنوات الخمس الماضية على موروث الغزو. فكما رأينا حدثت تحويرات عدة على موروث الغزو بما يلائم متطلبات عهد ما بعد الميثاق دون المســاس بالبنى الإجتماعية/الســياسية الســائدة و لا بما يتأسس على تلك البنى من علاقات قوة بين الدولة و المجتمع. و بالتأكيد دون التخلي نهج التشـطير الإجتماعي .

 ضمن مســـببات هذه التحويرات يمكن ملاحظة إن ليس في بحريْن اليوم من ســـوقٍ للضمان و لا للضامنين . بل ما عاد ممكناً أن يذهب وجيه جديد أو قديم إلى أهل الحكم مدعياً إنه يضمن ولاء أهل القرية أو الحي كافة … ناهيك عن المدينة برمتها أو الطائفة كلها. صحيحٌ أن هناك من يدعي قدرته على تحشــيد هذه الجماعة أو تلك عن بكرة أبيها. إلا إن هذا الإدعاءات المطنطنة لا تســتطيع , عندما تحق الحقائق , أن تصمد أمام الإختبار. من المعروف إن الهوجة التي شــهدتها البلاد بعد الإعلان عن المشــروع الإصلاحي قد أفرزت أعداداً غير معهودة من الوجهاء الجدد. و من المعروف إن الملك و عمه كانا كريميْن أيّما كرم مع كل مترشـــحٍ للوجاهة , و لم يقصّر لا هذا و لا ذاك في توزيع المكرمات على هؤلاء المترشـــحين للوجاهة و لســان حال الملك و عمه , كما لاحظ كثيرون غيري , إن أنت أكرمت الكريم ملكته. و لعل للمكرمات دورها في تدفق المترشــحين للوجاهة الجديدة. إلا إن الحاصل هو إن البلاد أُصيبت بحالة تخمة وجهائية بســبب ما أفرزه , في بداية المشــروع , كرم الملك و عمه. في مقابل التضخم الوجهائي لم تزدد أعداد التعاضديات التي يمكن لهؤلاء المتصدين لضمان ولائها أو حتى إدعاء ضمان ولائها. و أغلب الوجهاء الجدد هم فقيروه و على نياتهم و يعرفون تمام المعرفة إنهم لا يســـــتطيعون مناطحة الوجهاء القدامي و لا وجهاء الطفرة النفطية. و بجانب ما لهؤلاء و أولئك من مال و خبرات فهم معرفون لأهل الحكم الذين إختبروهم عبر ســنين بل و عقود . و لهذا توجه كثيرون من الوجهاء الجُدُد إلى محاولة تشــكيل تعاضديات جديدة خاصة بهم. و لقد رأينا في هذا الصدد التدافع الشـــديد على ما إعتبروه إستحقاقات . و كذلك رأينا في الصدد نفســه تزاحم الوجوه , المختلفة فيما بينها و غير المختلفة, على تأسيس الجمعيات الســياسية و غير الســياسية. و معروفٌ إن تأســـبس بعض هذه الجمعيات لم يكن لمواجهة حاجات إجتماعية أو ســـياســية بل بإعتبارها من مســتلزمات تثبيت الوجاهة بالذات. إلا إن الوجهاء الجدد ســرعان ما إكتشــفوا حقيقة يعرفها كل دارسٍ لعلم الإجتماع, ألا و هي إن التعاضديات لا تتشــكل بقدرة ذاتية أو على طريقة كن فيكون. فلكل تعاضدية من التعاضديات القائمة و المعتمدة لدى أهل الحكم تاريخٌ ممتد. و الأهم من ذلك إنهم ¸ أي الوجهاء الجدد , ســرعان ما إكتشــفوا أيضاً إن للبحـرين طاقة إســتيعابية محدودة فيما يتعلق بالجمعيات و مؤســســات المجتمع المدني. من جهة أخرى كشــفت الممارسة العملية إن المزايا المتحصلة من تأسـيس بعض تلك الجمعيات كانت أقل بكثير مما كان البعض منهم يتمنى أو يتخيل. و لقد رأينا كيف إن بعض الجمعيات لم تســتطع حتى إستئجار مقرّات لها و رأينا بعضها ترفع العقيرة مهددة بالويل و الثبور و تكتب المذكرات الإحتجاجية حين ينســى سكرتير الوزير إرســال دعوة لرئيســها لحضور جلســة للتداوال في الشــــأن العام و لشــرب الشــاي في مكتب الوزير. ناهيك عن جمعيات لم تتمكن حتى من إســتكمال نصاب جمعياتها العمومية. و فوق ذلك يعاني الجميع من ضعف ثقة الناس بهم و بنواياهم , كما يُســـتدل على ذلك من الأرقام المتدنية لأغلب هذه الجمعيات الســياسية منها و غير الســياسية . علاوة على ضيق الســوق البحرينية و ما تعانيه من تضخم وجهائي فلقد إكتشــف الوجهاء الجدد إن المنافســـة فيما بينهم شـــديدة. و تشــير بذاءة لغة التخاطب فيما بين بعضهم إلى إن المســألة قد تتخذ مناحي خطرة و خطيرة و خاصة حين نعرف إن بعض الوجهاء الجدد لا عزوة لهم و لا قبيلة و لا طائفة و لا حزب و لا مريدين , بل , في حالات , لا تاريخ شـــخصي ينافســون به مزاحميهم . بل إن من بينهم من أُفتضحَ أمره لأسباب أخرى عديدة. و تعرف الســـلطة إن هؤلاء جميعاً لا يستطيعون يقوموا بدور الضامن لولاء الآخرين ,و لكنها تعرف أيضاُ إن بعضهم يســتطيع المساهمة في العملية الســياسية عن طريق مشــاريع مقاولات توريد الولاء, و هي مشــاريع مقاولات تكبر و تصغر حســب الحالة.

بين الجد و الهزل أقول , ختاماً , إن المناقصة التي يشــير مجازاً الأستاذ مشــيمع إلى إرســـائها على وزير العمل قد لا تكون أكثر من تحوير مناسب لهيبة الوزير من جملة مشــاريع متزامنة , بعضها مســتور, يتولاها عددٌ آخر من مقاولي توريد الولاء منذ مدة. الســـؤال هو هل ســينجح الوزير أم سيلاقي تعهده بتوريد ولاء الجمعيات الأربع ما لاقاه من ســبقوه من مقاولي التوريد ؟ أو بكلمات أخرى , كيف ســـــتتصرف الجمعيات المتحاورة الأربع إذا ما إستمرت وســـاطة الوزير الحوارية تراوح في أماكنها ما بين الجد و الهزل ؟ فالجمعيات تعرف ما نعرف إســتناداً إلى دروس الماضي إن الحوار مع أيٍ من مقاولي توريد الولاء , أو الوجهاء/الوســـطاء الآخرين , لن يقود إلى نتيجة ترضي الناس ما دامت الســـلطة/العائلة تتحاشــى ¸ تحت هذه الذريعة الملفقة أو تلك, مســئوليتها في الحوار المباشـــر مع معارضيها. و بالتأكيد لن يكون الحوار عبر الوســطاء مجدياً ما دام المتشــددون في الســلطة/العائلة مصرين علي إدامة موروث الغزو , بما في ذلك إعتبار البلاد مزرعة و أهلها رعايا. و إلى أن يحدث ذلك ســيُراوح الحال عندنا بين الجد و الهزل . و هي مراوحة تعكـــس الهزلَ فيها الإجازة الصـيفية التي أخذها الحوار حول الأزمة الدســــتورية. إلا إن هذه المراوحة بين الجد و الهزل , و إن ضمنت معيشــة الوجهاء/الوســطاء على إختلافهم, أو أطالت فترة نهب ثروات البلاد عن طريق الفســـاد أو ســوء الإدارة, فإنها, أي المراوحة , ســتكون وبالا ً على الجميع و بخاصة من يهمّهم بناء الدولة و الوطن. ..

…………………………………..

Advertisements