لوْ كنتُ في عمرهم

كرَّرت بيانات وزارة الداخلية طوال الأيام الماضية  تأكيد حرصها على احترام القوانين والتزامها بالقيام بواجباتها في حماية الأمن. بل  إنها في بياناتها تصر على أنها هي الطرف المُعتدى عليه فيما يجري من مواجهات في  ‘’مناطق الأحداث’’. فهي إنما أرسلت قواتها إلى تلك المناطق لمنع ‘’تظاهر وتجمع غير  قانوني وإغلاق الطرقات العامة وحرق حاويات القمامة والإطارات’’ ولوقف ‘’ترويع أمن  وسلامة المواطنين والمقيمين’’. وعلى من لا يصدق بيانات الوزارة إلا اللجوء إلى مؤسسات الدولة الأخرى للتأكد من سلامة موقف الوزارة القانوني.
تكشف هذه  البيانات عن عدم تماس بمشاعر الناس. فلو كان المتضررون من إجراءات وزارة الداخلية يثقون بالدولة ومؤسساتها، ولو أن الدولة وفّرت لهم ما يجعلهم يثقون بها، لما شهدت البلاد ما تشهده الآن. فما تكشفه التقارير الإخبارية في صحف محلية وما هو متداول في المواقع الإلكترونية علاوة على العشرات من لقطات الفيديو والصور المنتشرة في الفضاء  الإلكتروني يشير إلى عكس ما تريدنا البيانات الرسمية أن نصدقه. من بين ما يستحق
الاهتمام في حوادث الأيام الماضية هو كثافة القنابل الغازيّة. قد يكون بعض هذه  القنابل الطائشة طائشة حقاً وقد يكون بعضها بسبب سوء تدريب الجنود على التهديف أو بسبب عدم قدرتهم على قراءة تعليمات الاستخدام. ولكن من يُقنع الضحايا بأن بعض الطائش ليس مقصوداً؟
كما تستحق الاهتمام الزيادة الملحوظة في استخدام الشرطة  للهراوات والركل بالأحذية. وهذا تكتيك عرفه الفلسطينيون إبان الانتفاضة الأولى في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. فلقد أمر السفاح الإسرائيلي إسحاق رابين جنوده
باستخدام أحذيتهم العسكرية والهراوات لا لتفريق المتظاهرين بل لتكسير أطرافهم  وإصابتهم بعاهات مستديمة. وكان هدفه الثاني من تكسير الأطراف هو تحاشي اعتقال أعداد  كبيرة من المتظاهرين لما قد ينجم عنها من مضاعفات أمنية وقانونية وإعلامية.
من  يتابع التقارير الإخبارية لا يملك إلا أن يستنتج أن وزارة الداخلية بالغت في تصوير الخطر وبالغت في أساليب معالجته. بل إن تصرفات قوات الشغب والأجهزة الأمنية في الأيام الماضية جعل الأمور تتصاعد سوءاً. فلقد كان يمكن للوزارة التصريح لمسيرة  إحياء يوم الشهيد فتمر الأمور بسلام. وكان بإمكانها أن تتعامل مع المسيرة السنوية
كما تعاملت مع غيرها في سنوات سابقة. وكان بإمكانها بعد أن خرجت المسيرة ‘’غير المرخصة’’ أن تتعاطى معها بحكمة أكبر حرصاً على أرواح الناس، بمن فيهم المتظاهرون أنفسهم. إلا أن الوزارة اختارت للأسف أن تتعاطى مع المسيرة بفظاظة وكأن القيام  بمسيرة ‘’غير مرخصة’’ هو في مستوى خطورة محاولة انقلاب عسكري.

صادف أن مررنا فييوم الشهيد في الشارع المحاذي لمقبرة الحورة (قرب المستِشفى الاميركي) بعد تفريق  المسيرة بساعات وشاهدتُ أعدادَ الشرطة وعرباتها المدججة وهي تحاصر المقبرة والشوارع المؤدية لها. فهل تخيل أحدٌ في الوزارة أن مجيء عشرة أو بضعة عشرات من الناس إلى الجبانة لقراءة الفاتحة على أحبة لهم سيقود إلى تدمير النظام أو تخريب ممتلكات عامة؟ كان حصار المقبرة وقد لّفها الظلام استفزازاً لا هدف من ورائه إلا الرغبة في إهانة مشاعر الناس مهما كانت العواقب.
ولقد رأينا كيف أدى ذلك التكتيك السيئ  إلى تفاقم الأمور في الأيام الماضية وتعريض حياة وصحة الناس إلى الخطر. فلقد أسرفت  ‘’شرطة الشغب’’ في استخدام القنابل الغازية المسيلة للدموع والرصاص المطاطي علاوة  على الضرب بالهراوات والركل بالأحذية. ورأينا صورا لضحايا هذا العنف الذي وصل إلى  أوجه بوفاة علي جاسم.
يشير تقريرٌ أخباري [1] إلى إصابة عددٍ من الأشخاص في المظاهرات التي اندلعت بين مئات المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب في ختام مراسم العزاء على علي جاسم. كما يشير إلى أن المتظاهرين أحرقوا سيارة تابعة لقوات الأمن،
بعد أن ألقوا عليها زجاجة حارقة، فيما استخدمت الشرطة القنابل المسيلة للدموع  والرصاص المطاطي والمعدني. ولم يسلم الآخرون من غير المتظاهرين وشرطة الشغب من آثار المواجهات بين الطرفيْن. فلقد نُقل المصور الصحافي محمد المخرق إلى المستشفى ومعه  آخرون، بعد تعرضهم إما للاختناق بسبب الغازات المسيلة للدموع أو للطلقات أو بسبب  إصابات أخرى. بل إن الإصابات طالت طفليْن تعرضا للاختناق بسبب استهداف مسكن أهلهم
بما يبدو أنه قنبلة غازيّة طائشة. وبدلاً من أن تؤدي الفاجعة بوفاة علي جاسم إلى توقف الجميع وفي مقدمتهم وزارة الداخلية لمراجعة الحسابات ولوقف التدهور الأمني  والسياسي والحقوقي رأينا العكس تماماً. ولقد كنتُ شاهداً على ما يفعله بالناس شرطة  الشغب، أو على الأقل المختصون منهم بإطلاق القنابل الغازّية و’’قنابل الفلفل’’.

ذهبتُ في معية بعض الإخوة إلى جبّانة جدحفص لحضور دفن المغفور له علي جاسم وللتعبير  عن مشاركتنا في أحزان أهله ومحبيه. كان الحضورُ حزيناً وغاضباً إلا أنه كان مهيباً لوْلا ما كان يصلنا من غازات ‘’شرطة الشغب’’. كانت الغازات تعاقب الناس على حزنهم.
وكانت تستفزهم في الوقت نفسه وتهين حزنهم. عندها رأينا بضعة صبية يتراكضون خارج سور المقبرة وفي أيديهم حجارة باتجاه مصدر إطلاق القنابل الغازّية. قلتُ وقتها لمن معي  لو كُنتُ في عمرهم لنجحت الشرطة في استفزازي أيضاً. لو كنتُ في عمر أولئك الصبية لما ترددتُ لحظة واحدة ولكنتُ معهم أحاول ردّ الضيْم. لم أقل ما قلتُ تحبيذاً لردات
الفعل العنفية. ولم أقله بسبب جهلي بأن حجارة الصبية ليست سلاحاً يستطيعون به مواجهة الجنود المدججين بأسلحتهم وعتادهم علاوة على أجهزة إعلام تجعل الضحيةَ  جلاداً والجلادَ ضحية. لكني قلتُه وفي ذهني إحدى أطروحات فرانز فانون صاحب  ‘’المعذبون في الأرض’’. ففي رأيه يعتمد دوام ‘’ثنائية الخضوع والإخضاع’’ على العنف حتى ولو كان العنف عبثياً كالذي نعيشه هذه الأيام. وهو يرى أن الخبرة التاريخية تؤدي إلى تحويل العنف إلى جزء من الموروث. جزءٌ يتطلبه استمرار ثنائية  الخضوع/الإخضاع. ولهذا لن يزول العنف إلا بإنهاء تلك الثنائية.

لا يحتاج أولئك الصبية الذين شاهدتُهم يتراكضون خارج جبانة ‘’جدحفص’’ إلى من يحرضهم. فكما كان الحال عندما كنتُ أنا في عمرهم لم يكن أحدُنا يحتاج إلى تحريض. يكفي الوقوف على رصيف شارع  رئيس لكي يعرف أنه خارج الوطن. فإن لم يستوعب ذلك تكفلت استفزازات أجهزة الأمن، كما  تفعل هذه الأيام، بتحريضه على كراهية النظام.

[1] راجع: صحيفة ‘’الوقت’’، 21
ديسمبر/ كانون الأول 2007

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=5585

Advertisements