نخلة أخرى تموت

بعد أن أسقط العمل المضني واالإجهاد رفيقنا عبدالرحمن النعيمي طريحاً على فراش مرضه شبَّه أحد الإخوة رقدة أبي أمل كرقدة سنديانة ترتاح قليلاً.   إلا أن تلك الرقدة طالت حتى يوم أمس حين  خسرت بلادنا, وهي الولود, واحداً من خيرة من أنجبت.  وقتها كتبتُ أن تشبيه رفيقنا أبي أمل بالسنديانة تشبيه ذي دلالة.  فمن عرف ما نعرف عن عبدالرحمن لا شك سيرى أن أبا أمل كان مثل تلك الشجرة العظيمة الوارفة بكرم والصامدة بكبرياء في وجه الريح .

سنفتقد في عبدالرحمن مناضلاً حمل راية سميَّه الباكر وغيره من رواد حركتنا الوطنية. وهي راية رفعها عالية بقرب رايات أخرى رفعها ورفاقه وهم يناضلون في بقية أرجاء وطننا العربي من أجل غدٍ أفضل و نظام سياسي وإقتصادي  يوفر العدالة والكرامة والمساواة للجميع.

لم يكن النضال بالنسبة لعبدالرحمن “سياسة”تتمثل في التَكْتكَات الفهلوية والمناورات لتحسين موقع القائد أو زمرته أو تنظيمه.  وهو لم يحترف النضال رغم أنه تفرغ له طيلة أكثر من أربعة عقود.  لقد مارس عبدالرحمن النضال بجميع صوره بإعتباره أداة لتنظيم الناس ولتمكينهم من معرفة الآفاق الرحبة التي  تستطيع طاقاتهم الجماعية أن تفتحها.  وهو، كغيره من المناضلين الصامدين، لم يرَ العمل السياسي  وسيلة للتسلق على أكتاف الناس إلى هذا المنصب أو ذاك الجاه.

لقد أثبت عبدالرحمن بسلوكه وممارساته أن النضال ليس مجرد “سياسة”  بل سلسلة من الأعمال االدؤوبة والصعبة تصيب أحيانا وتخفق أحيانا أخرى. ولكنه يبقى مجالاً رحباً لإبداعات الناس ونضالهم الذي يجعل من المستحيل ممكناً. مجالٌ  يتعلم  القادةُ فيه كما تتعلم الجماهير  كيف يتحقق الأمل خطوة خطوة أحيانا أو في شكل قفزات كبيرة في أحيان أخرى .

عاش عبدالرحمن النعيمي شريفاً وناضل بإخلاص.   نعم فقدناه بالأمس ولكنه لن يغيب عن ذاكرة الناس والوطن. 

عبدالهادي خلف

 

Advertisements