باخرة محملة بالأسلحة والمفرقعات

اalwaqt- 23 December 2008

تناقلت وكالات الأنباء وبعض نشرات الأخبار الرئيسية في الفضائيات الدولية فحوى بيان أمني حول ”إلقاء القبض فجر الثلثاء على عدد من الأشخاص كانوا يخططون لتنفيذ عمل إرهابي بهدف الإخلال بالأمن العام وترويع الأبرياء الآمنين وتهديد حياتهم”.
ولا غرابة في هذا الاهتمام العالمي بالخبر. ففيه كل الكلمات اللازمة بعد 9/11 لاسترعاء الاهتمام الإعلامي. فمن لا يتوقف عند كلمات مثل ”عمل إرهابي” و”تفجير عبوات مصنعة محلياً” بهدف ”ترويع الأبرياء الآمنين”؟ ولهذا استغرب صحافيٌ طلب مني التعليق على ذلك الخبر حين قلتُ إن عليْنا أن ننتظر حتى نعرف مدى صدق الخبر وجديته. فقد يكون واحداً من الأخبار المعتادة في مواسم المسيرات. وديسمبر/ كانون الأول هو شهر مسيرات معارضة وموالاة كما هو معروف.
ولم تتأخر المؤشرات المعتادة والمقلقة. فنشرت الصحف المحلية ما صرح به مصدرٌ في النيابة العامة بأنها لم تبدأ التحقيق في واقعة حيازة عبوات متفجرة إلا بعد يوميْن من اعتقال المجموعة المؤلفة من شخصيْن أو ربما ثلاثة (حتى ساعة كتابة هذه الملاحظات). كذلك تبيَّن أمران مقلقان رغم أننا تعودنا عليهما. أولهما أن المواد المتفجرة المضبوطة هي قنينتا غاز وآلة لحام وعدد غير محدد من كرات الحديد ”الصجم”. والثاني هو عدم حصول محاميي الدفاع على إذن لزيارة المعتقليْن وحضور جلسات التحقيق معهما قبل ”اعترافهما”. بل لم يطلع المحاميان على ملف القضية. ورغم هذا وذاك صرح مصدر مسؤول لا أشك في اطلاعه أو اطلاعها على أصول التحقيق بأن المتهميْن اعترفا في التحقيقات أي دون حضور محاميهما. ولهذا أمرت النيابة بحبسهما لمدة أسبوعين كما ندبت خبراء المفرقعات المختصين لفحص المواد المضبوطة. ولن يستغرب أحدٌ أن يصيب المتهميْن ما أصاب غيرهما فيستمر احتجازهما ”رهن التحقيق” لأشهر قبل إحالتهما للمحاكمة. حينها لن يستطيع أحدٌ أن يثبت أو ينفي تعرضهما للتعذيب لدفعهما إلى ”الاعتراف بالواقعة”.
بدلاً من الدعوة للتروي نقلت بعض الصحف المحلية بيانات التنديد بالعمل الإرهابي حتى قبل أن تبدأ النيابة العامة التحقيق مع الشابيْن المعتقليْن. وطالب منددون بإنزال أقصى العقوبات بما فيها إعدامهما. هذا النوع من التسرع متوقع وأن لم يكن مقبولاً، من بعض أفراد الجمهور الذين تُهيِّجهم البيانات الرسمية وخطباء المساجد. إلا أنه غير متوقع من أعضاء في المجلس النيابي. فمن أكثر من النواب المنتخبين حاجة للتروي قبل أن يصيبوا قوماً بجهالة؟
أكتبُ هذا وأمامي تصريح النائب عبداللطيف الشيخ وهو الأمين العام لجمعية المنبر الوطني الإسلامي[1] . فقبل أن يتبين النبأ أي قبل أن تبدأ النيابة العامة تحقيقها وقبل أن يتم إبلاغ محاميي المتهميْن بالتهم الموجهة لموكليْهما، أدان سعادة النائب ”التخطيط للتفجير والتخريب والنَّيل من أمن واستقرار البحرين”. بل أشار وليس لديه أكثر مما لدينا من أخبار إلى أن المعتقليْن يستحقان أشد العقاب حيث إن أعمال التخريب والتفجير والإفساد في الأرض حرَّمها الإسلام ونص القرآن على توقيع أشد العقوبات بمن يتورطون في مثل هذه الأعمال الإجرامية. الطامة أن النائب لم يتروَ بل رأيناه يناشد رجال الأمن، وليس السلطة القضائية، الضرب بيد من حديد. لا أشكك البتة في نوايا سعادة النائب ولا أزايد عليه في حب الوطن والرغبة في أن يعمّه الأمن والعدل. ما أعتبُ عليه فيه أنه لم يعمل على التهدئة ومناشدة الناس المهتاجين انتظار أحكام القضاء بعد سماع دفوع المتهميْن. فهذا هو ما نفترضه ممن يسعى لبناء دولة القانون. فماذا سيكون حال سعادة النائب حين تقرر النيابة العامة إخلاء سراح المعتقليْن أو حين يقرر القضاء براءتهما؟
لا أطرح هذا السؤال مماحكة ولا استفزازاً. فلقد عشتُ مثل كثيرين من جيلي عشرات الأمثلة على”مؤامرات” يتم اكتشافها وعن أشخاص تم اعتقالهم بل وعن أدوات إرهاب وتخريب. وفي كل مرة تقوم الدنيا ولا تقعد تنديداً بالمتآمرين وترتفع أصوات بعضها لعقلاء تطالب بالضرب بيد من حديد بل وتطالب باجتثاث البذرة من جذورها. ثم تهدأ الأمور وينسى الناس الأمر. وتتكرر الحكاية مرة بعد مرة. ”مؤامرةٌ” بعد الأخرى ثم اعتقالات تليها ”اعترافات” وتنديدات ومزيد من الضرب بيد من حديد. ثم مزيد من السلطات لجهاز الأمن.
لا أعرف ما عمر سعادة النائب وهل يتذكر تفاصيل حكاية ”باخرة الأسلحة” أم لا؟ على أية حال سأستعيد لفائدته وفائدة من لا يعرف بعض ما نُشر عنها في الصحافة المحلية لتبرير حل المجلس الوطني في .1975 ومعلومٌ أن الصحافة نشرت قبل الحل وبعده كثيراً من ”الأخبار” عن ضبط أسلحة ومتفجرات وذخائر ومنشورات وكتب ”لدى بعض الخلايا الشيوعية”. إلا أن قمة المضحك المبكي وصلت حين نُشر خبرٌ عن حجز سفينة محملة بالأسلحة والمفرقعات في المياه الإقليمية البحرينية. وتضمن الخبر تفاصيل جيمس بوندية عن إلقاء القبض على قبطان الباخرة وبحارتها ومصادرة الأسلحة التي كان مقرراً تسليمها لأشخاص معينين في البحرين[2]. وحسب الرواية سيئة الحبكة مثل فيلم من الدرجة العاشرة كانت الأسلحة المخبأة في أماكن سرية بالسفينة ”مشفوعة بخطة مستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب”. لا يعرف حتى ”الجن الأزرق” ما حصل لتلك الباخرة المحتجزة التي عُرضت أمام الناس في ”فرضة المنامة”. وبالطبع لا نعرف ماذا حل بربانها وبحارتها و”الأشخاص المعينين” الذين كان من المفترض استلامهم لتلك الأسلحة و”الخطة المستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب”. ما نعرفه إنها كانت واحدة من عشرات القصص التي كان يفبركها هندرسون وجهازه لتبرير اتساع سلطاته. ومعلومٌ أن الميزانية الموضوعة تحت تصرفه زادت بفضل باخرة الأسلحة المزعومة وأمثالها إلى ثمانية أضعاف ما كانت عليه قبل حل المجلس الوطني.
لا داعي لتفاصيل أو أمثلة أخرى. فلعل ما سبق يكفي لأن يرى سعادة النائب عبداللطيف الشيخ بصفته هذه أو بصفة الأمين العام لجمعية سياسية أهمية التروي وعدم الانجرار وراء مشعلي الفتن. ولعلّه وغيره ممن ساروا على نفس الطريق السريع يتراجعون عن هذه التصريحات غير البناءة التي تزيد معوقات بناء دولة دستورية تضمن التكافؤ والمساواة وحكم القانون.

[1] ”المنبر الإسلامي تستنكر التخطيط لعمل إرهابي في العيد الوطني”، صحيفة الوسط. 19 ديسمبر/كانون أول 2008
[2] انظر ما نقله حسن عبدالله المدني عن تغطية مجلة ”المواقف” الأسبوعية لقصة الباخرة ضمن موضوع ”كرة النار المتدحرجة منذ ثلاثة عقود” في موقع مكتبة الموسى الثقافية على الرابط:
http://www.al- mousa.net/web/play.php?catsmktba=832

 http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9079

 

Advertisements

الكفاح السلمي

هذا كتيب من إصدار مركز تطبيق الاستراتيجيات وعمل اللاعنف

2006

Nonviolent Struggle: 50 Crucial Points
Srdja Popovic, Andrej Milivojevic, and Slobodan Djinovic
(Belgrade: Centre for Applied NonViolent Action and Strategies [CANVAS], 2006)
Download this publication in Arabic, English, Farsi, French, Serbian, Spanish

من حوار أجراه معي الأستاذ وسام السبع – جريدة الوسط

…:::::::::::::::::::::ا::::16 يناير 2011م:::::::::::::

وسام السبع: ألا تجد أن الحديث عن الاتفاق على موضوعات مشتركة، كالحريات والمستقبل السكاني لهذا البلد، والمتغيرات المعيشية والاقتصادية وضرورة اكتشاف المشتركات بين القوى الوطنية فيه شيء من الرومانسية الأكاديمية ؟

عبدالهادي خلف: من قال إن الرومانسية أمرٌ سلبي؟ لقد انطلق العمل الوطني في البحرين في الخمسينيات من حلم بسيط. ولقد استمر الحلم طوال العقود الماضية.  ومازلنا نحلم بدولة دستورية تكفل حقوقنا وتحمينا من كل أنواع الظلم والعسَف.   ولسنا وحدنا في هذا.     عندما ننظر إلى كل الثورات في التاريخ القديم والحديث نراها تنطلق من أحلام. وفي كل الحالات نرى من يتهم الداعين للثورة والتغيير بأنهم أناس حالمون وغير واقعيين.   وفي كل الأحوال نتعجب من كيف يتمكن شعبٌ ضعيفٌ ومكبل بالقيود المادية والمعنوية أن ينتصر على من هو أقوى منه؟ فكما يُقال يبدأ الانتصار بالجرأة على تشكيل الحلم به، ولكن هناك من الناس من يعتبر أن السعي لتحقيق الحلم أي التخلص من القيود ضرب من الجنون.

أقولُ مرة أخرى ليست الرومانسية بالأمر الخطأ، إنما عدم الواقعية هي الخطأ. وتتمثل عدم الواقعية في أن تشيح ببصرك عن الواقع الظالم أو أن تستنكر رغبة الناس في تغييره أو إزالته.   فهذا الواقع يزداد ضراوة كلما ووجه بالصمت. ولهذا يُقال إن من يسكت عن الظلم في الواقع فهو يقدم عوناً للظالم من حيث يدرك أو لا يدرك. لذلك فإنني لا أعتبر اتهامي بالرومانسية ـ إذا كان ذلك حقاً – سبة أو انتقاصاً. فأنا أعتبر الادعاء بعدم جدوى النضال تحت حجة أننا حاولنا ولم ننجح هو انهزامية. نعم نواجه ظروفاً صعبة وعلينا أن نتفاكر جميعاً للبحث عن مخارج مما نحن فيه. أمأ أين هي هذه المخارج وكيف تتغلب على الظروف الصعبة فيأتي بالبحث الدؤوب عن طرق جديدة لمواجهة الطرف الخصم، أي ابتداع طرق جديدة ووسائل أخرى غير التي استخدمناها خلال الفترة السابقة. ولا تنسَ هناك ميزان قوى بين الناس والسلطة، ولابد من تغيير ميزان القوى هذا لكي نتمكن من إحداث إصلاح جدي في تغيير الواقع الذي نعيشه. انظر إلى التسعينيات، فما كان لميثاق العمل الوطني أن يكون لو لم تكن هناك تضحيات جسيمة في عقد التسعينيات أوصلتنا إلى مشارف تغيير في ميزان القوى القائم آنذاك. ويتذكر جميع الناشطين في تلك الفترة أن تحركات سنة 1992 كانت تعد مغامرة غير محسوبة العواقب حسبما قيل. وتكررت العبارات نفسها حين طُرحت العريضة الشعبية في 1994. فلقد اعتبر البعض أن العريضة الشعبية كانت تطرفاً شديداً وخطراً، حتى أن كثيراً من الوثائق الموجودة اليوم تتهم القائمين على هذه العريضة بأنهم مغامرون وأنهم يخدمون أجندات خارجية، وأنا لا أتحدث عن السلطة، بل أتحدث عن أناس ينتمون الآن إلى صفوف المعارضة ويتصدرون التوجهات الناعمة فيها.

:::::::::::::::::::::::::::

للمزيد أنقر رابط جريدة الوسط

…………………….http://www.alwasatnews.com/3054/news/read/521384/1.html

..

التغرير والتحريض

تغيّرت أمورٌ كثيرة في البحرين منذ الخمسينات.  وتغيرت تسميات الأجهزة الموكولة بحفظ الأمن فيها كما تغيرت جنسيات المسؤولين فيها وتغيّرت لغة خطابهم الإعلامي. إلا أن متابعة البيانات الأمنية منذ الخمسينات تشير
إلى أمريْن لم يتغيرا. أولهما هو الإصرار على تفسير الاحتجاجات بالإشارة إلى  المحرضين الداخليين أو الخارجيين.
وثانيهما هو تكرار توصيف المحتجين بـ  ”المُغرّر بهم”. ويلاحظ المتابعُ أن الإعلام الرسمي لا يَمل مِن نشر هذه البيانات  في صياغات ناعمة أو شرسة حسب مقتضى الحال. فالأوضاع، حسب بعض الإعلاميين، هيَ
تَمَام التَمَام لوْلا التغرير والتحريض.
يتفق دارسو الحركات الجماهيرية على أن  الأجهزة الأمنية تلعب دون أن تدري دوراً مهماً في مجال التحريض على الاحتجاج. وهو  دورٌ يفوق أحياناً دورَ حركات المعارضة وناشطيها. بل وتؤكد الدراسات المقارنة أن بعض الإجراءات الأمنية هي أكثر تأليباً من عشرات البيانات السياسية. ولهذا يعتمد  عددٌ من تكتيكات المقاومة المدنية على تفعيل دور أجهزة الأمن في تأجيج الغضب بين  العموم وتسهيل تجنيد النشطاء والمتعاطفين مع مطالب المعارضة.
حين تشّنّ أجهزة الأمن حملاتها التأديبية الجماعية وتحاصر ”مناطق الاشتباكات” فهي لا تفرق بين النشطاء والمتعاطفين وبين مَن لا ناقة لهم في الأمر ولا جمل. وحين تستهدف قنبلة غازيّةٌ طائشة مَسْكناً وتصيب طفلاً فإنها تؤكد إدعاءات المعارضين أن السلطة لا تعاقب النشطاء وحدهم بل هي تستهدف كل الناس، وأنها غير معنية حتى بحماية الأطفال من غضبها. وحين تصيب آثار القنابل الغازيّة مواطنين يشاركون في مراسم دفن عزيزٍ فقدوه، تتأكد مزاعم المعارضين حول عشوائية العقاب الجماعي وأن المواطنَ متهمٌ في ولائه مهما فعل، وأنه سيُعاقب حتى لو كان عابر سبيل.
تلعبُ أجهزة الأمن دورها في التحريض ضد النظام حين تكتفي بالتعاطي الأمني مع الاحتجاجات وحين ترفض التعاطي
السياسي والحقوقي مع ما يعتبره المعارضون مظالم يتعرضون لها أو انتقاصات لحقوقهم كمواطنين في دولة حديثة. وفي هذا لا تشّذ البحرين عن مثيلاتها في العالم الثالث  التي يتجاهل خطابها الرسمي العوامل البنيوية التي تسهِّل عمل ”المحرضين”.
فالمواطن الصالح حسب الخطاب الرسمي هو القانعُ الصامتُ الصابرُ الذي يواجه الظلمَ  بالحوْقلة. أما المواطن الذي يخرج إلى الشارع مطالباً بحقوقه فهو حاقدٌ و”مُغررٌ به”.
معلومٌ أن الغضب يكون حيث يكون الإحساس بالظلم وحيث يكون الإحباط. وتتولد الرغبة في الاحتجاج حين يتزامن ثالوث المظلومية والإحباط والغضب. إلا أن المسافة  كبيرة بين الرغبة في الاحتجاج وبين فِعْل الاحتجاج. وفي هذه الملاحظة البديهية تكمن  إحدى مصادر تعقيد العمل الجماهيري. فمن خلال ما هو متوافر من دراسات حديثة في حقل
الحركات الاجتماعية نعرف أن الناس لا يحتجون كُلّما ظُلموا أو أحبطوا أو غَضبوا.
وفوق ذلك فهُم ليسوا مجرد غوغاء لا عقل لها ولا إرادة. أو مجرد كتل بشرية يحركها  ”المحرضون” الداخليون والخارجيون كيفما شاؤوا ومتى ما شاؤوا.
لا تتحول الرغبة  في الاحتجاج إلى فعلٍ احتجاجي إلا في حالات قليلة. فجزءٌ من الرغبة في الاحتجاج يختفي حين يتعلق بعض الناس بعباءات رجال دين يحذرونهم من عواقب الخروج على وليِّ  الأمر أو يدعونهم إلى الصبر ويَعِدونهم بالأجر العظيم في الآخرة. وجزءٌ آخر تمتصه جهود نخب سياسية تَعِدُ الناس بمستقبل زاهر تحت قيادتها ولكنها تطالبهم بطول البال بينما هي تساوم السلطة على الشكليات والفُتات بل وتدخل معها في صفقات و مُقايضات.
وجزءٌ ثالث يختفي عبر الهروب من الواقع فيُغرق بعضنا همومه الشخصية والعامة في الدَرْوَشة أو الإدمان وغيرهما من أشكال الهروب من الواقع. وتشمل أشكال الهروب من الواقع انتظار ما ستأتي به بطاقة يانصيب، أو أن يتحقق أمرٌ نَذَرْنا من أجله نذراً لصاحِب ضريح، أو أن تصل رسالة استرحام أرسلها مظلومٌ قبل سنوات إلى مسؤول متنفذ.
ويمتص ما تبقى من رغبة في الاحتجاج خوفُ الناس على أرزاقهم وأرزاق أقاربهم وخوفهم  من ملاحقات قد يتعرضون لها.
حين تتضافر كل هذه العوامل تعِمّ البلادَ فترة هدوء تتخيله أجهزة الأمن من صنعها. إلا أن الهدوء كما قلتُ لا يعني أن الناس راضية بما فُرضَ عليها أو قانعة بما تحصل عليه من فُتات. فجَمْرُ المظلومية والإحباط والغضب  باقٍ تحت الرماد ينتظر ظرفاً ملائماً كي يشتعل.
لا يتطابق هذا السرد مع ما يتصوره بعض الناشطين السياسيين حين يطرحون برامج أو حين يُعدّون أجندات عملهم
الجماهيري. فالمتفائلون والسذج من بين هؤلاء يتصورون أن الناس طاقة ثورية لا تنضب  ولكنها طاقة معطلة تنتظر من يحرّكها ويقودها. كما لا يتطابق هذا السرد مع ما يتصوره بعض المسؤولين الأمنيين الذين لا ينظرون إلى الناس إلا كمصدر لخطرٍ مُحتمَل أو داهِم أو قائِم.
حين نتمعن في تاريخنا السياسي الحديث نلاحظ أن الاحتجاجات الجماهيرية اتخذت شكل انتفاضات أو هبّات دورية يفصل بين الواحدة والأخرى فترة هدوء تقل عن عشر سنوات. ومعلومٌ أن السنوات 1954 و1965 و1972 و1979 و1986 و1994 و2007 هي  علامات على الطريق يؤرخ كلٌ منها لإحدى ”الرَدْحَات” الدورية حسب تعبير أخينا
جاسم مراد. إلا أن كلاً منها تؤرخ أيضاً لانعطافات تغييرية في تاريخنا السياسي

في كل ”انتفاضة” تلجأ أجهزة الأمن إلى حزمة الإجراءات المعتادة لتأديب  ”المغرر بهم” بما فيها اعتقال عددٍ مناسب من ”المُحَّرِضين”. وحين تنجح الأجهزة الأمنية في إخماد الاحتجاجات بعد فترة قد تطول أو تقصر تهنئ الأجهزة الأمنية نفسها. وقد يحصل الجنود على تعويضات عن العمل الإضافي وقد يحصل القادة على ترقيات وأوسمة.

إلا أن من يتابع تاريخنا الحديث لا تفوته ملاحظة أن ما يتحقق من هدوء ظاهري هو خداعٌ للنفس. بل هو، في أحسن الأحوال، إنجازٌ مؤقت طالما لم يتم التعاطي مع العوامل  البنيوية التي تسبب ما نشهده من احتجاجات دورية. فلا يتخيل حصيفٌ أن هذه العوامل تزول حين يعمّ الهدوء. بل أتجرأ على القول إنهم في كل مرة تتسرع فيها الأجهزة،
وأصداؤها الإعلامية، بإعلان الانتصار على الغوغاء والمغرر بهم وعلى المحرضين فإنها تسهم، دون أن تدري، في التحريض على ”انتفاضة” أخرى ستُصيب البلاد عاجلاً أو آجلاً.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=5659

لوْ كنتُ في عمرهم

كرَّرت بيانات وزارة الداخلية طوال الأيام الماضية  تأكيد حرصها على احترام القوانين والتزامها بالقيام بواجباتها في حماية الأمن. بل  إنها في بياناتها تصر على أنها هي الطرف المُعتدى عليه فيما يجري من مواجهات في  ‘’مناطق الأحداث’’. فهي إنما أرسلت قواتها إلى تلك المناطق لمنع ‘’تظاهر وتجمع غير  قانوني وإغلاق الطرقات العامة وحرق حاويات القمامة والإطارات’’ ولوقف ‘’ترويع أمن  وسلامة المواطنين والمقيمين’’. وعلى من لا يصدق بيانات الوزارة إلا اللجوء إلى مؤسسات الدولة الأخرى للتأكد من سلامة موقف الوزارة القانوني.
تكشف هذه  البيانات عن عدم تماس بمشاعر الناس. فلو كان المتضررون من إجراءات وزارة الداخلية يثقون بالدولة ومؤسساتها، ولو أن الدولة وفّرت لهم ما يجعلهم يثقون بها، لما شهدت البلاد ما تشهده الآن. فما تكشفه التقارير الإخبارية في صحف محلية وما هو متداول في المواقع الإلكترونية علاوة على العشرات من لقطات الفيديو والصور المنتشرة في الفضاء  الإلكتروني يشير إلى عكس ما تريدنا البيانات الرسمية أن نصدقه. من بين ما يستحق
الاهتمام في حوادث الأيام الماضية هو كثافة القنابل الغازيّة. قد يكون بعض هذه  القنابل الطائشة طائشة حقاً وقد يكون بعضها بسبب سوء تدريب الجنود على التهديف أو بسبب عدم قدرتهم على قراءة تعليمات الاستخدام. ولكن من يُقنع الضحايا بأن بعض الطائش ليس مقصوداً؟
كما تستحق الاهتمام الزيادة الملحوظة في استخدام الشرطة  للهراوات والركل بالأحذية. وهذا تكتيك عرفه الفلسطينيون إبان الانتفاضة الأولى في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. فلقد أمر السفاح الإسرائيلي إسحاق رابين جنوده
باستخدام أحذيتهم العسكرية والهراوات لا لتفريق المتظاهرين بل لتكسير أطرافهم  وإصابتهم بعاهات مستديمة. وكان هدفه الثاني من تكسير الأطراف هو تحاشي اعتقال أعداد  كبيرة من المتظاهرين لما قد ينجم عنها من مضاعفات أمنية وقانونية وإعلامية.
من  يتابع التقارير الإخبارية لا يملك إلا أن يستنتج أن وزارة الداخلية بالغت في تصوير الخطر وبالغت في أساليب معالجته. بل إن تصرفات قوات الشغب والأجهزة الأمنية في الأيام الماضية جعل الأمور تتصاعد سوءاً. فلقد كان يمكن للوزارة التصريح لمسيرة  إحياء يوم الشهيد فتمر الأمور بسلام. وكان بإمكانها أن تتعامل مع المسيرة السنوية
كما تعاملت مع غيرها في سنوات سابقة. وكان بإمكانها بعد أن خرجت المسيرة ‘’غير المرخصة’’ أن تتعاطى معها بحكمة أكبر حرصاً على أرواح الناس، بمن فيهم المتظاهرون أنفسهم. إلا أن الوزارة اختارت للأسف أن تتعاطى مع المسيرة بفظاظة وكأن القيام  بمسيرة ‘’غير مرخصة’’ هو في مستوى خطورة محاولة انقلاب عسكري.

صادف أن مررنا فييوم الشهيد في الشارع المحاذي لمقبرة الحورة (قرب المستِشفى الاميركي) بعد تفريق  المسيرة بساعات وشاهدتُ أعدادَ الشرطة وعرباتها المدججة وهي تحاصر المقبرة والشوارع المؤدية لها. فهل تخيل أحدٌ في الوزارة أن مجيء عشرة أو بضعة عشرات من الناس إلى الجبانة لقراءة الفاتحة على أحبة لهم سيقود إلى تدمير النظام أو تخريب ممتلكات عامة؟ كان حصار المقبرة وقد لّفها الظلام استفزازاً لا هدف من ورائه إلا الرغبة في إهانة مشاعر الناس مهما كانت العواقب.
ولقد رأينا كيف أدى ذلك التكتيك السيئ  إلى تفاقم الأمور في الأيام الماضية وتعريض حياة وصحة الناس إلى الخطر. فلقد أسرفت  ‘’شرطة الشغب’’ في استخدام القنابل الغازية المسيلة للدموع والرصاص المطاطي علاوة  على الضرب بالهراوات والركل بالأحذية. ورأينا صورا لضحايا هذا العنف الذي وصل إلى  أوجه بوفاة علي جاسم.
يشير تقريرٌ أخباري [1] إلى إصابة عددٍ من الأشخاص في المظاهرات التي اندلعت بين مئات المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب في ختام مراسم العزاء على علي جاسم. كما يشير إلى أن المتظاهرين أحرقوا سيارة تابعة لقوات الأمن،
بعد أن ألقوا عليها زجاجة حارقة، فيما استخدمت الشرطة القنابل المسيلة للدموع  والرصاص المطاطي والمعدني. ولم يسلم الآخرون من غير المتظاهرين وشرطة الشغب من آثار المواجهات بين الطرفيْن. فلقد نُقل المصور الصحافي محمد المخرق إلى المستشفى ومعه  آخرون، بعد تعرضهم إما للاختناق بسبب الغازات المسيلة للدموع أو للطلقات أو بسبب  إصابات أخرى. بل إن الإصابات طالت طفليْن تعرضا للاختناق بسبب استهداف مسكن أهلهم
بما يبدو أنه قنبلة غازيّة طائشة. وبدلاً من أن تؤدي الفاجعة بوفاة علي جاسم إلى توقف الجميع وفي مقدمتهم وزارة الداخلية لمراجعة الحسابات ولوقف التدهور الأمني  والسياسي والحقوقي رأينا العكس تماماً. ولقد كنتُ شاهداً على ما يفعله بالناس شرطة  الشغب، أو على الأقل المختصون منهم بإطلاق القنابل الغازّية و’’قنابل الفلفل’’.

ذهبتُ في معية بعض الإخوة إلى جبّانة جدحفص لحضور دفن المغفور له علي جاسم وللتعبير  عن مشاركتنا في أحزان أهله ومحبيه. كان الحضورُ حزيناً وغاضباً إلا أنه كان مهيباً لوْلا ما كان يصلنا من غازات ‘’شرطة الشغب’’. كانت الغازات تعاقب الناس على حزنهم.
وكانت تستفزهم في الوقت نفسه وتهين حزنهم. عندها رأينا بضعة صبية يتراكضون خارج سور المقبرة وفي أيديهم حجارة باتجاه مصدر إطلاق القنابل الغازّية. قلتُ وقتها لمن معي  لو كُنتُ في عمرهم لنجحت الشرطة في استفزازي أيضاً. لو كنتُ في عمر أولئك الصبية لما ترددتُ لحظة واحدة ولكنتُ معهم أحاول ردّ الضيْم. لم أقل ما قلتُ تحبيذاً لردات
الفعل العنفية. ولم أقله بسبب جهلي بأن حجارة الصبية ليست سلاحاً يستطيعون به مواجهة الجنود المدججين بأسلحتهم وعتادهم علاوة على أجهزة إعلام تجعل الضحيةَ  جلاداً والجلادَ ضحية. لكني قلتُه وفي ذهني إحدى أطروحات فرانز فانون صاحب  ‘’المعذبون في الأرض’’. ففي رأيه يعتمد دوام ‘’ثنائية الخضوع والإخضاع’’ على العنف حتى ولو كان العنف عبثياً كالذي نعيشه هذه الأيام. وهو يرى أن الخبرة التاريخية تؤدي إلى تحويل العنف إلى جزء من الموروث. جزءٌ يتطلبه استمرار ثنائية  الخضوع/الإخضاع. ولهذا لن يزول العنف إلا بإنهاء تلك الثنائية.

لا يحتاج أولئك الصبية الذين شاهدتُهم يتراكضون خارج جبانة ‘’جدحفص’’ إلى من يحرضهم. فكما كان الحال عندما كنتُ أنا في عمرهم لم يكن أحدُنا يحتاج إلى تحريض. يكفي الوقوف على رصيف شارع  رئيس لكي يعرف أنه خارج الوطن. فإن لم يستوعب ذلك تكفلت استفزازات أجهزة الأمن، كما  تفعل هذه الأيام، بتحريضه على كراهية النظام.

[1] راجع: صحيفة ‘’الوقت’’، 21
ديسمبر/ كانون الأول 2007

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=5585

عودة لكتاب قضية البحرين

 أكتبُ أحياناً  توصيفاً للوضع في البحرين ومعاناة أهلها فألاحظ إنني كتبتُ التوصيف, ربما بكلمات أخرى أو مشابهة, قبل سنة أو عشر أوحتى عشرين. ولستُ في هذا وحدي.  فنحن نتعاطى مع نظام سياسي يسعى لأن يبقى  كما بدأ وكيف بدأ.  فما زال أهل النظام ومواليه وموالوه يرفعون رايات “الفتح”  ويرددون  سردياته التي تكاثرت عاماً بعد منذ أن أتت قبائل “الفتح” من الزبارة  في سنة 1783م.  

في النص المرفق سيرى القارئ/القارئة أن بعض مشاكلنا هي هي الآن كما كانت عليه قبل أكثرمن ست وخمسين سنة. وعلي القارئ/القارئة أن يتفكرا مثلاً في النداء الذي ختم به يوسف الفلكي كتابه. ومعروفٌ أن الاٍسم هو لأحد مناضلي هيئة الإتحادالوطني التي قادت حركتنا الوطنية في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. إلا أن من يقرأ النص ربما ظن أن النداء قد كتبه أمس إبراهيم شريف أو عبدالوهاب حسين أو حسن مشيمع أو رولا الصفار أو أم الشهيد على جواد الشيخ. ا

 تفكروا في  النداء الذي  إختتم يوسف الفلكي به كتابه :ا:

“:إننا بإسم العروبة وبإسم البحرين كلها نستصرخ الضمير الإنساني ونطالب الحكومات العربية والمنظمات الحزبية أن تعمل ما في وسعها لوضع حد المآسي التي تُمثّل في ذلك الجزء من العالم, كما إننا نناشد شعوب وحكومات العالميْن العربي والإسلامي وكافة المناضلين الأحرار في جميع أرجاء وطننا العربي الأكبر أن يضموا أصواتهم إلى صوت شعب البحرين في محنته الحاضرة .عاش شعب البحرين المناضل في سبيل حريته ونيْل حقوقه.” ا  

 falaki9899

نخلة أخرى تموت

بعد أن أسقط العمل المضني واالإجهاد رفيقنا عبدالرحمن النعيمي طريحاً على فراش مرضه شبَّه أحد الإخوة رقدة أبي أمل كرقدة سنديانة ترتاح قليلاً.   إلا أن تلك الرقدة طالت حتى يوم أمس حين  خسرت بلادنا, وهي الولود, واحداً من خيرة من أنجبت.  وقتها كتبتُ أن تشبيه رفيقنا أبي أمل بالسنديانة تشبيه ذي دلالة.  فمن عرف ما نعرف عن عبدالرحمن لا شك سيرى أن أبا أمل كان مثل تلك الشجرة العظيمة الوارفة بكرم والصامدة بكبرياء في وجه الريح .

سنفتقد في عبدالرحمن مناضلاً حمل راية سميَّه الباكر وغيره من رواد حركتنا الوطنية. وهي راية رفعها عالية بقرب رايات أخرى رفعها ورفاقه وهم يناضلون في بقية أرجاء وطننا العربي من أجل غدٍ أفضل و نظام سياسي وإقتصادي  يوفر العدالة والكرامة والمساواة للجميع.

لم يكن النضال بالنسبة لعبدالرحمن “سياسة”تتمثل في التَكْتكَات الفهلوية والمناورات لتحسين موقع القائد أو زمرته أو تنظيمه.  وهو لم يحترف النضال رغم أنه تفرغ له طيلة أكثر من أربعة عقود.  لقد مارس عبدالرحمن النضال بجميع صوره بإعتباره أداة لتنظيم الناس ولتمكينهم من معرفة الآفاق الرحبة التي  تستطيع طاقاتهم الجماعية أن تفتحها.  وهو، كغيره من المناضلين الصامدين، لم يرَ العمل السياسي  وسيلة للتسلق على أكتاف الناس إلى هذا المنصب أو ذاك الجاه.

لقد أثبت عبدالرحمن بسلوكه وممارساته أن النضال ليس مجرد “سياسة”  بل سلسلة من الأعمال االدؤوبة والصعبة تصيب أحيانا وتخفق أحيانا أخرى. ولكنه يبقى مجالاً رحباً لإبداعات الناس ونضالهم الذي يجعل من المستحيل ممكناً. مجالٌ  يتعلم  القادةُ فيه كما تتعلم الجماهير  كيف يتحقق الأمل خطوة خطوة أحيانا أو في شكل قفزات كبيرة في أحيان أخرى .

عاش عبدالرحمن النعيمي شريفاً وناضل بإخلاص.   نعم فقدناه بالأمس ولكنه لن يغيب عن ذاكرة الناس والوطن. 

عبدالهادي خلف