مداخلة في ندوة الإمتيازات وحقوق الإنسان بتاريخ 15 أكتوبر 2003

مداخلة عبر الهاتف  للدكتور عبدالهادي خلف فينــدوة الامتيازات و حقوق الإنسان

بنادي العروبة (البحرين) 15 أكتوبر 2003

الســــلام عليـكم

أحييكم أيها الأخوات و الاخوة و أحي الزملاء المنتدين كافة ، كما أشـكركم جميعا على سماحكم لي بالمشاركة في هذا اللقاء الهام . وهو لقاءٌ تتعزز أهميته برمزية المكان الذي ينعقد فيه . ذلك لأن نادى العروبة صرح ٌ يشهد تاريخُه الطويل لأكثر من خمسة عقود على أن بناء الأوطان هي مهمة كل الناس, إذا لا تنحصر في فئة أو طائفة أو طبقة دون الآخرين و هي مهمة لا يجب أن تتوقف مهما كانت العقبات و لا أن تتباطأ في أوقات الإنجازات .

و أنني أقدر لمنظمي هذا اللقاء انتباههم إلى ضرورة التأكيد على ربط أشكال التمييز بنظام إمتيازات العائلة الخليفية و التأكيد على كون إستمرار التمييز و الامتيازات هما من أكبر معيقات التحول الديمقراطي و بناء الوطن و الدولة الدستورية.

أقولُ لقد علمنا الرواد الذين أســســوا هذا النادي , نادي العروبة, و الذين أســهموا أيضاً في تأسـيس هيئة الاتحاد الوطني في الخمســينات حقيقةً لا يمكن تجاهلها , ألا و هي إن الأوطان لا تشـــاد على الظلم و لا على التفرقة و لا على استثارة النعرات القبلية و الطائفية و لا على التمييز بين أهل البلاد . كما و علمنا روادنا و رائداتنا في الحركة الوطنية بأطيافها, بديهية من بديهيات الحياة السـياسية : إن المشـكلة التي تعاني منها بلادنا ليست مشكلة بين شـيعة و سـنة .

و لقد استمرت الحركة الوطنية على نفس الطريق الذي اختطه روادها. و عملت و ما زالت تعمل ، بجميع أطيافها الإسلامية و القومية و اليسارية , من أجل إقامة الوطن الذي ســعت هيئة الاتحاد الوطني لإقامته ، وطنٌ يتساوى فيه أهله دون امتيازات و دون تمييز. و طنٌ حرٌ حقاً و شعبٌ سعيدٌ حقاً لأنه يتمتع بالمسـاواة في الكرامة و في الحقوق و الواجبات. و كما كانت هذه الجهود الخيرة تتصاعد كذلك كانت تتصاعد العراقيل الذي تضعها السـلطات أمام جهود بناء الهوية الوطنية التي يسـمو الانتماء إليها على الانتماءات الإثنية و القبلية الأخرى .

و يشـهد تاريخ البحرين منذ أن ُضربت هيئة الاتحاد الوطني عام 1956 أن الســلطات الحاكمة ، سـواء في عهد الحماية البريطانية أو عهد ما بعد الاسـتقلال ، اقترفت آثاماً عظاماً و جرائمَ كبرى بحق الناس فسـقط الشــهداء من كل الطوائف و من كل الفئات ، و من كل الأعمار و من كل المناطق. لقد سُــــجن الآلاف و عُذِب منهم من عُذِب ، و لم تفرق زنازنهم و لا الموت تحت التعذيب بين شيعي و سني أو بين قروي و منامي و محرقي ، و لا بين هولي و عربي قح. لقد كنا جميعاً و ما نزال في نظرهم رعايا علينا أن نرضى بما يتكرمون علينا به من فتات على شكل مكرمات و عطايا. و صار المطالب بحقه ، بحق الناس ، عدواً للنظام ، يلاحقه جلاوزة النظام و يدينه أتباع النظام على اختلاف طوائفهم و مذاهبهم .

أيتها الأخوات و الاخوة
لقد كانت الحركة الوطنية تواجه على الدوام عائقيْن صعبيْن: أولهما ما نسميه بحاجز الخوف الذي كمَم بعض الأفواه و أخرس بعضها الآخر. و لقد تعلم الناس كيف يتغلبون على هذا الحاجز بتضحياتهم و بإصرارهم و بصمودهم. أما العائق الآخر فهو مسـتنقع الطمع الذي سـقط فيه كثيرون منذ الخمسـينات. وهو المستنقع الذي ما زال بعضنا يسقط فيه حتى يومنا هذا. فكثيرون هم الذين باعوا تاريخنا المشترك أو باعوا رفاقهم مقابل عطايا النظام و مكرماته. و هؤلاء الذين ســقطوا و يســقطون في هذا المسـتنقع لم تختص بهم طائفة دون أخرى ، و لا مدينة أو قرية, بل و لم ينفرد بتخريجهم تيار سياسي دون آخر. و لقد ثبت أن النظام على اســتعداد لشــراء كل من يريد أن يبيع الناس و الوطن ، سواءً أكان هذا المتساقط إسلاميا أو شــيوعيا أو قوميا. فالطمعُ لا يختص بطائفة ولا بتيار .

و لقد رأينا في الفترة الأخيرة , و بالذات منذ إجهاض المشروع الإصلاحي الذي تعاهدنا عليه يومَ وضعنا ثقتنا في الملك عشية الإستفتاء على ميثاق العمل الوطني, رأينا كيف إن النظام سعى و يسعى جاهداً أيضاً إلى خلط الأوراق إما عن طريق مختلف إجتماعات السقيفة المعلنة و غير المعلنة أو عن طريق توليد تيارات سياسية تتســابق في موالاتها له . و لقد شهدنا مؤخراً مؤشراتٍ لبروز تيارٍ سـياسي لا أجد تسمية أفضل له من أن أسميه بالتيار القافض , أي تيار القابلين الرافضين في الوقت نفسه. و هذا التيار, كما يبدو من مؤشـراته, سيضم شخصيات لا يجمعها جامع سوى القبول بالتراجعات عن الميثاق تحت حجة إنها, أي التراجعات, أصبحت أمراً واقعاً. و سيكون لهؤلاء القافضين حظوة ملحوظة لدى أهل الحكم الذين يأملون أن يتمكن القافضون من إقناع الناس بقبول التراجعات التي فرضتها التعديلات الإنفرادية على الدستور التي أجهضت المشروع الإصلاحي. و تسعى جهود القافضين تحت حجج الدعوة للعقلانية و البراجماتية و الواقعية إلى شرعنة النظامٍ القائم على إمتيازات العائلة.

أيتها الأخوات و الاخوة
يواجهنا النظام بسلاحٍ آخر, و هو سلاحٌ قديمٌ من أسلحته يتمثل في تشــجيع إثارة النعرات و الحزازات الطائفية. و تلعب أشكال التمييز بين الناس ، أحياناً على أسـاس طائفي ، و أحيانا على أساس مناطقي ، و أحيانا على أساس عائلي ، دوراً هاماً في هذا المجال . فالتمييز و الإحساس بالغبن المترتب عن التمييز المنظم هو طريق مجرب لإثارة النعرات و إشاعة الفرقة بين الناس. وهو طريق يأملون من إنتهاجه إضعاف احتمالات تمتين وحدة المعارضة و تثبيت خطى حركتها.

إلا أن من الواجب التنبيه مرة أخرى ، بالضبط كما فعل روادنا قادة الحركة الوطنية عبر الأجيال من المرحوم عبد الرحمن الباكر إلى وقتنا الحاضر, على إن إثارة النعرات الطائفية هو سلاحٌ خطر و خطير. و هو سلاحٌ لا يليق بأي شخص يحب الوطن و يحب الخير لأهل هذا الوطن أن يستخدمه مهما كانت الدوافع و الظروف و التبريرات. ذلك إن شـرذمة الناس و إثارة النعرات و الحزازت بينهم إنما تصب في خدمة النظام نفسه. أقولُ هذا و أشددُ على القول بإن إثارة النعرات الطائفية تؤدي إلى حرف الأنظار عن حقيقة أن التمييز الطائفي و القبلي ما هو إلا أداة من جملة أدوات في ترســانة متكاملة يســتخدمها النظام لإدامة احتكار العائلة الحاكمة لثروات الوطن و إستمرار ســيطرتها على مقدراته .

لا تهتم الأطراف المتشددة في النظام أبداً بالإحصائيات حول كم شيعي في مجلس الوزراء و كم سني فيه. ولا هي تهتم بأرقام متعلقة بكم عدد السـفراء الهولة و لا بكم من السـفراء هم عربٌ أقحاح . ما يهمهم و ما يهتمون به هو ولاءُ هؤلاء الوزراء و السفراء و حتى أصغر المتنفعين. ما يهمُ الأطراف المتشددة في النظام هو سكوت المتنفعين عن إستمرار مظاهرالظلم الذي يرزح تحته جميع أبناء الوطن و بناته دون استثناء . ما يهم الأطراف المتشددة في النظام هو بقاء نظامهم و استقراره و عدم المسـاس بامتيازات العائلة . و لقد تعلمنا منذ عشرات السـنين أنهم لن يتورعوا في سـبيل ذلك عن سجن الناس و تعذيبهم أو تشريدهم ، و إنهم لن يتوانوا عن تشجيع إثارة النعرات الطائفية في أكثر صورها بذاءة ، و لن يتوقفوا لا عن شراء الذمم ، و لا عن تخويف الناس من بعضها البعض و لا عن إشاعة الشـكوك فيما بينهم ، و إضعاف ثقتهم بقدراتهم على الصمود في نضالهم السـلـمي من أجل إسـترجاع الحقوق .

من جهة أخرى يمكنكم ملاحظة أمرٍ يستحق التوقف عنده بسبب دلالاته السـياسية. و هذا الأمر يتعلق بأخواتنا و أخوتنا ممن تركونا بعد أن كانوا معنا و كنا معهم في المنافي أو في السجون و إلتحقوا مؤخراً بركب الســلطة. وفي الوقت الذي يتأسف بعضنا لأننا خسرنا بعض هؤلاء الأخوة و الأخوات و نتأسف لأن المشروع الوطني قد خســر إسهامات كثيرين منهم, إلا إننا يجب أن نلاحظ أيضاً إن النظام كان كريماً مع هؤلاء كرماً ملحوظاً.دون تفريق أو تمييز. فكما تعرفون لم يفرق بين السني و الشيعي من بين هؤلاء , و لا بين المتدين و الشـيوعي، و لا بين المتعلم و غير المتعلم و لا بين صاحب المؤهلات من عديمها. بل ســاوى بين جميع من أراد منهم أن يلتحق بركبه , طالما هم يســبحون بحمده و يشــكرونه على مكرماته و عطاياه. و تأتي هذه المسـاواة على إساس قاعدة معروفة : كلُ من يدخل الحظيرة يأكل من نفس العلف.

أقولُ لا تهتم الأطراف المتشددة في النظام إلا بما يضمن بقاء نظامهم و استقراره و عدم المسـاس بامتيازات العائلة. و لقد رأيناهم بالأمس و قد رموا عادل فليفل شر رمية عند ما إشتد الضغط عليه بل و ســهلوا خروجه عبر المطار. و لم تتوان وزارة الداخلية عن التبرؤ منه بسبب ما ســمته اســـتغلاله لوظيفته …. إلا أنها تجاهلت إتهامه بالتعذيب , و ذلك لان كل زملائه من هندرسـون و من هم فوق هندرســون و تحته هم أيضا معذبون، جلادون ، ومسئولون عن دماء الشــــهداء و صيحات المعذَبين و دموع أمهاتنا و آبائنا و أطفالنا. إلا أنهم حين عرفوا أن محاكمة عادل فليفل في أســتراليا ســتفضح النظام كله و ســتبرز للعالم كله و ستفضح كل مخازيهم طوال الثلاثين ســنة الماضية. و حين عرف الجميع إن محاكمة عادل فليفل في اســتراليا ســتطال أيضا جميع رؤسائه , عندها صدر المرســوم التفسيري سـيء الصيت. و عاد العقيد الذي كان فاراً إلى البلاد و هاهو يحظى بما لا يحظى به ضحاياه.

حين أرددُ ما يقوله المخلصون لهذا الوطن من إن المشـكلة التي تعاني منها بلادنا ليست مشكلة قائمة بين شـيعة و سـنة فلا يعني هذا إنني أقلل من أهمية و عمق مشــاعر الإحباط بل و الغضب التي تصيب أياً منا حين تقف السـياسة التمييزية التي تمارســها الدولة في بعض المؤسـسـات و الوزارات و الدوائر, أو التصرفات التمييزية التي يقوم بها, بدوافع الفســاد و المحسوبية و التشبه بالكبار, أغلب المتنفعين المتنفذين في مؤســسات الدولة و وزاراتها ودوائرها, حين تقف حاجزأً أمام الحصول على حقٍ مشـروعٍ في سكنٍ أو عملٍ أو غيرهما من متطلبات العيش الكريم الآمن. حين يتعرض أياً منا لأي نوع من أنواع المعاملة التمييزية, ســواء بسبب سياسة النظام أم بسبب تصرفات فردية, فأن له و لها الحق في الغضب و في الإحتجاج و في رفض إنتهاك حقٍ أســاسي من حقوق المواطنة الدستورية, ألا وهو حق الجميع في الفرص المتكافئة دون إعتبار لأصلٍ أو دينٍ أو جنس. إلا إنه و بجانب الغضب و الإحتجاج و الرفض علينا أيضاً أن نتفكر في ماذا نستطيع أن نفعل , معاً و بجميع فئاتنا و على إختلاف توجهاتنا الفكرية و رؤانا الســياسية, لوقف سـياسة التمييز من تحقيق أهدافها.

نعم ثمةَ تمييز نشــاهده أينما يَممْنا وجهنا. الأرقام التي رأيتموها و تعرفونها لا تحكى إلا جزءً يسـيراً من جملة ما يعرف كل واحدة وواحد منكم . فمن منا من لم يتعرض لمعاملة تمييزية ؟ و من منا لم يشــعر بالمهانة بسبب تصرفات أصحاب السـلطة و شــاكرديتهم في الإسكان و في المرور و في الجوازات و في المطار ،نعم في كل مكان تقريبا … حتى داخل بيوتنا عبر بعض ما يبثه التلفزيون و تذيعه الإذاعة من ترهات عنصرية و طائفية. نعم أيتها الأخوات و الأخوة, إن الأرقام تحكى قصصا نعرفها جميعا و لكن علينا أن ننتبه و ننتبه , و علينا أن نتحاشى إغراءات الوقوع في مصيدة الطائفية أو الإنجرار إلىتجربة الغوص في مســتنقعها. فما أكثر الإغراءات.

نعم ثمةَ تمييز نشــاهده أينما يَممْنا وجهنا. و لكن علينا أن نعرف إن الغرض من إصرار النظام على نهجه التمييزي ليس تفضيل الســنة كطائفة على الشــيعة كطائفة, بل إن المقصود هو , أولاً و قبل أي شئ آخر , إستخدام التمييز كأداة لحماية إمتيازات العائلة الحاكمة . و علينا أن لا نقع في الفخ المنصوب فنصدق إنهم يحبون السنة لله في الله و يكرهون الشيعة لله في الله, أو نصدق إنهم يفضلون سكان هذه المدينة على سكان تلك. لا أيها الأخوات و الأخوة إن المتطرفين فيهم يحبون أنفسهم, أولاً و قبل أي شئ آخر. أقولُ إن المتطرفين فيهم إنما يريدون إستمرار نظام الإمتيازات حتى ولو تطلب ذلك أن تمزق الطوائف بعضها البعض. , هذا ما لن يحدث أبداً بسبب وعينا بأن هذا الوطن هو وطننا جميعاً.

نحتاج دائماً ، مثلما فعل رواد الحركة الوطنية ، و منهم مؤسسو هذا النادي , إلى تذكير أنفسـنا أولاً و تذكير الناس ثانياً بأن المشاكل التي تعانى منها البلاد لا يمكن أن تُحل أبداً عبر الإنخراط في مشـروع النظام التفتيتي و لا عبر السـقوط في مصيدته التشطيرية . مشــاكلنا لا يمكن حلها أبداً بحلول طائفية أو قبلية و لا بتحشيدٍ فئوي أو مناطقي ، فهذا هو بالضبط ما يريده النظام . و علينا أن نجد حلا يضمن مسـاواة الجميع في حقوقهم وواجباتهم ، مسـاواة الجميع : مســاواة دعيج بألماص بشبر بغلوم ، كما هي مسـاواة حصة بجوهرة بزهرة و بكلثم .

أن البلاد تعانى أيتها الأخوات و الاخوة ، من تراكم عقود طويلة من محاولات النظام لإجهاض جميع الجهود التي بذلتها الحركة الوطنية بفصائلها المنظمة و بشخصياتها المستقلة من أجل بناء الوطن الذي يتساوى فيه أهله ، الوطن الذي يعيش فيه مواطنون و مواطنات متســاوون توحدهم المواطنة الدسـتورية التي تؤمن لهم جميعاً التكافؤ في الفرص وتضمن المسـاواة في الحقوق كما في الواجبات.

أيتها الأخوات و الاخوة
لقد إنتبه مؤسـسـو هذا الصرح الوطني الذي تجتمعون فيه منذ عشرات السنين إلى حقيقة أن أصل البلاء في البلاد ليس كم عدد الشيعة أو السنة في هذه الوزارة أو تلك المؤسسة ، و لا المشكلة هي كيف تصلى مديرة هذه المدرسة أو تلك. أصل البلاء هو غير هذا كله. و لن نخفف هذا البلاء عن طريق المطالبة بحلول شكلية لا جدوى من ورائها مثل توزيع الوظائف على أساس الكوتا أو الحصص بحيث يحصل الشيعة على حصة ، و السنة على حصة ، الهولة على حصة و العجم على حصة. هذا ليس هو الحل الوطني و لا هو الحل الدستوري الأنسب. هذا حلٌ طائفي يلائم النظام نفسه و لا يغير من ميزان القوى في المجتمع بل و يعطى للنظام فرصة تكريس الانتماء الطائفي بديلا للانتماء الوطني . هذا ليس هو الحل الذي ناضل من أجله جيل عبدعلى العليوات و عبدالرحمن الباكر و عبدالعزيز الشملان و إبراهيم محمد حسن فخرو و حسن الجشي و محمد دويغر، و لا جميع من حمل الراية من بعد هؤلاء و في مقدمتهم شـيخنا الجليل عبدالامير الجمرى ، عافاه الله و أعاده بين صفوفنا بثاقب بصيرته .

لم يسقط عشرات الشهداء و لم يُسـجن آلاف و لم تتشرد العائلات ، و لم ُيعذب الأطفال من أجل زيادة حصة هذه الطائفة أو تلك في وظائف الدولة , في هذه الوزارة أ, تلك المؤسسة. فلو كان الأمر كذلك ، أي لو كان الأمر محصوراً في مطلب المحاصصة, لما تردد النظام في الاستجابة. فالمحاصصة لا تضيره ما دام زمام الأمور كلها في يده. من جهتنا , علينا أن نتســائل ماذا يسـتفيد الوطن من زيادة عدد الوزراء الشيعة أو تقليل عدد المدراء السنة أو زيادة أو تقليل الوكلاء من العجم أو الهولة إذا كانت زمام الأمور كلها محصورة في يد النظام , و إذا كان كل هؤلاء الوزراء و الوكلاء و المدراء و السفراء و المستشارين و من لف لفهم لا يستطيعون التصرف قيد أنملة دون أمر من الجهة العليا التي تعرفونها تمام المعرفة .

أقولها لكم بصراحة ، حتى و لو أصبح مجلس الوزراء كله من طائفة واحدة ، شيعة أو سنة فان الأوضاع في البلاد لن تتغير ما لم يتغير نظام الامتيازات غير الدسـتورية القائم. و لعلكم تلاحظون أن الوزارة الحالية ، تضم وزراءَ جُدُد يمثلون فئتين لم تحظيا منذ فجر الاستقلال بدخول مجلس الوزراء. فلقد أنعم النظام على إخواننا من عجم المنامة بوزيرٍ كما أنعم على أهلنا في القرى بثلاثة وزراء. فهل تغيرت بالله عليكم أوضاع القرى أو أوضاع العجم ؟ و هل تأثر نظام إمتيازات العائلة بتولي هؤلاء الوزراء مسئـوليات تصريف شــئون وزاراتهم ؟ .

و لعلكم تلاحظون أيضا انه و لأول مرة منذ الخمسـينات جرى إختيار شيعي لرئاسة تحرير صحيفة و ُمنح شــيعيٌ آخر ترخيصاً لإصدار صحيفةٍ أخرى. فهل تغيرت أوضاع الطائفة الشــيعية نتيجة لصعود نجم هذا أو ذاك ؟ و هل تقلصت سيطرة النظام على الصحافة و بقية أجهزة الأعلام في البلاد ؟ بل , وهذا هو بيت القصيد: هل سـقط الشــهداء من كل الفئات ، و من كل الأعمار ومن كل المناطق لمجرد أن تتقاسم الطائفتان, مناصفةً, مناصبَ رئاسة تحرير الصحف اليومية في البلاد؟ و ماذا عن بقية الفئات و التعاضديات؟ هل ستحصل هي أيضاً على حصصها الإعلامية كجزءٍ من إجراءات النظام لتفتيت مجتمعنا و شـرذمته ؟

أصل المشـكلة ، كما تعلمنا من روادنا و رائداتنا في الحركة الوطنية ,بأطيافها, ليست مشكلة بين شـيعة و سـنة . و حلها لا يكمن في زيادة الوزراء أو الوكلاء أو المدراء من هذه الطائفة أو تلك ، بل هو في الاعتراف بحقنا جميعا في أن نرفض أن نكون رعايا في إقطاعية عائلية و بحقنا جميعا في أن نصبح مواطنين لنا مثل مالهم من حقوق و عليهم مثلما علينا من واجبات . و طريق الحل هو تحويل البلاد من إقطاعية عائلية إلى دولة دستورية عصرية يحكمها القانون و يظللها الولاء لدستور عقدي يكفل المواطنة المتساوية للمواطنين و المواطنات كافة.

أيتها الأخوات و الاخوة
في المجال الذي أعمل فيه يفرق بعضنا بين مفهوميْن هما التحسين و التغيير. أي إننا نفرقُ بين تحســين الظروف و بين تغييرها ، بين تحسين الواقع و بين تغييره. فحين يعطيك الطبيب مســكنا للآلام فأنه يحســن وضعك و لكنه لا يغيره لأنه لم يعالج مسببات المرض. و لهذا ربما تظل مريضا حتى و لو اختفى الإحساس بالألم . بل و لربما تفاقم المرض دون أن تشــعر بسبب المسـكنات التي أعطاها الطبيبُ لك. و حين يضع الســجان مكيفا في زنزانتك فهو قد قام بتحسـين وضع ســجنك و لكنك ما زلت ســجينا ، و ما زال هو يتحكم فيك و ما زلت لا تملك من أمرك شيئا . و حتى لو ســمح الســجان لك بقراءة عشــر جرائد فلن يتغير واقع ســجنك ما دامتَ مسجوناً و ما دام ســجانك هو ســجانك الذي يقرر لك ماذا تقرأ و متى تقرأ و كيف.

و هو بالضبط ما حصل في بلادنا. لقد تحسـنت الظروف و لكن الواقع لم يتغير. فما زال الأمر بأيدي من كان الأمر بأيديهم, وما زالت مفاتيح الحاضر و المســتقبل في أيديهم. صحيحٌ إننا لسـنا الآن في السجون أو المنافي و لكننا لســنا أحراراً بعد. و لكننا نعرف الطريق إلى ذلك المهرجان , مهرجان الحرية و المســاواة الحقة, و نعرف إنه طريقٌ صعبٌ و يتطلب التضحيات .

و هذا بالضبط هو ما شــددت عليه في محاضرتي في نادى الخريجين في 15 مايو 2001, تلك المحاضرة التي أثارت غضب الديوان الأميري ، وقتها، و إسـتنفر كل المتنفعين ممن كلما دقت طبول النظام هرعوا إلى السـاحات يرقصون .

فمن بين خمسـة ظروف جوهرية اقترحت آنذاك ضرورة توافرها لضمان نجاح المشـروع الإصلاحي ذكرت مشــكلة الامتيازات غير الدسـتورية التي تتمتع بها العائلة الحاكمة إلى الآن. و ما أزالُ على قناعتي بأنه لا يمكن أن تقوم للإصلاح قائمة في بلادنا ما دامت الهوة واضحة بين تلك الامتيازات و بين معاناة الناس على اختلاف فئاتهم. و لابد أن أشدد الآن على ضرورة توفير الظروف اللازمة لاندماج بنات و أبناء العائلة الخليفية في الوطن . و سـيبقى هذا الاندماج إحدى مســتلزمات نجاح المشــروع الإصلاحي. كما سيؤدى تحقيقه إلى تسريع تحقيق الحلم الذي قامت هيئة الاتحاد الوطني من أجل تحقيقه ، و هو الحلم الذي أسـتشـهد من أجله شــهداؤنا ، و ضحى من أجله مناضلونا و مناضلاتنا ســجناً و تعذيباً و تشـريداً .

و يعلم بعضكم إنني ناشدت جلالة الملك , بل و توسلت إليه, أن يعالج موضوع الإمتيازات بالحكمة الواجبة, و ذلك لأن مشروع بناء الوطن و تأسيس مملكةٍ دستوية حقاً لا يمكن أن يتحقق طالما كان هناك من يعتبر البلاد مزرعة و يحسب أهلها رعايا من ســبايا الغزو و غنائمه يرثهم جيلاً بعدَ جيل . و لقد ناشدت جلالته , و ما أزال أناشــده, حباً في هذا البلد و أهله, أن يقوم بالخطوة التغييرية المطلوبة ، أن يتخذ المبادرة الشــجاعة حقاً، ألا وهى تحويل العائلة الخليفية من عائلة مالكة إلى عائلة ملكية , بالضبط كما هو الحال في مختلف الممالك الدستورية التي يريد جلالته أن يحذو حذوها.

و لكنكم تعلمون أيضا ، أيتها الأخوات و الاخوة ، إن العكس من ذلك تماماً هو ما حدث طوال العامين الماضين. . فبدلآً من تكثيف الجهود التي تســهل إندماج العائلة الخليفية في الوطن , بإعتبار ذلك أفضل لها و لنا, إزداد إنعزالها عن الناس و إتسـعت الهوة بيننا. بل, و كما يقول بعض أصحابنا , زادت امتيازات العائلة عما كانت عليه في أي وقت مضى منذ عهد جده المرحوم عيسـى بن على. و هذا بالضبط هو ما كان يخشـاه كل محب لهذا الوطن ، و كل من تحمس ، بنية صادقة لا عن طمع و لا خوف ، للمشروع الإصلاحي و لميثاق العمل الوطني . أما الذين يرددون المواويل التي تتغنى بنصف الكأس المليان فإنهم يخدعون أنفســهم و يخدعون جلالة الملك و قبل هذا و ذاك فإنهم يخدعون الناس .

أيتها الأخوات و الاخوة
يرتبط بما سبق بالحديث عن مظاهر الفسـاد الإداري المستشري في البلاد. و هو حديثٌ مهمٌ و ضروريٌ طالما لم يكن حديثاً معمماً أو متعامياً لا هدف من ورائه سوى تحويل الأنظار عن أهل الفسـاد و مصادرة الحقيقية . و لهذا أرى من الضروري عدم حرف النظر عن أصل الفسـاد و مصادرة الحقيقية . نحتاج إلى التوقف عن التعميمات و السعي للإجابة على سـؤال محدد : أليس لفسـاد الإداري و المالي من عنوان ؟ أليس وراء الفاسـدين من يحميهم و يشـجعهم و يستفيد منهم ؟ أليس للفســاد في بلادنا من منبع؟

أقولُ أيتها الأخوات و الاخوة أن علينا أن نسمى الأشياء بأسمائها بدلاً من الإنشغال بفسـاد صغار المتنفعين و الشاكردية . لا أيتها الأخوات و الاخوة ، الفســاد الأخطر هو فســاد الكبار. و هم معرفون. و ســنكون نحن جميعا مســئولين إن نحن صمتنا أو تعامينا عن رؤوس الفســاد في بلادنا. أقولُ نحن جميعا ، مسئولون إن لم نســمِ الأشياء بأسمائها ، علينا أن نتحدث عن دور المسئول الأول في البلاد طوال الأربعة عقود و نصف الماضية . أي عن رئيس الوزراء الدائم خليفة بن سلمان. فهو الذي أمسـك و يمسك إلى الآن بزمام الأمور كلها و هو الذي وضع قبضته الحديدية على كل صغيرة و كبيرة في البلاد منذ أن تولى المسئولية العامة قبل حوالي 46 عاماً. و كما يقول الكاتب الرسمي للسيرة الذاتية لرئيس الوزراء, بل و حسبما يُنقل عن أقواله هو نفسه في مجالسـه ، فإنه هو الذي أسس الدولة ، و حده لا معين له لا من بين أخوانه و لا من بين أولاد أخوانه و لا من بين أفراد عائلته أو مئات الشاكردية الذين جمعهم حوله طوال هذه السنين . و لعل بعضكم يعرف إن هندرســون, الذي أجرمَ بحق الناس طوال خمسة و ثلاثين سنة, يؤكد دائماً إنه إنما كان ينفذ الأوامر و التعليمات التي يتلقاها حسب إدعائه من رئيس الوزراء خليفة بن سلمان نفسه. و لم نسمع و لا نعرف ما ينفي ذلك.

أقول هذا لا لكي أبرئ هذا الوزير أو ذاك الوكيل أو تلك المديرة أو عشــرات و عشــرات تنعموا و ما زالوا يتنعمون في ظل الفساد . هؤلاء مسئولون أيضا عن فسـاد النظام لانه عاضدوه و ما يزالون و لأنهم يزينون له أفعاله. و لا أريد أن أبرئ بقولي هذا كل أولئك الطبالة و الطبالات من بين العاملين في الصحافة و الأعلام ، ممن جعلوا الأعمى بصيراً و من الناهب مصلحاً و من السـارق أمينا و جعلوا من فتات النهب مكرمات . أيتها الأخوات و الاخوة, هؤلاء أيضا مسئولون بتطبيلهم ، كما هو مسئولٌ كل من سكت منا عن فساد الكبار أو تجاهله أو ساهم في حرف الأنظار عمن يقف وراء مظاهر الفسـاد الإداري و المالي في بلادنا . إننا نخدع أنفسـنا إذا لم نستطع أن نرى من الفسـاد إلا بعض مظاهره ، و من التمييز إلا بعض مظاهره .. بالضبط مثل طبيب لا يرى من الأمراض إلا أعراضها. و حينها لا نخدع أنفسـنا فحسب بل و نخدع الناس و نسـاعد الأطراف المتشددة في النظام على تحقيق أهدافها و بخاصة أولئك منهم ممن يعتبرون البلاد مزرعة و يحسبون أهلها رعايا من ســبايا الغزو و غنائمه يرثوننا جيلاً بعد جيل.

 

أحييكم مرة أخرى , و أحي عبركم الدور التاريخي لنادي العروبة, هذا الصرح الوطني الذي تجتمعون فيه , ,كما أحي ذكرى من غاب عنا من مؤسسـيه, فما نحن إلا على طريقهم نســير.
و السلام عليكم

 

Advertisements