المسافة بين الحلم والكابوس

قبل أكثر من ستة أعوام بمناسبة الإحتفال الرسمي السادس  بتحول البلاد من أمارة إلى مملكة  نشرت الصحافة مقالاً يحمل توقيع الملك تحت عنوان “حلمت بوطن يحتضن كل أبنائه”.  وفيه أشار إلى أنه وثق بالشعب فدفع بإتجاه الاٍستفتاء على ميثاق العمل الوطني بهدف الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة حسب تعبيره المفضل “رغم المحاذير التي كانت تتردد، ونشوء جيل بحريني جديد لا خبرة له في التقاليد الانتخابية”. 

توقف الملكُ طويلاً في ذلك المقال  ليندد بما سماه الوجود الأجنبي  الذي عمل ” على تقليص مقومات استقلال الوطن” ونفى إلى خارج البلاد الوطنيين المخلصين ممن طالبوا بالاستقلال وعملوا في سبيله.  ولهذا وجدتُ وقتها أن من اللازم التذكير بأن رئيس المحكمة الخاصة التي إنعقدت  في البديع في صبيحة 22 ديسمبر 1956 لمحاكمة القادة الوطنيين كانت مكونة من ثلاثة من كبار رجال العائلة الخليفية وبرئاسة  الشيخ دعيج بن حمد , وهو عم والد الملك نفسه.   ومعلومٌ أن تلك المحكمة القراقوشية أصدرت عصر اليوم التالي , أي في أقل من ثلاثين ساعة, أحكامها القاسية بنفي ثلاثة من قادة هيئة الإتحاد الوطني و بسجن إثنيْن.  ومعلومٌ أيضاً  أن  جد الملك الحالي لم يسمح بإستئناف تلك الأحكام الظالمة بل  صادق عليها وإستعان بالسلطات البريطانية لتنفيذها.  فتولى البريطانيون ترحيل  المرحومين الباكر والشملان والعليوات إلى جزيرة سانت هيلانة بينما تولت حكومة البحرين سجن المرحوميْن فخرو والموسى في جزيرة جدا.    

 من جهة أخرى أخذتُ, مثل كثيرين غيري, على محمل الجد تأكيد الملك في تلك المقالة على أنه, ولأسباب شخصية, ينفر من إجراءات النفي أياً كانت الاعتبارات والملابسات السياسية والقانونية.   ولهذا كان قراره  منذ صباه أن يكون الوطن في عهده مفتوحاً لكل أبنائه وبناته بدون إستثناء.  ولهذا أيضاً تفاءل كثيرون منا حين قرأنا التأكيدات الملكية على أنه “لا عودة للماضي” وان عقارب ساعة الوطن لن تعود إلى الوراء. فلقد تعهد الملك شخصياً بأنه سيتكفل بوضع  الضمانات وكل ما يلزم “لعدم عودة الوطن الى تلك التجارب المرة والطرق المسدودة التي أعاقت المسيرة”.

كان الكلام كلاماً ملوكياً بلا شك. فهاهو ملك البلاد, سليل القبيلة التي ما إنفكت تفاخر بأنها فتحت البحريْن عام 1783, يحلم بنفس الحلم الذي حلم به قادة الحركة الوطنية منذ بدايتها: وطنٌ يحتضن كل أبنائه وبناته. ألم يكن هذا هو حلم الباكر والعليوات والشملان وآلاف المنفيين من بعدهم؟ ألم يكن هذاهو حلم الموسى وفخرو وعشرات الألوف ممن زجت بهم السلطة في معتقلاتها وسجونها؟ ألم يكن هذا هو حلم بونودة والقصاب و بونفور والعويناتي وغلوم وعشرات الشهداء من قبلهم وبعدهم؟  

وعلى عادتهم لم يتخلف الطبالون ممن يعرفون أولا يعرفون عن تدبيج المدائح بمناسبة تلك المقالة ولا عن تعظيم الملك الذي صار يحلم مثل الناس العاديين بذلك الوطن الذي ناضل الكثيرون من أجله رغم  السجن والتعذيب والقتل والنفي وقطع الأرزاق.   بل رأينا منهم من حملوا الطبول والمباخر وبالغوا في المزايدة فبشروا الناس بأن الحلمَ قد تحقق بالفعل , أو إنه قد  دنا وتدلى فصار قاب قوسيْن أو أدنى.

 بطبيعة الحال لم يكن الكلام أكثر من “كلام جرايد” وإن كان بتوقيع الملك نفسه.   فدون تحقيق ذلك الحلم مسافات لا بد من أن تُقطع وأكلاف لابد أن تُدفع. ولم يصدر عن الملك ما يشير إلى إستعداده إلى قطع  تلك المسافات ودفع تلك الأكلاف. فرغم ما يعلنه “مشروع الإصلاح الملكي” ورغم ما يؤكده حلمه فلقد بقي الملكُ أسير إنشغاله بأمور جانبية بدلاً من مواجهة إستحقاقات بناء الدولة.  فرأينا كثيراً مما يبهر وقليلاً مما يدوم. بل لقد صار الإنشغال بزخرف  الإعلام و بهرجة العلاقات العامة بما فيها الإتصالات الخارجية أولى بكثير من الإلتفات إلى ما يدوم من أفعال تقود إلى الدولة الدستورية وإجراءات تؤسس لها. 

علاقات عامة بدل الإصلاح السياسي والمؤسساتي

ربما كانت أكثر التوصيفات إنصافاً  لجهود الملك منذ توليه الحكم  عام 2001 وحتى دخول القوات السعودية إلى البحرين وإعلان حالة الطوارئ في 15 مارس  2011 هي تلك التي تُثّمن  قدراته التكتيكية المثيرة للإعجاب.  وتتبين هذه القدرات  بصورة واضحة في مجاليْن. أولهما إحتفاظه بسلطته رغم الهزات الدورية من جراء المعارك الداخلية التي خاضها وما زال يخوضها في إطار العائلة الخليفية نفسها. فلا شك أن لدي الملك ما يلزم من تأهيل و تحالفات ومرونة للتعاطي مع  تقلبات ميزان القوى بين أجنحة عائلته وتحالفاتها الداخلية والإقليمية.  وثانيهما أن الملك رغم ما تستنزفه المعارك العائلية من طاقة فلقدتمكن من تحقيق إنجازات أخرى خارج  إطار العائلة وخاصة  في  مجال العلاقات العامة على الصعيديْن الداخلي والخارجي.  فعلي مستوى الداخل تبقى صورة الملك, حتى بين أعتي المعارضين وأكثرهم راديكالية, أفضل من صورة ممثلي أيٍ من الأجنحة الأخرى في العائلة الحاكمة وخاصة عمه رئيس الوزراء خليفة بن سلمان.  وحتى بعد دخول القوات السعودية إلى البحرين للمشاركة في قمع إنتفاضة 14 فبراير.  أما على على الصعيد الخارجي فيمكن ملاحظة أن أكثر إنتقادات حلفاء السلطة وأصدقائها الغربيين يتجه نحو خليفة بن سلمان الذي يفاخر بأنه هو من إستنجد بالملك السعودي لمواجهة الإحتجاجات في البحرين و “تطهير دوار اللؤلؤة”.

رغم الإعجاب الذي لم أخفه بقدرات الملك التكتيكية وبما حققه من إنجازات  على صعيد عائلته وفي مجال العلاقت العامة داخليا وخارجياً  فلا بد من التأكيد على حقيقة أنه لم يتمكن بل لم يتجه إلى تأطير كل ذلك ضمن إستراتيجية متكاملة لبناء دولة.   فالتسليم بإنجازات الملك التكتيكية وفي مجال العلاقات العامة لا يمنع المتابع المنصف من ملاحظة إن أداءه في مجال الإصلاح السياسي ظل أداءً متواضعاً. بل لا يصل هذا الإداء إلى مستوى  التوقعات التي عقدها عليه كثيرون.  فأين نحن الآن من تلك التعهدات التي أعلنها في عام 2001 عن عزمه على التصدي لبناء مملكة  دستورية حديثة تضاهي الممالك الدستورية الأخرى؟ وأين نحن من التصدي  للمهام الكبيرة التي يتطلبها عصرنة نظام حكم قبلي وتحويله إلى نظام حكم ديمقراطي؟

لقد تجاهل الملك  أن حلمه بوطنٍ يحتضن جميع مواطنيه ســيبقى مجرد حلم طالما هو يرفض أن يتعاطى مع موروث الغزو وسردياته بأشكالها المختلفة.  بل لقد رأيناه يتسابق مع الأجنحة الأخرى المنافسة له ضمن عائلته على إحياء  ذلك الموروث وتكثير مظاهره ورموزه وإبقائه أساساً ثابتاً لتأكيد شــرعية سلطته. ولعل فيما حدث منذ دخول القوات السعودية  وإعلان حالة الطوارئ ما يكفي من الأمثلة على إستعداد هذه الأجنحة على تدمير النسيج الوطني في سبيل مصالحها.

يعرف كل أهل البحرين سواء أكان من الموالين أو المعارضين أو من كان بين المنزلتيْن أن موروث الغزو لا ينحصر في مظاهر أو علامات رّمزيّة معدودة مثل الألقاب أو حتى المســلكيات و أساليب التعامل مع الناس. بل نراها في أشـــكالٍ ملموسة وفي العالم الحقيقيّ المُعاش.  كما نجد موروث الغزو في القصائد البذيئة التي ينشرها كبار رجال العائلة الخليفية ومواليها, كما نجدُه في اللوحات المنتشرة على جوانب الطرقات وواجهات الأبنية وفي النُصُبِ والمجسمات المقامة بهدف تذكير الناس نهارأ وليلاً بمن هو الغالب عام 1783 ومن هو المغلوب حتى الآن.  ولقد كشفت مجريات الأحداث منذ إندلاع حركة الأحتجاجات في منتصف فبراير وحتى الآن عمق البئر الذي تغرف منه سرديات الغزو.

أركز الآن, ودائماً, على موروث الغزو ليس لأنه السبب الوحيد  في إستمرار  معاناة البلاد مما سماه الملك في مقاله “تلك التجارب المرة والطرق المسدودة التي أعاقت المسيرة”. فلا خلاف على أن ثمة أسباب أخرى بنفس الإلحاح والأهمية.  إلا إن  بداية الطريق  هو إعلان العزم على تخليص البلاد كلها والعائلة الخليفية نفسها من موروث الغزو وسردياته. 

ذهب المعز وسيفه

إعتمد الملكُ منذ يومه الأول في الحكم وحتى الآن على التعاطي على المعالجات التكتيكية بدلاً من البحث عن وضع إستراتجية متكاملة لبناء دولة مستقرة ومتطورة ولا تكون رهينة  سلسلة المواجهات الدورية بين السلطة والناس كلهم أحياناً أو شرائح منهم أحياناً أخرى.  فلا شك أن الملك ما يكفي من الأسباب حتى يبقى  مقتنعاً  بأنه قادرٌ  إما بسيفه أو بذهبه على إدامة الأوضاع على حالها.  فمن وجهة نظره فإن السيف والذهب يوفران له مساحتيْن واسعتيْن لممارسة براعته التكتيكية. 

أما المساحة لأولي فهي أمنية عسكرية وتعتمد على  على قدرته على  إستنفار الأجهزة المختلفة  في إجراءات إستبقاقية أو  مباشرة لإشاعة الخوف بين الناس عموماً وبين النخب خصوصاً.  ولم يختلف سلوك الملك في هذا المجال عما عرفته البلاد طوال حكم جدِّه وأبيه.  إلا أنه لم يكن في حاجة ملحة إلى إشهار سيفه دائماً كما كانا يفعلان.  فلقد نجحت ستة خمسة عقود متواصلة من القمع في إستبطانه بين كثيرين من النخب السياسية في البلاد. وإنتشرت  مقولات تقود إلى التسليم بالواقع وعدم مقاومته بدءً من التحذير من مغبة “حرق المراحل” مروراً بترديد  أن “السياسة هي فن الممكن”  أو تجميل الإنتهازية وتغليفها بقولة “ما لا يدرك كله لا يُترك جله”. وبطبيعة الحال هناك الكثير ممن يصدقون ما يردده فقهاء السلاطين عن وجوب طاعة أولي الأمر وإن طاعتهم  من طاعة الله.

أقول لم يكن سيف الملكُ مشهراً دائماً. ولكنه كان موجوداً في صورأخرى وبنفس الصرامة والقسوة . نعم ألغى الملك مرسوم أمن الدولة إلا إنه أبقى على المؤسسات والأشخاص الذين بطشوا بالناس طوال العقود السابقة. ذهب ذلك المرسوم وبقيت الممارسات نفسها وبقي الجلادون أنفسهم.  بل وأصدر الملك المرسوم 56 لعام 2002 الذي قنن الإفلات من العقاب.  علاوة على ذلك تم تطويع القوانين السائدة وإستصدار غيرها لإبقاء  جدار الخوف شاهقاً لا يجرؤ على محاولة تخطيه إلا القلة.   ولهذا لاحظنا إنه وفيما عدا الأشهر الأولي بعد التصويت على الميثاق لم تخل السجون من معتقلي الرأي.  ولهذا أيضاً  لاحظنا أن المنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان محلياً وعالمياً لم تتوقف طوال السنوات المنصرمة من العهد الملكي على توجيه النداءات بضرورة توقف السلطات البحرينية عن إنتهاك حقوق الإنسان. ولعلها صدفة أن تصدر  منظمة العفو الدولية تقريراً مسهباً بعنوان “القمع في البحرين ظ حقوق الإنسان على مفترق الطرق” قبل أيام من إندلاع إنتفاضة 14 فبراير.

أما المساحة الثانية التي مارس فيه الملك براعته التكتيكية فهي مدنية.  وتعتمد هذه على  قدرته على التحكم في موارد البلاد وأساليب توزيع الخدمات فيها ستمكنه  من إعادة هندسة المجتمع بما يخدم إستقرار حكمه.  وبالفعل وفرت موارد النفطية ومساعدات الدول اخليجية للملك مساحة واسعة للحركة عرف كيف يستخدمها.  ولهذا ,أحسبه, قد إقتنع بأنه  ليس بحاجة للتفكير في  الإستحقاقات التي يتطلبها الإصلاح السياسي ناهيك عن إستحقاقات  بناء الدولة الدستورية الحديثة المستقرة والساعية للنمو والتطور. ولهذا رأيناه منذ يومه الأول في سدة الحكم يتصرف على أساس أن ولاء الناس يُشترى بالمكرمات. أسارع للقول أن الإنصاف يقتضي أن أشير إلى الملك قد رأى في تهافت الوجهاء بمن فيهم بعض وجوه المعارضة السياسية السابقة, ما شجعه على أن يجعل توزيع المكرمات أو التلويح بها جزءً من ترسانة حكمه.

إلا أن السيف والذهب, على كثرة إستخدامهما,  لا يحققان “الحلم بوطن يحتضن كل أبنائه وبناته”.  فلا يمكن للقمع مهما كان سافراً وفاتكاً أن يقتل لدى الناس رغبتهم في العيش بكرامة وفي مقاومة الظلم. ولا يمكن للمكرمات أن تشتري كل الناس في كل الأوقات.  ومع ذلك تجاهل الملك  كلّ إشارات التحذير من أنّ المكرمات والهبات الملكيّة ليست هي الأسلوب الأنجع للإصلاح.  كما تجاهل كل الدروس التاريخية الذي نتعلمها من إنهيار أنطمة الإستبداد رغم قدرتها غير المحدودة على البطش بمعارضيها.    

حين تخذل الملك براعاته

مع بداية هذه السنة وبتأثير مزدوج من الإنتفاضة التونسية والمصرية أخذت بعض أطراف المعارضة البحرينية في التحضير لتحركات شعبية 14 فبراير أي  في الذكرى العاشرة للتصويت على ميثاق العمل الوطني. وكان يمكن للمهتمين متابعة أغلب التحضيرات الدؤوبة لذلك اليوم.  إلا إنني لا أعرف  أحداً تجرأ على توقع أن تتطور تلك التحركات لتصبح إنتفاضة لم تشهد البحرين مثلها طوال تاريخها.

أسارع للقول أنني لا أملك ما يكفي من معلومات لتحديد العوامل التي جعلت إحتجاجات 14 فبراير تتسع لتصبح علامة فارقة في تاريخ البلاد.  ما نعرفه إن السلطة  سارعت إلى سل سيوفها لتخويف الناس بل وقتلهم  بعد أن فشل ذهبها في إسكاتهم.   ولهذا لا أجد مبالغة في القول أن ما حدث بعد ليلة الغدرفي السابع عشر من فبراير هو بداية تاريخ جديد في البحرين. ولا في القول أن ليلة الغدر تلك  مثلت نهاية مأساوية لنهج إستند على البراعة التكتيكية والمعالجات الفوقية  الآنية عوضاً عن البحث مع الناس عن أفضل السبل لوضع إستراتيجية تقود إلى بناء الدولة الدستورية التي تضمن لكل مواطنيها المساواة وتوفر بالتالي أسباب إستقرارها ونموها.

نعرفُ الآن أن الأجهزة الأمنية المعنية لم تكن تتوقع أن تزيد المشاركة في تحركات 14 فبراير عن مثيلاتها في الأشهر والسنوات السابقة. فرغم ما لديها من وسائل للتنصت ولإستقاء الأخبار ولإنتزاع المعلومات أو شرائها  لم تكن السلطات الأمنية تتوقع أكثر من أن يتجمع بضع عشرات أو ربما مئات فتأتي قوات الأمن وشرطة الشغب لتلقي قنابل مسيلة للدموع فتصيب برصاصها المطاطي وأسلحتها الأخرى عدداً وتعتقل عدداً آخر. وقبل ذلك ستحاصر كعادتها بيوت عدد من الرموز و النشطاء السياسيين لمنعهم ن المشاركة في تلك التحركات.  وكالعادة أيضاً ستنتهي الردحة بحفلة إعلامية  يندد فيها الطبالون بالمخربين “الصفويين” الذين يزجون بالأطفال وكبار السن والنساء في الإحتجاجات والإعتصامات لتجد القوات الأمنية نفسه مضطرة إلى توجيه قنابلها ورصاصها إلى هؤلاء. 

ولم تختلف توقعات أغلب من أعرف من شخصيات المعارضة عن هذا.  فلم يكن أحدٌ يجادل في أن السلطة تمكنت بوسائل عدة قانونية وغير قانونية من تكبيل الجمعيات السياسية المعارضة وتقليص قدرتها على الحركة في الشارع.  وكان لسان حال السلطة هو ما يردده الملك دائما: من لديه إعتراض أو رغبة  فليتجه إلى القنوات الدستورية التي يعني بها مجلس النواب. رغم أن هذا المجلس كما هو معلوم لا يهش ولا ينش بل أثبت أنه عاجزٌ حتى عن تغيير مادة من مواد لائحته الداخلية.

أسارع هنا لتسجيل أن الأستاذ عبدالوهاب حسين كان من بين قلائل من قادة المعارضة ممن كانت لهم توقعات أخرى. فلقد سمعته يكرر فجر ذلك اليوم ما معناه  “إننا لن نخرج هذه المرة لمجرد تسجيل موقف إحتجاجي أو لإثبات وجودنا وإبقاء شعلة الممانعة والمقاومة مشتعلة ومنيرة. بل سنخرج لإستعادة الكرامة المهدورة و إسترجاع الحقوق. ونحن على أستعداد لأن ندفع ثمن ذلك”.  حقاً قال الأخ عبدالوهاب وفعل.

أما الملك نفسه فلقد تصرف كما يتصرف دائما ولم يخيب توقعات متابعي سلوكه السياسي.  ففي مواجهة إالإستعدادات لليوم الكبير في 14 فبراير رأينا سلسلة من “المبادرات”الإستباقية . وكان أولها الإعلان الرسمي بمكرمة ملكية بقيمة ألف ديار لكل عائلة بحرينية.   لقد  كان بإمكان الملك التواصل مع أيٍ من رموز المعارضة  المتصدين لقيادة تحركات 14 فبراير من أمثال الأستاذيْن عبدالوهاب حسين وإبراهيم شريف. إلا إنه إستسهل الأمر  وإكتفي بإستعدادات أجهزة الأمن و بإعلانه عن  مكرمة الألف دينار.  مما يثير التعجب أن أحداً في السلطة لم يتوقف للتساؤل  لماذا لم يأتِ الفقراء زرافاً ووحداناً لإستلام الألف دينار؟  وفوق ذلك لماذا كان أنصار المعارضة يرددون الشعارات “لا ألف و لا ألفين من نبيعك يا بحرين” أولا ألف ولا ألفين .. ما تخدع شعب البحرين”؟ و  لماذا  لم تفعل المكرمة  عشية 14 فبراير فعلها المرجو منها؟ بل لماذا فعلت العكس تماماً.  فحين إعتبر كثيرون تلك المكرمة رشوة إعتبروا التلويح بها إهانة وعلامة ضعف شجعتهم على التوافد نحو دوار اللؤلؤة.

الإصرار على نهج فاشل

لم تنفع رشوة الألف دينار ولم يتمكن الرصاص وقنابل الغاز المنثورة  ليلة الغدرعلى المعتصمين في دوار اللؤلؤة  من منع الناس من ممارسة حقهم في الإحتجاج وفي المطالبة بتغيير  حقيقي يحقق لهم ما طالب به من قبل ستة عقود قدة هيئة الإتحاد الوطني.  ورأينا في الأسابيع التي تلت ليلة الغدر أن الدنيا تغيرت وإن عقارب ساعة الوطن لن تعود بعد الآن إلى الوراء. 

بعد ليلة الغدر رأينا شواهد كثيرة على أن الملك قد خذلته براعته التكتيكية. فلقد وصل الحبل إلى آخره. فحين إنهار جدار الخوف ولم تعد المكرمات تكفي رأينا مظاهر إرتباك وتخبط في صورة “مبادرات” متناقضة لا تنسجم مع ما نعرفه عن براعة الملك في مجال لتكتيك العلاقات العامة. وسأكتفي  بالإشارة إلى ثلاثة أمثلة لن أفصلها لحاجتي إلى المزيد من المعطيات حولها.

أما المثال الأول فجاء بعد يوميْن من السماح للمحتجين بالعودة  للإعتصام في دوار اللؤلؤة. فلقد أصدر الملك أمراً ملكياً بتكليف ولي عهده   بالحوار “مع جميع الأطراف والفئات في مملكة البحرين  استثناء”  ولقد كانت هذه خطوة غير مسبوقة في تاريخ البلاد. فلم يحدث أن تحاورت السلطة بشكل مباشر وعلى هذا المستوى مع أيٍ من فصائل المعارضة. إلا أن الدعوة للحوار جاءت بدون ممهدات وبدون ضمانات لجديته. نعم تضمن أمر التكليف الملكي إعطاء ولي العهد “جميع الصلاحيات اللازمة”. إلا أن أحداً ما كان ليأخذ الأمر بجدية ما دام  الملك لا يستطيع حتى ولو أراد أن يحسم موقفه من عمه, رئيس الوزراء.  ولهذا ترددت فصائل المعارضة وطالبت بتوفير الضمانات كي لا يتحول الحوار, كما تحول التصويت على ميثاق العمل الوطني,  مجرد بهرجة علاقات عامة أو إلى خديعة أخرى تقود إلى تشتيت صفوف المعارضة.   

 أما المثال الثاني فجاء بعد ثلاثة أيام من تكليف ولي العهد بالحوار حين أزاح الملك “ثلاثة وزراء بوصفهم وزراء تأزيم”.  وأبرز هؤلاء كان أحمد عطية الله الخليفة الذي كان يتولى رسميا حقيبة شئون مجلس الوزراء. ولا شك إن تلك المبادرة الملكية كانت “ضربة معلم” إعلامية بسبب ما يمثله أحمد عطية الله في عيون المعارضة.  ومعلومٌ أن المعارضة تعتبر أن مهمة ذلك الوزير الحقيقية هي الإشراف على تنفيذ مخطط  إعادة تشكيل التركيبة الديغرافية/الإجتماعية في البلاد حسبما هو مفصل في التقرير المعروف بإسم “تقرير البندر”.  كانت يمكن لتلك الحركة أن تكون  ضربة معلم فعلاً. وكان متوقعاً أن يستطيع الملك إستثمارها سياسياً إلى أبعد الحدود. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث لأن الناس شاهدت على في نشرات الأخبار التي بثها التلفزيون الكويتي أن  “وزير التأزيم” المعزول  كان في مقدمة الوفد المرافق للملك في زيارته إلى الكويت بعد يوم من إزاحته.

أما المثال الثالث فجاء قبل أسبوع من إستدعاء القوات السعودية إلى البحرين وإعلان حالة الطوارئ فيها. فلقد سُرِّبَ خبر قبول الملك إزاحة عمه من رئاسة الوزراء وخاصة بعد إنتشار فضائح أدلة قضايا الف فساد المنسوبة إليه ومن بينها إستحواذه على موقع المرفأ المالي بما فيه من مباني ومرافق مقابل دينار واحد.  لم يتمكن الملك من تحقيق هذه المبادرة لعدة أسباب.  أولها ربما هو خشيته المبررة من إنعكاس إزاحة عمه على ميزان القوى العائلي.  وثانيهما هو سرعة خليفة بن سلمان في تحريك  أنصاره ضمن العائلة الخليفية ومواليها.  بعدها شاهدنا الوفود تتترى حاملة صورخليفة وهي تجوب العديد من المناطق قبل التوجه إلى قصره معلنة ولاءها له.  وثالثهما هو تحرك خليفة بن سلمان سريعاً نحو السعودية طالباً نجدتها.  

شيئاً فشيئاً يتبين للمتابع  كيف أن براعة الملك التكتيكية لم تعد تسعفه. أو ربما ترافقت ظروف عدة لتحرمه من تلك البراعة.  فلقد تغيرت الأحوال بعد الرابع عشر من فبراير.  فما  لم يكن الملك قادراً أو راغباً  في تحقيقه بدأ يتشكل بصمود الناس وبإرادتهم.  ولم  يغير من مسار التغيير المخازي التي إرتكبتها القوى الأمنية والعسكرية طوال الأشهر التي تلت دخول القوات السعودية إلى البحرين. فرغم أعداد المعتقلين والمفصولين من أعمالهم ورغم أجواء القمع ورغم ما فعله الملثمون على الحواجز الأمنية والطيارة ورغم ما قامت به لجان التطهير في مواقع العمل لم تتمكن السلطة من إعادة إحكام سيطرتها على البلاد أو إسكات المعارضة. وما زال الناس يتعاملون معها كسلطة أمر واقع تفتقد إلى الشرعية.

أقول لقد تغيرت البلاد إلا أن الملك ما يزال مقتنعاً بأن براعاته التكتيكية ستمكنه من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ولكنه يحاول أن يفعل ذلك بنفس الأساليب التي خذلته.  فهو ما يزال مشغولاً بأمور هامشية بدلاً من مواجهة الواقع وإستحقاقاته. ورأينا خلال الأسابيع الأخيرة مثليْن على لجوءه إلى ما يبهر دون أن يدوم.  وما يزال يحسب أن ما يجري في البلاد هو معركة علاقات عامة يستطيع أن يكسبها من يملك  مالاً أكثر أو من يحرك أبواقاً أعلى صخباً.

أما المثال الاول فهو الإعلان عن “حوار التوافق الوطني” الذي جمع ثلاثمائة شخص بمن فيهم مندوبون عن كل من  طيران الخليج وخدمات الطيران ومطار البحرين. ليس في الدعوة ما يشينها سوى أن المقصود منها هو الحصول على بهرجة إعلامية تبهر الآخرين بمن فيهم أصدقاء السلطة في الغرب.  إلا أن البهرجة الإعلامية لا تدوم والأنبهار بها وقتي. بل قد يكون لها مردود عكسي حين يكتشف المدعوون وحتى أصدقاءالسلطة أن الأمر لا يزيد في حقيقته عن  منتدى لتبادل الحديث.  نعم كسب الملك وقتاً ولكنه قصير. 

أما المثال الآخر فهو الإعلان عن تشكيل اللجنة الملكية المستقلة  لتقصي الحقائق في أحداث فبراير/مارس وما تلاها.  لا جدال في أن هذه ضربة إعلامية مبهرة وغير مسبوقة فعلاً.  ولا جدال أيضاً أنها ابهرت كثيرين في الداخل والخارج. ولقد قرأنا ما أزجاه رئيس اللجنة نفسه من مديح للملك.  إلا إن أمام اللجنة عقبات كثيرة لن تتمكن من تجاوزها في ظل توازن القوى القائم في العائلة الخليفية. وثمة أسئلة  على اللجنة الإجابة عليها قد تقود إلى عكس النتائج التي يتوخاها الملك من خطوة العلاقات العامة.

بين الحلم والكابوس

لستُ  منجماً ولا قدرة لي على التوقع دون معطيات قابلة للتدقيق. ولكني أغامر بتكرار القول أن البحرين قد تغيرت بعد  14 فبراير وإن الأمور فيها لن تعود إلى ماكانت عليه. ولا ينحصر التغيير في  جمهور المعارضة الذي  دمر جدار الخوف بصموده  وإصراره على المقاومة.  بل علينا ملاحظة أن تغييرات تجري في مجمل الساحة البحرينية. في صفوف السلطة وفي صفوف الموالاة.  وهي تغيرات تحمل خطر أن يتحول حلم الملك إلى كابوس يقلقه كما يقلقنا.

فبعد 14 فبراير تجد المعارضة في صفوفها من لا يكتفي بالمطالبة بإصلاحات سياسية وإجراءات لتخفيف أعباء المعيشة بتوفير العمل والسكن والكرامة. ولا من يكتفي بمملكة دستورية تضمن المساواة لجميع مواطنيها. بل صرنا نسمع أصواتاً تتزايد تطالب بتغيير النظام برمته.  وفي جهةالموالاة هناك من لم يعد يكتفي  بترداد” الله لا يغير علينا”. وهناك من لم يعد يكتفي بقولة “لنا مطالب”. بل هناك من يريد حصته في الدولة لأنه يرى أنه هو الذي أنقذ السلطة من الإنهيار”خلال 48 ساعة” حسبما هو متداول. بل  أن هناك من صاريجاهر ومن على المنابر الرسمية بالمطالبة بتغيير النظام السياسي القائم برمته وإقامة حكم الله.  وبطبيعة الحال لم تعد العائلة الخليفية كما كانت. فرغم الصورة الرسمية السعيدة التيتصر على تأكيدها أجهزة الإعلام الرسمية  فلا يمكن لأحد أن يقلل من عمق الشروخ التي أحدثها إستعداد الملك للتخلي عن عمه او ألتي  أحدثتها جهود العم الشرسة لتثبيت مواقعه.

أما حلم الملك نفسه فليس هناك ما يشير إلى إحتمال تحققه. فللقد خذلته  براعات الملك  التكتيكية وإنشغالاته بما يبهر في مجال العلاقت العامة.   وهاهو الملك الآن في وضع أسوأ مما كان عليه في بداية عهده.  فهو لا يواجه معارضة ستكتفي بإصلاحات شكلية.  ولم تعد هتافات “يسقط حمد” وحدها هي التي تقلقه .  بل هو يسمع في الندوات والتجمعات التي تعقدها فصائل الموالاة  في المحرق والرفاع وفي مدينة حمد هتافات “خليفة….وبس”.  وهو يرى صور عمه وحدها على كثير من المنشآت بل وعلى مصفحات الأمن وقوة الدفاع التي تقف على تقاطعات الطرق.   بل لم يعد عم الملك هو مصدر قلقه الوحيد في العائلة   فهناك “المشير” أحمد بن خليفة التي يعتبره أنصاره “بطل” تطهيرالدوار.  وفوق ذلك كله فلاشك أن الملك سمع ما قيل بحقه بعد إطلاق سراح الشاعرة آيات القرمزي. ولا شك أنه سمع من يتهكم به  متسائلاً “ماذا بقي من هيبة الملك والدولة والداخلية والقانون أمام التنازلات والعفو عن الخونة..لن ينفع إلا قبضة المشير الوحيد اللي قدر عليهم”.       

عبدالهادي خلف

21 July 2011

Western expatriate community & Khalifa bin Salman

——————- Message regarding the Western Expatriate Council READ BELOW

Subject: Urgent Message regarding the Western Expatriate Council

Dear Member,

Please see the following message from Andrew Stephenson, Chairman of the Western Expatriate Council.

If you would like to be part of the delegation to visit HRH the Prime Minister, please respond direct to Bahrain_Expat@hotmail.com, copied to britclub@batelco.com.bh, with the following details: Club name: British Club Name: Nationality: CPR number: Mobile phone: Email address: Thank you.

The British Club of Bahrain PO Box 26401 Manama Kingdom of Bahrain Tel: 17728245 Fax: 17728087 Email: britclub@batelco.com.bh Website: http://www.britishclubbahrain.com ——————————————————————————–

Ladies & gentlemen,

I must ask for your help on a pressing matter. His majesty the King and HRH the Prime Minister have both expressed their wholehearted support for the concept of Expatriate Councils and the Prime Minister now wishes to meet members of the WESTERN expatriate community during this coming week. The date and time of the meeting are currently unclear but will be notified to us as soon as they are known and fixed.

As the ‘Western Expatriate Council’ we have been asked to compile the definitive invitation list of people who would like to visit the PM. I fully understand that given the time of year, the uncertainty of the time / date and the fact that people have real jobs it is going to be extremely difficult to get a decent sized group to attend, however, we really must try as this visit is very important for our credibility.

We are seeking at least TWO HUNDRED people for the visit and, as a starting point, it would be good if we could get a minimum of TWENTY nominations from each of the following twelve organisations. However, if you get to 20 confirmed names please do not stop there, keep going as there is no upper limit and we really are going to be struggling.

Our motto for the next 8 hours needs to be ‘As many as possible – There is no such thing as too many’

Yacht Club British Club Rugby Club Dilmun Club BBBF / OSAC Irish Society Australian Society Caledonian Society(s) Awali Cricket club Awali Camels (Cricket) Unaligned expatriates and people who are not members of clubs or associations.

Members and families of the Western Expatriate Council working Group I will co-ordinate the lists of names using the Expat Council e-mail address (Bahrain_Expat@hotmail.com) and I have attached a standard proforma list.

I would be grateful if you would arrange to contact your members and return the lists to me as soon as possible today. It is foreseeable that the visit could take place as early as tomorrow (Monday), but of course I have no sure way of knowing this. I know that this is going to be a struggle, and it is bordering on an unreasonable demand, but we are where we are.

The fact that we are now the ‘Western Expatriate Council’ might help as it opens the door to inviting US, Canadian, antipodean and South African citizens along with all the Europeans. Of course children of a reasonable and controllable age are welcome. Dress code is as for the Royal visit two weeks ago, smart and presentable as befits a visit to a Prime minister and let common sense prevail.

Thanks,

Andrew Stephenson

——————–

بحريْن أم شَريف وبحريْن المَلِك

تمهيداً لكتابة هذه الملاحظات أعدتُ قراءة الخطاب الذي ألقاه الملك بتاريخ التاسع والعشرين من يونيو وكذلك التوضحيات التي
كتبتها أختنا فريدة غلام في اليوم التالي بعد أن حضرت جلسة الإستئناف الأولى لزوجها الأخ إبراهيم شريف ورفاقه المعتقلين من قيادات المعارضة والحركة الحقوقية في البحرين. يرسُمُ كلٌ من الملك والأخت أم شريف عالميْن مختلفيْن. بحران يتجاوران
ولكن البرزخ بينهما يزداد إتساعاً وإرتفاعاً فلا يلتقيان.

تصف الأخت أم شريف بهدوء وواقعية بعض المخازي التي شاهدتها خلال ساعة واحدة  وهي تنتظر الإتيان بزوجها ,الأمين العام لجمعية العمل الديمقراطي – وعد,  إلى قاعة المحكمة العسكرية.   فلقد شاهدت كيف تأتي الشرطة العسكرية بالمتهمين في مجموعات أو فرادى لمواجهة قضاة المحكمة العسكرية.  و رأت بين المجلوبين أطفالاً وشباباً يافعاً في عمر إبنتها. ورأت بينهم شيوخاً في عمر أبيها. تجلب الشرطة العسكرية المتهمين بعد أشهر من المعاملة القاسية بما فيها التعذيب والتهديد بالإغتصاب فترى على وجوهههم واضحةً آثار الإذلال التي يصارعونها بما يستطيعون من شجاعة وما يستعيدون من عزة نفس.

 أما القاضي فلا وقت لديه لسماع  شكاوى المعتقلين والتحقق من التعذيب تعرضوا له على أيدي المحققين العسكريين أومن معاملة حاطة بالكرامة الإنسانية على أيدي سجانيهم. بل لا يهتم القاضي بمتابعة أسباب عدم قيام الشرطة العسكرية بإحضار عددٍ آخر من المتهمين المقرر محاكمتهم في ذلك اليوم. ولم يدفعه هذا إلى النظر فيإحتمال  انهم لم يُحضروا للمثول أمامه لأن آثار التعذيب ما تزال على أجسادهم. يجد القاضي العسكري أعذاراً كثيرة. فأمامه مئات القضايا وهو في سباق مع الزمن قبل موعد إنتهاء حالة الطوارئ.   وفوق ذلك فهو رجل عسكري يمتثل لأوامر قادته.  ولهذا لا يجد القاضي غضاضة في أن  يسلق أحكامه سلقاً و بالجملة. فليس ثمة مكان لضمير حين تكون مجرد  برغي في آلة القمع لدى النظام.  ولهذا أيضاً لا تأخذ كل حالة من وقت المحكمة العسكرية “أكثر من دقيقتيْن أو ثلاث بالكثير” كما تخبرنا أم شريف.   ولهذا أيضاً لم يكن مستغرباً أن أغلب الأحكام الصادرة في ذلك اليوم كانت بالسجن لمدة ستة أشهر أو سنتين.

 وتمضي أم شريف لتخبرنا بأن زوجها إبراهيم ومعه الأخ عبد الهادي الخواجه  تحدثا عن تعرضهما “للضرب بعد جلسة الحكم في 22 يونيو لأنهما قالا ما قالاه بعد الحكم .  فقد ربطوا أيدي ابراهيم خلف الظهر بالهفكري بشدة ، وأرغموه على الركوع على الركبة
ودفعوا رأسه الى الأرض وتناوبوا اللكم بالأحذية ، غير الضرب بالأدوات الأخرى. أما عبد الهادي الخواجة فلقد ضربوه على فكه حيث مكان العملية الجراحية ومن ثم أخذوه للمستشفى”.  وحين إنتشر الخبر  إدعت النيابة العسكرية عدم  مسئوليتها و ألقت باللوم على الشرطة العسكرية . وكما العادة يكرر إعلام السلطة الكذبة المعتادة عن تكليف “جهة ما” بالتحقيق في الأمر وإحالة  المخالفين إلى “التأديب”.  فإذا كان مناضلان معتقلان  في قامة الأستاذيْن إبراهيم شريف وعبدالهادي الخواجة يتعرضان للضرب لمجرد إعتراضهما على قرار المحكمة العسكرية بإدانتهما فأي نوع من المعاملة نتوقع أن يلقاها أولادنا وبناتنا الصغار وهم في قبضة محققي أجهزة الأمن والشرطة العسكرية؟

 ما أبعد البحرين التي وصفتها اختنا فريدة غلام  وهي تنتظر جلب زوجها إلى قاعة المحكمة العسكرية  عن تلك البحرين التي
يصفها الملك في خطابه الأخير.  فهو يصف بحريناًلا يعرفها الناس. وهي بحرينٌ لا يعرفها بالتأكيد أهالي من قُتلوا على أيدي القوى الأمنية  التابعة لحكومة البحرين أو القوات السعودية قبل فبراير الماضي وبعده .  ولا يعرفها بكل تأكيد من أصيب برصاص حي أو مطاطي أو بالقنابل المسيلة للدموع.  ولا المفصولين من أعمالهم ولا من أهينت كراماتهم على أيدي الجنود الملثمين عند الحواجز الأمنية في شوارع البحرين وعلى مداخل القرى  أو على أيدي لجان التطهير في أماكن العمل.

يبدأ الملك خطابه  بالإشارة إلى أنه  حرص “طيلة العشرة أعوام الماضية على إصلاح المؤسسات في البحرين” مؤكداً أن الدستور الحالي “يتماشى مع المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان والتي صادقت عليها المملكة”.  حين تسمع تلك الكلمات وحين تعيد قراءتها تحتار في تحديد العالم الذي يعيش الملك فيه ومن صاغ له خطابه.  وإلا كيف يصر الملك على إعتبار الدستورالمنحة متماشياً
مع متطلبات العصر وإحتياجات الناس؟ وكيف يرى متماشياً مع العصر دستوراً يعطي الملك صلاحيات تفوق ما كانت لدى أعتى السلاطين وأظلم الملوك في العصور الوسطى؟  ثم ألم يسمع من كتب الخطاب بإعتراضات الحقوقيين وخبراء القانون الدستوري في البحرين على دستور المنحة لعام 2002 ناهيك عن إحتجاجات  قوى المعارضة منذ لحظة إعلان ذلك لدستور؟

 يشير الملك إلى أن ما حدث في  فبراير ومارس الماضيين لم يكن مسبوقاً في تاريخنا ولهذا فلقد آلمه  كما آلم الناس  وأصدقاء ومحبي البحرين.  ومصدر الألم الملكي على ما يبدو هو إعتقاده  بأن  إنتفاضة 14 فبراير قد قامت رغم  حرصه  طيلة العشرة أعوام الماضية على إصلاح المؤسسات في البحرين و على أن يتماشى الدستور الحالي مع المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان والتي صادقت عليها المملكة.  فالملك لا يرى في البحرين قمعاً ولافساداً ولا تسلطاً ولاتمييزاً ولا سوء إدارة ولا تبديد للثروة والسيادة الوطنيتيْن.

 ولكن الملك يؤكد حكمة إلهية. فهو متيقن أن الله  سبحانه وتعالى قد جمعنا “على هذه الأرض الطيبة إخواناً متحابين” ولنكون
جميعاً أعواناً للملك  لكي يتمكن هو من حمل الأمانة ولكي يقيم حكمه حسب قوله على “مبادئ ميثاق العمل الوطني الذي أجمع
عليه أبناء شعبنا الوفي، وعلى قواعد العدل والشورى والدستور”.

حين تسمع الملك يكرر في خطابه الأخير أنه حرص عل إصلاح المؤسسات  تحسبه يتحدث عن بلد آخر غير البحرين.  نعم مرّت أكثر من عشر سنوات على التصويت على ميثاق العمل الوطني ولكننا ما نزال حيث كنا. بل لقد تراجعت الأوضاع  وخاصة في العلاقات بين  مكونات المجتمع. فتحت رايات  “الإصلاح”  إزداد تشطير المجتمع طائفياً ومناطقياً إلى إلى أسوأ مما كان عليه في الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن الماضي.

 يتحدث الملك عن عشر سنوات من إصلاح لم يكن. فها نحن وقد مرت عشر سنوات ما نزال نعاني نفس  العقبات التي عرقلت وتعرقل  تحول بلادنا إلى دولة عصرية يحكمها دستور ديمقراطي يتوافق الشعب عليه.  فما تزال الثقة معدومة بين الناس والسلطة رغم  كثرة
المهرجانات وصخب المغنين ومنشدي القصائد في مدح هذا أو ذاك من أعمدة السلطة.  وماتزال إستراتيجية التشطير العمودية تفتت المجتمع ومكوناته  لتبقى العائلة الخليفية الطرف الوحيد القادر على الإمساك بخيوط نسيج المجتمع.

 عشر سنوات من التكاذب حول الإصلاح  وما تزال السلطة متمسكة بهيمنتها شبه التامة على الخطاب السياسي والثقافي عبر سيطرتها الفعلية على وسائل الإعلام . عشر سنوات من التكاذب حول الإصلاح  وما تزال البلاد تعاني من آثار غياب أي جهد جدي لتوفير الآليات القانونية والإجرائية اللازمة لإنهاء أشكال التمييز الجمعي القائم على انتماءات الأفراد الاثنية أو الدينية أو الجنسية. وبطبيعة الحال زادت خلال العشر سنوات الأخيرة الامتيازات التي يتمتع بها أبناء وبنات العائلة الخليفية. وهي إمتيازات لا تتوافق مع روح العصر ولا مع أي طموح لبناء دولة عصرية ولا يسندها قانون ولا نص دستوري بل تشكل جزءً سيئاً من موروث قبلي  يعتبر البلاد غنيمة غزو.

بدلاً من الإستناد إلى شرعية دستورية تقوم على رضا الناس تصر السلطة على إستخدام سيف المعز وذهبه لضما إستقرار سطوتها على البلاد والعباد.  لكن هذا الإستقرار كما شهدنا طوال أكثرمن ستة عقود هو إستقرار خادع  وغير مضمون.  فما أكثر الهزات الدورية لتي شهدناها وما أقسى تبعاتها على الناس. وحتى حين لجأت السلطة إلى الإستعانة بسيف النظام السعودي وخبراته الواسعة في القمع لم يتحقق للسلطة ما أرادته فما زال الأزمة مستمرة بمظاهرها المختلفة.  بل ثمة مؤشرات تبين أن وضع السلطة بعد التدخل العسكري السعودي صار أسوأ مما كان عليه قبله.  نعم  خسرت المعارضة مساحة على الأرض وما زال كثيرون من قادتها يقبعون في معتقلات السلطة. إلا إن المعارضة, بفصائلها المختلفة, تستطيع الآن أن تتطلع إلى حراك جديد يقود إلى إنجازات سياسية أوسع بكثير مما كانت تتوقعه قبل أشهر.

 يؤكد الخطاب الملكي الأخير أن الملك ومن حوله بقية أعمدة العائلة الخليفية مصرون على تجاهل إن  منبع كل المشاكل والأزمات التي تعاني البلاد منها يكمن في إن السلطة القائمة هي سلطة أمر واقع لا  تستند إلى شرعية شعبية.   وهنا مربط الجمل. فبدون تحول سلطة الأمر الواقع إلى سلطة شرعية سيتفاقم  القصور البنيوي في بنية النظام السياسي  وستستمر البلاد والناس فيها تدور فيما إعتبرته
أختنا فوزية مطر في مقال منشور لها قبل أيام “حلقة مفرغة” . أي أن البحرين ستبقى ضحية “محطات انفجار احتجاجات دورية يأتي بها كل عقد من الزمن تُسفك فيها دماء وتُقدم تضحيات ويفقد الوطن والمواطن عديد المنجزات وتتأخر التنمية. وما بين محطة وأخرى تتعمق جراح وآلام ويتراكم غضب وحقد ينذر بمحطات انفجار أخرى أكثر إيلاماً وأشد قسوةً ومرارة”.  

هذه الحلقة المفرغة لست جديدة. فمن ينظر إلى تاريخنا طوال ستة العقود الأخيرة يراها كما بالفعل سلسلة من محطات الإنفجار
الدورية , حسب تعبير أختنا فوزية مطر.  فهذا هو سلك السلطة وهذا هو نهجها الثابت. ولعل من المفيد هنا أن أستعيد ما كتبه أحد رجال هيئة الإتحاد الوطني .أسارع للقول أن الظروف السائدة الآن تختلف عما كانت عليه وقتها. إلا أن الحلقة المفرغة من الهزات الدورية  ما زالت سائدة  و إن إختلفت عناصرها وأسبابها.

  قبل أكثر من سبع وخمسين سنة  لاحظ يوسف الفلكي في كتابه  قضية البحرين بين الماضي والحاضر” (ص 25)  أن من يتتبع تاريخ البحرين من “الفتح” الخليفي يجده  حسب قول الكاتب “سلسلة متصلة من الحروب والثورات والفتن والإضطرابات فهم (أي آل خليفة) أما مهاجِمون أو مهاجَمون, فإذا أعْوزهم أن يجدوا من يهاجمهم أو يهاجمونه وجهوا شرَّهم إلى أهالي البلاد فأذاقوهم صنوف الظلم والإضطهاد, حتى شتتوهم تحت كل أفق أو حاربوا أنفسهم بأنفسهم. لقد كانوا كالنار تأكل نفسها أن لم تجد ماتأكله”.  ويمضي المؤلف, ليسرد في بقية الفصل  أمثلة على ما يقول تاركاً القارئ “أن يستنتج منها رأيه الخاص في مدى إفادة شعب البحرين من وراء حكم الخليفة”.

 بطبيعة الحال لا يرى الملك هذه البحرين التي وصفها الفلكي ولا البحرين التي تعاني من الهزات الدورية.  فبحرين الملك تختلف جذرياً عن البحرين التي يعرفها الناس والتي شاهدتها أختنا أم شريف في قاعة المحكمةالعسكرية وهي تنتظر الإتيان بزوجها ورفاقه المناضلين من أجل بناء الدولة الدستورية ليواجهوا جلاديهم.

عبدالهادي خلف

8يونيو 2011

العبودية الطوعية (مقال قديم)ا

 قبل ما يقارب خمسة قرون كتب مفكرٌ فرنسي شاب اسمه إيتيان ديلا بويتي (1530-1563) مخطوطة بعنوان «خطاب حول العبودية الطوعية[1]». كُتبت تلك الوثيقة للتنديد بنظام المَلَكية المطلقة وللتحريض على عصيان النظام الاستبدادي. ولقد حظت تلم المخطوطة باهتمام يتعدى زمانها ومكانها. بل إن قيمتها الفكرية والتحريضية تستمر إلى اليوم رغم عمرها الذي يقارب خمسمئة سنة.
يقدم ديلا بويتي (دي لا بويسي، حسب بعض الترجمات العربية) تحليلاً نافذاً للأساليب التي يتبعها الطغاة للبقاء في قمة السلطة. وهو تحليل يتفوق فيه ديلا بويتي على كثيرين من المنظرين في هذه الأيام إذ هو ينطلق من فرضيتيْن متلازمتيْن من فرضيات علم الاجتماع السياسي الحديث. الأولى تقول إن مصدر السلطة هم الناس. إلا أن هؤلاء يتخلون عن السلطة، لهذه الأسباب أو تلك، لصالح شخص يتحول عاجلاً أو آجلاً إلى طاغية. والفرضية الثانية تقول إن بإمكان الناس إزالة الطغيان من دون اللجوء إلى العنف عن طريق رفض الرضوخ لسلطة الطاغية.
لا يخفي ديلا بويتي كراهيته للطغاة، لكنه يوجه اللوم للناس الذين مكّنوا الطاغية من أن يصبح طاغية، أي بقبولهم ما ينفذه من سياسات وما يتبعه من أساليب لإدامة سلطته وتشديد قبضته عليها. فالعبودية الطوعية تقوم من جراء رضوخ الناس لسلطة الطاغية وقبولهم تنفيذ أوامره وقوانينه. فكما أن الناس هم مصدر السلطة فإنهم أيضاً مصدر العبودية. تبدو هذه المقولة هذه الأيام بسيطة إلى حد البداهة. إلا أنها كانت اكتشافاً عظيماً في زمنٍ كان أغلب الفلاسفة ورجال الدين فيه يعتبرون الظلم قدراً لا مفر منه. ويرى أغلبهم الاستبداد أمراً من الله الذي سلط الطاغية على الناس إما عقاباً لهم على خطايا وذنوب ارتكبوها أو ليكون امتحاناً لإيمانهم ولقدرتهم على الصبر. شَّخّصَ ديلا بويتي مصدر السلطة السياسية وجذور الدكتاتورية علاوة على قيامه وحدد عدداً من الأساليب التي يستطيع الناس بها الحؤول دون استعبادهم أو تحرير أنفسهم من الاستعباد[2].
ما قاله ديلا بويتي وما استمر المفكرون المصلحون والثوريون ينادون به منذ بدء عصر التنوير وحتى اليوم هو أن الطغيان فعلٌ إنساني كما أن الاستعباد فعل إنساني. فالأمرُ أولاً وأخيراً بيد الناس. فإن شاؤوا كانوا عبيداً وأن شاؤوا أحراراً. إرادة الناس هي مصدر الحرية وهي مصدر العبودية. وفي هذه المقولة التي مهد استيعابها تطوير حقل دراسة الحركات الاجتماعية وأشكال المقاومة المدنية في العقود الأخيرة نرى أيضاً صدى آية قرآنية يرددها المؤمنون إلا أن قليلاً مَن يتدبر فيها.
لم أطلع للأسف على ترجمة عربية لمخطوطة «خطاب حول العبودية الطوعية» بكاملها. فما اطلعت عليه بالعربية لا يزيد على فقرات متناثرة وهي عبارة عن ترجمات تعوزها الدقة في أحسن الأحوال. ولهذا أتمنى أن يتصدى من يملك التأهيل والقدرة لترجمة هذه الوثيقة المهمة وتوفيرها للمكتبة العربية. غير أنني سأعيد فيما يأتي ترجمة فقرة واحدة من تلك المخطوطة اقتطفها جيمس سكوت في أحد كتبه التي تتوافر في الأسواق العربية في ترجمة غير دقيقة للأسف[3].
فهذه الفقرة تبدو صالحة للتدبر فيها الآن رغم مرور أكثر من خمسة قرون على كتابتها. وفيها يتعرض ديلا بويتي إلى دور أفراد النخب الذين يحيطون بصاحب السلطان فيزينون له أفعاله ويسهمون في إدامة طغيانه. يقول ديلا بويتي «يرى الطاغية الأفراد القريبين منه وحوله يمالئونه ويستجدون الأفضال منه، وهم لا يطيعون أوامره وحسب، بل عليهم أن يفكروا كما يريدهم هو أن يفكروا، وعليهم غالباً، في سبيل إرضائه أن يتنبؤوا بأفكاره. فلا يكفي أن يطيعونه بل عليهم إرضاؤه وعليهم أن يجهدوا أنفسهم وأن يتعذبوا، بل إن يستميتوا في خدمته. عليهم أن يستبدلوا ذوقهم الخاص بذوقه، وأن يتخلوا عن رغباتهم ونوازعهم الطبيعية. وعليهم الاهتمام الشديد بمتابعة كلماته وصوته وعينيه وحتى إيماءاته. فليس لهم أعين أو قدم أو أيدٍ ليست منتصبة انتباهاً لرصد رغباته ولاكتشاف أفكاره».
لابد لي هنا من استعادة صورة عبيد الحقل/ عبيد المنزل التي ترسخت في الفكر الإنساني عن طريق مخزون ما عاناه السود في عصر الرقيق في أميركا. وهو مخزونُ معاناة مازال فاعلاً في المجتمع الأميركي على أكثر من صعيد رغم الإنجازات التي حققها نضال وتضحيات قوى التحرر والمساواة في تلك البلاد. فصورة عبيد الحقل/ عبيد المنزل تمثل حالة إنسانية راهنة وليست ظاهرة أميركية فريدة بمكانها وزمانها. وهي صورة نرى تطبيقاتها الحديثة، أي بعد اندثار عصر الرقيق، في الاستراتيجيات التي يستخدمها أهل السلطان لضمان استمرار سلطتهم. ومن بين أنجع هذه الاستراتيجيات هي إدامة تشطير المجتمع عبر التمييز بين المقموعين وتفضيل فئة منهم على فئة أخرى. ففي عصر الرقيق الأميركي كان التفريق دقيقاً وصارماً فئتيْن من العبيد. كان عبد المنزل وعبد الحقل، كلاهما، مملوكان إلا أنهما يعيشان في عالميْن مختلفيْن. فعبيد الحقل هم المكلفون بالأعمال الشاقة. أما عبيد المنزل فهم نخبة ينتقيها المالك لخدمته شخصياً ولمساعدته في مختلف شؤونه بما في ذلك الإشراف على عبيد الحقل. ومعلومٌ أن المالك يتحكم في العبديْن على حدٍ سواء.
إلا أن عبد المنزل لا يهتم بعبوديته، وقد لا يتأفف منها، بل هو يرى نفسه محظوطاً. فقد يكون عبد المنزل ممن يحسنون الطبخ أو الغناء أو الرقص أو القتال أو قد يكون حسن المظهر والهندام أو غيرها من الصفات التي تجعله يبدو في عين مالكه مميزاً. يخدم عبيد المنزل مالكهم ويساعدونه في استثمار ممتلكاته بما في ذلك التعامل نيابة عنه مع عبيد الحقل. فهم قد يتولون الترفيه عن العبيد الآخرين في المناسبات أو قد يتولون جلدهم بالسياط في مناسبات أخرى. فما عبدُ المنزل إلا امتداد لإرادة مالكه فإن رضي المالك رضي عبد المنزل وإن غضبَ غضب.
أقول إن العبديْن مملوكان. إلا أن عبد الحقل هو الأكثر استعداداً لتحرير نفسه. فهو لن يخسر شيئاً سوى أغلاله إن هو عصى وتمرد. أما عبد المنزل فهو أول من يدافع عن الوضع السائد. وسيفعل كل ما يستطيع كي يبقى المالكُ مالكاً ولكي يبقى هو متنعماً في ظل سيده ومتميزاً عن عبيد الحقل. عبودية عبد المنزل هي عبودية طوعية يتمنى هو دوامها، بل ويعادي كل من يتحدى الأسس التي تقوم عليها.

Etienne de La Boétie، [1] The Politics of Obedience: The Discourse of Voluntary Servitude، with an introduction by Murray Rothbard، Montrèal/New York/London: Black Rose Books، 1997
[2] انظر: عبدالهادي خلف، «المقاومة المدنية مدارس العمل الجماهيري وأشكاله»، مؤسسة الأبحاث العربية، .1986
[3] انظر: «المقاومة بالحيلة – كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم»، دار الساقي – بيروت .1995
__________________________

مقال منشور في جرية الوقت بتاريخ الأول من أبريل 2008

lhttp://www.alwaqt.com/blogprint.php?baid=6502