هذرة في حضرة الظهراني

رفضت السلطة طوال خمسة عقود أن تتحاور مع أيٍ من فصائل المعارضة. إلا إننا نراها الآن تدعو إلى فخ تسميه “حوار حول التوافق الوطني”.  فهي لا تبحث عن مخارج من  المنحدر الجديد الذي دفعت البلاد إليه بعد أن إستدعت القوات السعودية لإنقاذها. بل هي لا تبحث حتى عن سبل لإعادة إجتذاب أطراف داخلية وطمأنتها وخاصة بعد أن أدت الحملة الأمنية إلى سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى وإعتقال  المئات ناهيك عن الآلاف من المتضررين بمن فيهم  المفصولين من أعمالهم أو مدارسهم. 

فدعوة الحوار هي إستجابة لضغط حكومة الولايات المتحدة الأميركية التي تواجه إحراجاً أخلاقياً بصمتها المعيب عما يحدث في البحرين من إنتهاكات صارخة لحقوق الإنسان بينما يرتفع صوتها في إدانة أنظمة أخرى تمارس الإنتهاكات التي يمارسها حليفها في البحرين.  إلا أن دعوة الحوار صيغت بحيث لا يقود مساره إلى نتائج  تغضب الحاضنة السعودية أو تحدث شرخاً في وحدة العائلة الخليفية.  أي أن المقصود هو القيام بحد أدني من الحركة والضجيج لذر الرماد في عين  الراعي الأميركي دون أن يزعج الراعي السعودي.

قبل أسابيع كتب أخونا غسان الشهابي محذراً من أن يسلق الحوار وأن يؤخذ بخفة  تجعله “ينتهي إلى توصيات وأطنان من الأوراق المحبّرة، شأنه شأن الكثير والكثير من المؤتمرات وورش العمل والملتقيات والمنتديات بل والقمم أيضاً التي يدعو إليها الجميع ولا ينقصها سوى الإيمان بها، والإرادة السياسية لتفعيلها”. وللأسف فليس ثمة ما يشير أن أحداً في السلطة يؤمن بالحوار. فطوال عقد “المشروع الإصلاحي” كان الملك  أو عمه يعطيان الأوامر و التوجيهات وكان على الآخرين السمع والطاعة.  ومن  لم يسمع ولم يطع حلّت عليه لعنة الإعلام البلطجي أو نالت منه أجهزة الأمن.

أكرر هنا ما قاله أكثر من قيادي من قيادات المعارضة بمن فيهم من في السجن الآن من أمثال الأخوة عبدالوهاب حسين وحسن مشيمع وإبراهيم شريف : نعم للحوار.  ولكن مع من؟ هل سيكون حواراً مع من يملك القرار في النظام القائم أم مع أطرافه أو حتى مع  وكلائه؟ فمعلومٌ أن النظام  يمثل العائلة الخليفية بجميع أجنحتها ومراكز القوى فيها. ويستطيع أي طرف فيها التحكم بمجريات الأمور إستناداً إلى قدرته على الإستنجاد بقوى إقليمية كما فعل خليفة بن سلمان حين إستنجد بالسعوديين في السابع عشر من مارس.  أي بعدما أيقن أن الملك كان على وشك التضحية به حسب النصيحة الأميركية ولضمان إستقرار حكم العائلة. 

لا يملك طرفٌ بمفرده ضمن توازانات العائلة الخليفية أن يلزم النظام بنتائج الحوار حتى ولو تعددت ألقابه ومناصبه ,كما هو حال ولي العهد. فرغم كل ماقدمه ولي العهد للأميركيين من وعود قبل دخول القوات السعودية لإإنه لم يتمكن من الوفاء بأي منها. ولهذا لم تستقل الحكومة ولم يُزح رئيسها رغم أربعين سنة من الفساد والإفساد. فلو حدث هذا أو ذاك لعرفنا أن العائلة  الخليفية قد توافقت فيما بينها.  ولعرفنا أيضاً أنها مخلصة في دعوتها للحوار وجادة في رغبتها في الوصول إلى مخرج من أزمة أوقعت البلاد فيها.   بل على العكس. فما زالت العائلة الخليفية وفي مقدمها الملك وعمه وولي عهده تراهن على القبضة الأمنية مدعومة بالبلطجة الإعلامية. 

و بطبيعة الحال فليس لوكلاء النظام حولٌ في هذا المجال ولا قوة.  فهؤلاء يأتون من هوامش النظام.  وينطبق هذا القول على رئيس مجلس النواب خليفة الظهراني  كما إنطبق على الوزير السابق مجيد العلوي قبله بسنوات. إلا أن لتكليف هؤلاء الوكلاء بمهمات “الحوار” فائدتيْن تستندان إلى سرديات موروث الغزو التي تعتبره العائلة الخليفية الأساس التاريخي لشرعنة حكمها في البحرين. الأولى هي تكرار تأكيد العائلة الخليفية على أن البحرين هي غنيمة  غزوة 1783. ولهذا فهي لا تعترف لأحدٍ بحق التدخل
في الكيفية التي تتصرف في البحرين بإعتبارها وأهلها أسلاب الفتح.   فما بالك بمن يطالب بمشاركتها في إدارة البلاد؟  والفائدة الثانية هي تكرار تأكيد العائلة الخليفية على حقها المطلق في إتخاذ القرار النهائي في جميع الأمور كبُرت أو صَغُرت وبغض النظر عما يتوصل إليه هذا الوكيل أو ذاك في جلسات الحوار مع هذا الطرف المعارض أو ذاك.  فسواء نجح الوكيل المكلف في مهمته أو فشل تحتفظ العائلة الخليفية بحقها في تغيير من يمثلها من الوكلاء. وبطبيعة الحال  فهي تحتفظ بحقها في الـتنّكر لنتائج
الحـوارفي حال جاءت تلك النتائج على غير ما تشتهي.

أكرر هنا ما قاله أكثر من قيادي من قيادات المعارضة بمن فيهم من هم في السجن الآن.  نعم للحوار.  ولكن حوارٌ حول ماذا؟  هل سيكون حواراً حول سبل تخليص البلاد وأهلها من نظام الحكم القبلي تمهيداً لبناء دولة  عصرية ودستورية؟ هل سيكون حواراً من أجل تحديد الأليات السياسية والخطوات العملية للازمة لتحويل البحرينيين من رعايا إلى مواطنين يتمتعون بحقوق المواطنة المتساوية وإستحقاقاتها؟  وهل سيكون حواراً يهدف لوضع الأليات اللازمة لمصالحة وطنية تبدأ بمحاسبة المسئولين عن إنتهاكات حقوق الناس والوطن طوال أكثر من خمس عقود مضت؟ بطبيعة الحال لن يقترب الحوار من أي من هذه الأسئلة ومثيلاتها. فما يتوخاه النظام من جلسات الإستماع التي سيتولاها الظهراني هو كسب الوقت أو, في أحسن الأحوال,  إيجاد فرص لعقد الصفقات الجانبية والمقايضات.  فكم وعدوا وكم كذبوا.

لا أرى أملاً يُرجى من جلسات “حوار حول التوافق الوطني” التي سيتولى إدارتها الظهراني. فهو لن يتمكن من توفير ما عجز ولي العهد عن توفيره من ضمانات لازمة لإنجاح الحوار ولإلزام السلطة بنتائجه. ولهذا فلن تكون الهذرة تحت رعاية الظهراني أفضل من الجلسات الحوارية التي تتم في أيٍ من مجالس العوائل المنتشرة في مختلف مناطق البلاد. هذرة لا يتوقع أحدٌ أن تقود إلى قرار. فلو أرادت السلطة أن تحاور أحداً بجدية لبدأ الملك نفسه بمحاورة القيادات الوطنية التي حكمت عليهم محكمته العسكرية بالسجن المؤبد.   لكن الملك لا يريد ذلك  بل هو لا يملك أن يفعل ذلك. ا

المقال منشور في مرآة البحرين بتاريخ 24 يونيو 2011

حوار مع “مرآة البحرين” حول المقاومة المدنية

عبد الهادي خلف ل”مرآة البحرين” حول أساليب النضال  اللاعنيف: مواجهات خاطفة متزامنة… هذا هو الخيار الآن

ييأس كثيرون أمام بطش الأنظمة الديكتاتورية. أمام القوة القاهرة التي  تجسدها آلة العسكر ووحدات البوليس المجهزة، قد يفكر البعض أن الحل يكمن في اللجوء إلى الخيارات العنيفة: “لا يفل الحديد غير الحديد”. لكن ذلك غلط. إن الذهاب إلى
العنف في قبال أجهزة تقليدية مدربة، معركة سوف تخسرها ما من شك.
“كعب أخيل” الأنظمة التي تلجأ إلى العنف عادة في ضرب حركات التمرد، هو مواجهتها بعكس عناصر قوتها. إذا كانت مصادر قوتها تتمثل في وجود جيش قوي وجهاز أمن فعّال، فإن نقطة ضعفها تكمن في مواجهتها بخلاف هذا اللون من القوة بالذات، بأساليب “اللاعنف”.

“مرآة البحرين” فتحت موضوع “المقاومة اللاعنيفة” مع أستاذ علم الاجتماع الدكتور عبدالهادي خلف، مع أخذ حركة 14 فبراير/ شباط المطلبية نموذجاً للتحليل. فيما يلي مقتطفات من الحوار معه:

مرآة البحرين: سعيت في كتابك “المقاومة المدنية” إلى مناقشة ظاهرة “العمل الجماهيري” وأشكال استخدامها كأداة
نضالية من أجل التغيير. ماذا تعني هذه المقاومة؟ وهل يبدو اهتمامك بالمقاومة المدنية منذ نهاية الثمانينات، مبكراً، قياسا إلى ربيع الثورات العربية السلمي  الذي لم يأت قبل2011؟

عبدالهادي خلف: المقاومة هي فعل إرادي جمعي يهدف إلى تغيير معطيات في  الواقع السياسي والاجتماعي القائم بدءاً من حرمان السلطة من قدرتها على إخضاع الناس. والمقاومة المدنية هي تلك التي  تتحاشى استخدام العنف للوصول إلى أهدافها وتعتمد على انخراط أكبر عدد ممكن من الناس بشكل طوعي في أنشطتها الجمعية. وتستند المقاومة المدنية على بديهية تؤكدها خبرة ممتدة في التاريخ الإنساني. وهي البديهية التي تقول باختصار شديد أن قدرة أي سلطة على ممارسة سلطاتها مرهونة بقبول الناس لتلك السلطة وطاعتهم لها إما بسبب اقتناعهم بشرعيتها أو خوفهم من بطشها أو طمعاً في خيراتها.

أما كتابي عن “المقاومة المدنية” فكان أحد المخرجات الثانوية  ضمن مشروع بحثي دام عدة سنوات ساهمتُ فيه مع زملاء آخرين لدراسة أوضاع الشعب الفلسطيني في الشتات وفي الأراضي المحتلة. كان الهدف من الكتاب هو ترويج فكرة المقاومة المدنية كأحد الخيارات النضالية الممكنة والفعالة. ولقد تزامن نشر الكتاب في 1986 مع تزايد اهتمام القيادات الفلسطينية (وأخص بالذكر الشهيديْن
أبوعمار وأبو جهاد) بأدبيات المقاومة المدنية بما فيها تراث المهاتما غاندي والقس مارتن لوثر كينغ وسيرتهما.

لم يكن الأمر سهلاً في ذلك الوقت فلقد اعتبر كثيرون أن الدعوة لدراسة إمكانيات المقاومة المدنية هي محاولة “مشبوهة” لنزع
الشرعية عن سلاح المقاومة. إلا إن اندلاع الانتفاضة الأولى في 1987 في الأراضي الفلسطينية المحتلة أعاد الاعتبار للمقاومة غير المسلحة وأعطاها قيمتها النضالية  التي تستحقها كخيار ممكن وفعال  ضمن خيارات النضال ضد الاحتلال ومن أجل
التغيير.

المرآة: حدد جين شارب 200 أسلوبا للعمل اللاعنيف، وصنفها تحت ثلاثة فئات: الاحتجاج والإقناع، اللاتعاون، التدخل. برأيك، هل يمكن تصنيف حركة 14 فبراير/شباط المطلبية في البحرين ضمن الحركات اللاعنيفة؟

خلف:  يمكن ملاحظة إن حركة 14 فبراير/ شباط استطاعت أن تقدم في وقت قصير جهوداً محمودة في المجال الأول، أي في مجال تنظيم الاحتجاج على السلطة وإقناع الناس بأسبابه وبجدواه علاوة على إقناعهم بأهمية المشاركة فيه. ويمكن ملاحظة ما تم من تحديد دقيق لمجالات تعسف السلطة وفسادها. ولهذا لم نرَ أحداً من خارج السلطة لم يتقدم للدفاع عنها أو يستنكر اتهامهما بالتعسف والفساد وسوء الإدارة. فحتى تجمع الموالاة في الفاتح رفع شعار “لنا مطالب” ولم يحاجج وقتها في شرعية الاحتجاجات وأغلب الشعارات التي طرحتها في البداية حركة 14 فبراير/ شباط.

بل ولاحظنا كيف استمالت تلك الشعارات فئات كانت مترددة في البداية. إلا أن من الضروري التوقف عند أمريْن. أولهما عجز حركة 14 فبراير/ شباط عن التقدم أكثر مما فعلت على طريق إقناع فئات هامة أخرى بمن فيهم  التجار للمشاركة في الأنشطة الاحتجاجية. والثاني هو الاستعجال الملحوظ في التحرك نحو ما يسميه شارب بـ”عدم التعاون”.

وأشير في هذا الصدد إلى إجرائيْن أحدثا بلبلة وإرباكاً وساهما في إضعاف الحركة الاحتجاجية سياسياً علاوة على إنهما وفرا
لبعض المشاركين فيها مبررات للتوقف أوالتلكؤ. الإجراء الأول كان إعلان العصيان المدني قبل أن تنضج الظروف المؤاتية لنجاح ذلك التكتيك ، بل وقبل أن يتم التمهيد له بالتوصل إلى توافق حوله بين المشاركين في الحركة الاحتجاجية. أما الإجراء الثاني فهو توسيع الاعتصام ليشمل المرفأ المالي من دون التوصل إلى توافق حول جدوى ذلك الاعتصام.

وهنا لابد من التذكير بأن المقاومة المدنية هي حركة جمعية تعتمد على الناس إعتماداً كلياً. ولهذا فقد تخسر المقاومة جمهورها وقواعدها حين تتعاطى معها بشكل فوقي. ولهذا أيضاً لا بد من محاولة إقناع الناس بجدوى كل إجراء نضالي قبل الشروع فيه.

وهنا لابد من التذكي أيضاً بأن انتصار المعارضة مرهون بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في ميزان القوى بينها وبين السلطة. ويستدعي ذلك أن تتمكن المعارضة من مراكمة عدد من الانتصارات “الصغيرة” في مجالات عدة. فلكل انتصار تحققه المعارضة مهما صغر ومهما بدا شكلياً هو خطوة لتغيير ميزان القوى. وفي هذا الإطار يمكن تقييم أهمية المسيرات السلمية التي تم تنظيمها نحو الديوان الملكي وديوان رئيس الوزراء ووزارة الداخلية والمرفأ المالي. فلقد برهنت تلك المسيرات على قدرة قوى  المعارضة على التنظيم والانضباط. فرغم محاولات الأجهزة الأمنية وبلطجيتها استفزاز المشاركين في تلك المسيرات حافظ المشاركون فيها على رباطة جأشهم والتزامهم بالسلمية.

ولا شك أن في هذا ما ساعد على زيادة التعاطف الخارجي مع حركة  الاحتجاج في البحرين. لهذا تشدد أدبيات المقاومة المدنية على أن المواجهة مع السلطة لا تتطلب السيطرة على مواقع والبقاء فيها لفترة طويلة. بل أن السلطة تبذل جهدها كي تتحول المواجهات إلى “حرب مواقع” لأنها ببساطة تتفوق عسكرياً واقتصاديا وسياسياً على قوى المعارضة. ولا يمكن الاستهانة بما يوفره هذا التفوق من إمكانيات للتغلب على المعارضة في مواجهة حول موقع معين أو في مواجهة شاملة وممتدة زمنياً. وهذا ما رأيناه حين دخلت  القوات السعودية إلى البحرين.

بالمقابل  تتفق أدبيات المقاومة المدنية على أن أهمية تفوق السلطة عسكريا واقتصاديا وسياسياً تقل كثيراً في حال ركزت المقاومة على القيام بسلسلة من المواجهات الخاطفة المتزامنة. فقدرة المقاومة على إدامة المواجهات عبر المواجهات القصيرة زمنيا والمتفرقة مكانياً هي أحد وسائل إرباك السلطة لتسريع تغيير ميزان القوى القائم.

المرآة: في تتبعك لحركة النضال الوطني البحريني قلت “معظم تاريخ الأشكال الحديثة من سياسة التجاذب في البحرين، هو تاريخ أعمال اللا عنف والعنف اللفظي”. هل كان تاريخ أحداث  التسعينات من أعمال اللا عنف؟

خلف: رغم الجهود الطيبة التي بذلها أخونا علي ربيعة وآخرون في مجال توثيق أحداث انتفاضة التسعينات ما زال الغموض يشوب
الكثير من أحداث تلك الفترة وتداعياتها. على أية حال لا شك أن استخدام العنف في تلك السنوات لم يكن محصوراً بالسلطة وأجهزتها. فلقد شهدت البحريْن ممارسات عنفية غير منظمة من جانب أفراد في المعارضة مثل إشعال الحرائق وتخريب بعض الممتلكات العامة.
ولكن قوى المعارضة المنظمة لم تقع، لحسن حظ البحرين، في فخ العنف المنظم واستخدام السلاح أو القتل. ولهذا ما زلتُ على اقتناعي بتوصيفي لتاريخ الحركة الوطنية في البحرين بأنه تاريخٌ يتميز باعتماده على العمل المدني غير العنفي رغم عشرات الأمثلة على التصريحات والبيانات العنيفة. ففيما عدا استثناءات هامة مثل محاولة اغتيال مسئوليْن في جهاز المباحث السياسية في منتصف الستنينيات فإن تاريخ البحرين السياسي هو تاريخ مليء بلغة العنف دون ممارساته.

المرآة: هل تتوقع أن التسويات القادمة ستأخذ شكل “نسمات” أم “رياح” وفق مقولتك عن تاريخ البحرين السياسي  “أن هناك نسمات ولكن ليس هناك رياح تدل على تحوّل سياسي”؟

خلف:   حين تدرس بروية معطيات الوضع الإقليمي والمحلي فلا يمكنك إلا أن تتفاءل. لا أقول هذا بسبب التفاؤل التاريخي الذي يجري في دماء أغلب اليساريين من جيلي بل لأن حركة التاريخ، حتى وإن بدت بطيئة ومتعرجة، هي حركة تراكمية  تسير نحو الأفضل. فلا يمكن لنظام حكم استبداد العائلة الذي نعاني منه في البحرين أن يستمر في السيطرة على مجتمع ديناميكي متحول برمته. نعم مازالت عائلة آل خليفة تصر على مقاومة استحقاقات وتبعات تطور المجتمع ومازالت تصر على التعامل مع الناس عبر القمع الأمني أو عبر المكرمات أو عبر الوسطاء ممن تختارهم أو تصطنعهم. إلا أن هذه الإستراتيجية، بأدواتها الثلاث، لم تمنح السلطة الشرعية التي تفتقدها. فما زالت أزمة شرعية السلطة مستمرة منذ أن تحداها رواد الحركة الوطنية في الخمسينات. بل هي أزمة تتفاقم كما بيّن مسار الحركة السياسة في البلاد خلال العشر سنوات الماضية. أي منذ التصويت على ميثاق العمل الوطني وحتى استدعاء القوات السعودية والأماراتية لقمع الحركة الاحتجاجية.

المرآة: يستخدم جين شارب تعبير “كعب أخيل” ليشير إلى نقطة ضعف شخص ما أو خطة ما أو مؤسسة ما أو سلطة ما. وهو يستهدف  هذا  الكعب، في تنظيره لما يسميه التحدي السياسي أو المقاومة اللاعنيفة أو النضال اللاعنيف أو
المقاومة المدنية. حين تضرب المعارضة المدنية هذا الكعب يكبو نظام الاستبداد. سؤالي، أين هو كعب أخيل السلطة؟

خلف: من أصعب الأمور، ومن أهمها في الوقت نفسه، التي يتوجب على المتصدين لقيادة المقاومة المدنية القيام بها قبل
الشروع بأي نشاط ميداني آخر هو معرفة نقاط قوة الغريم ونقاط ضعفه. وبديهي أن هذه المعرفة ضرورية في كل نشاط نقوم به مع آخرين سواءَ أكانت لعبة شطرنج أو إضراب عمالي. فمعرفة نقاط ضعف الغريم تعني التركيز عليها لإجباره على توجيه جهوده في
محاولاته التعويض عنها و للدفاع عن نفسه. وهذا يعني بالنتيجة تقليل فرص الغريم لاستخدام قوته للهجوم. أسارع إلى القول أن كعب أخيل قد لا يكون شيئاً محدداً بعينه بل قد يكون مجموعة أمور تشكل مجتمعة نقطة ضعف الغريم. وكما تعرف عرض جين شارب
قائمة طويلة من نقاط الضعف “المعتادة” التي يمكن البحث عنها في هذه الحالة أو تلك من حالات المقاومة. قد تجتمع جميعها في نظام معين بينما لن تجد إلا بعضها في نظام آخر. العبرة هي قدرة المتصدين لقيادة المقاومة المدنية على تشخيص الحالة وعدم
الانبهار بظواهر الأمور والاعتماد على الأحكام المسبقة. ولنأخذ ماحدث في مصر مثلاً.
فلقد  أثبت مسار العمل الاحتجاجي في الإسبوع الأول بعد انطلاق ثورة 25 يناير/ كانون الثاني أن أن كعب أخيل نظام مبارك كان يستتر خلف العلاقة المتماسكة ظاهرياً بين القيادة السياسة والجيش. وحين انكشفت رخاوة تلك العلاقة تسارعت وتيرة انفضاض حلفاء
مبارك عنه سواء أكانوا في الداخل والخارج.

أما في البحرين فيبدو لي أن كعب أخيل النظام يتشكل من عدة أمور مجتمعة سأذكر ثلاثاً منها. فمن جهة تلاحظ أن النظام
يعتمد على استمرار توافق المصالح بين الأجنحة المختلفة في العائلة الخليفية. ولقد رأينا أن اشتداد التجاذب بين هذه الأجنحة يقود إلى تضارب القرارات التي تتخذها السلطة كما حدث منذ الرابع عشر من فبراير/ شباط الماضي وكما يحدث اليوم. من جهة ثانية يحتاج  النظام إلى ولاء الناس إلا أنه لايعرف إلا طريقيْن إلى ذلك الولاء، أي طريق المكرمات وطريق القهر. فعلاوة على الكلفة المتصاعدة لهذين الطريقيْن فإنهما لا يضمنان دوام الولاء كما رأينا في الاستقالات التي توالت في ظل دوار اللؤلؤة وفي تزايد أعداد الناس الذين التحقوا بالمحتجين في الدوار. علاوة على ذلك فإن الفئات  التي كانت السلطة تعتبرها “مضمونة الولاء” صارت بعد قيام تجمع الفاتح تطلب أثمانا  أعلى من السابق لولائها. ومن جهة ثالثة  يعتمد النظام على دعم الولايات المتحدة الأميركية لتثبيت شرعيته. ولهذا نراه يبذل كل ما يستطيع من جهد لإرضاء الداعم  الأميركي  خشية أن ينبذه كما نبذ مبارك وبن علي.

المرآة: يحذر جين شارب في دراساته عن النضال بوسائل اللاعنف، من تحويل عوامل القوة إلى ضعف. ما هي عناصر قوة السلطة بالبحرين في هذه الحظة، التي توشك فيها على رفع قانون السلامة الوطنية قبل موعده بأسبوعين، وما هي عناصر قوة المعارضة؟

خلف:
تشكل وحدة صفوف السلطة من جهة والمعارضة من الجهة الأخرى أهم مصادر قوة كلٍ منهما. ولقد رأينا كيف كادت وحدة صف السلطة أن تنهار حين قبل الملكُ النصيحة الأميركية بالتخلص من عمه خليفة بن سلمان باعتباره رمز الفساد والاستبداد في
البلاد.
ولكننا رأينا أيضاً كيف تمكن خليفة بن سلمان من تحشيد أنصاره في الشارع وفي أجهزة الدولة في استعراضات قوة  لتحدي سلطة الملك. ولم ينقذ الوضع العائلي المتفكك إلا مسارعة السعوديين بالتدخل. لقد عاد التماسك الآن إلا إنه تماسك هش ومرهون بإرادة اللاعبين خارج إطار العائلة الخليفية نفسها.

أما فيما يتعلق بالمعارضة فليس المقصود بالوحدة هو وحدتها التنظيمية أو الفكرية بل هو التفافها الثابت حول حدٍ أدنى من الأهداف المشتركة. وهنا أيضا يكمن الخطر على أية حركة مقاومة مدنية بل قد يكون مقتلها أيضاً.
فمن جهة قد تنجح السلطة في إغراء بعض أطراف المقاومة بتنازلات سياسية أدنى من الحد المتفق عليه. ومن جهة ثانية قد
تنهار وحدة المقاومة حين يزايد أحد أطرافها برفع سقف المطالب قبل التوافق عليها مع الآخرين. ولعل أقرب الأمثلة في ذهني الآن هو ما ذكرته أعلاه عن إعلان العصيان المدني والاعتصام في الميناء المالي وما سبباه  من إرباك وبلبلة.  ولا بد أن أشير
إلى مصدرٍ  آخر من مصادر قوة الطرفيْن، المعارضة والسلطة. ويتمثل هذا في قدرتهما على المحافظة على أنصارهما في الداخل والخارج واكتساب أنصار إضافيين. وأشير هنا إلى إجماع أدبيات المقاومة المدنية على أهمية قيام المعارضة بوضع خريطة تفصيلية للقوى المؤيدة للسلطة بهدف اكتشاف التباين في مواقفها وتحديد الفئات الأقل تصلباً في تعاطيها مع مطالب المعارضة . ا

http://www.bahrainmirror.com/article.php?id=1029&cid=82