السلطة الخليفية في مواجهة إستحقاقات دوّار االلؤلؤة وساحة الفاتح

تمهيد

لا تتعب  السلطة الخليفية من تذكير الناس بأن شرعيتها تستند إلى فتح البحرين العام 1783. إلا أن المسألة بالنسبة لها لا تنحصر في التذكير بحادثة تاريخية. ففتح البحرين يعني إن الأرض  وما عليها ومن عليها هي غنيمة ذلك الفتح.  وسيجد المتابعون كيف تثبتت السلطة الخليفية بعد  فرض  معاهدات الحماية البريطانية على البحرين. وكيف وفرت تلك  الحماية, وبعدها ريع النفط,  سداً واقياً للسلطة الخليفية أمام أية محاولة لزعزعتها أو حتى لتحديها

سيجد مؤرخو الفترة الراهنة أن البحرين فُتحت للمرة الثانية يوم السابع عشر من مارس الماضي حين  عبرت الدبابات السعودية الجسر  نحو البحرين وعلى متنها جنود يرفعون أصابعهم بعلامات النصر.  وشاهد الناس على وجوه الجنود السعوديين وهم يعبرون الجسر المؤدي إلى البحرين علائم النصر التي كانت تشع من وجوه أبطال العبور المصريين وهم يهزمون خط بارليف قبل أربعين سنة.  وعرف المعتصمون في دوار اللؤلؤة وهم يتعرضون لرصاص جنود درع الجزيرة  ودباباتهم  في يوم الفتح الثاني العظيم ما تدرب عليه  أؤلئك الجنود الأشاوس القادمين من السعودية وقطر والإمارات لتحرير القدس.

أقول سيجد  المتابعون  أوجه تشابه بين الفتح  الأول في 1783 والفتح الثاني في 2011.   ففي الحالتيْن إستطاعت العائلة الخليفية أن تبسط سيطرتها على البلاد بدعم مباشر من القبائل العربية الآتية من شبه الجزيرة العربية. وفي الحالتيْن تغنى الشعراء بهزيمة شعب أعزل.  رغم التشابه في الظاهر  فلا بد من ملاحظة أن الفتحيْن يختلفان في نتائجهما. ففي حين إستمر الحكم الخليفي لأكثر من 240 عاماً بعد الفتح الأول فليس هناك ما يضمن إستمراره طويلاً بعد الفتح الثاني.

بعد الفتح الأول جاءت الحماية التي وفرتها بريطانيا الإستعمارية. ثم جاءت الموارد النفطية وريوعها. وإستطاع هذان العاملان , بريطانيا والموارد النفطية, تثبيت الحكم الخليفي كما نعرفه.  إلا أن القوة الحقيقية للسلطة الخليفية كانت تكمن فيما زرعته في نفوس الناس من أساطير إستبطنوها  من موروث الفتح  وجعلتهم عاجزين عن إزالة نتائجه.   فمن جهة هناك من يرى فرصته في أن تقبله السلطة من جملة فداويتها أو ملاليها أو طباليها أوعبيدها على إختلاف مستوياتهم . ومن جهة ثانية هناك من لا يرى مخرجاً إلا بالصبر حتى ياذن الله  بفرجه. ومن جهة ثالثة هناك غالبية الناس الذين لا يجدون لهم طاقة على مجالدة السلطة حتى وأن كانت هذه سلطة غاشمة, فللناس من مشاغل الحياة ما يكفيهم وليس لهم حاجة لمزيد.

أما الآن , أي بعد الفتح الثاني,  فالوضع مختلفٌ تماماً  وهو غير مستقر بل و يتجه إلى المزيد من التعقيد.  فعلى الرغم مما يبدو على السطح من إحكام السلطة سيطرتها على الشارع بفضل القوات المسلحة السعودية وبمشاركة قوات أماراتية وقطرية فإنها تواجه تحديات جدية سياسية على الصعيدين المحلي والإقليمي.  نعم لقد سيطرت على الوضع عسكرياً وأمنياً إلا إنها لا تسيطر عليه سياسياً. بل هي تواجه تحديات كبيرة ليس اعظمها أن  قدرتها على ضمان سيطرتها العسكرية والأمنية مشروطة بإستحقاقات كبيرة لعدة أطراف  محلية وإقليمية.

من بين العوامل التي تجعل نتائج  الفتح الثاني مختلفة عن الأول  سأشير إلى أمريْن لابد من دراستهما وتمحيص نتائجهما ومتابعة دورهما في صياغة مستقبل البلاد. وكلاهما حدثا قبل خول القوات السعودية والأماراتية والقطرية لإغاثة السلطة الخليفية.

أما الأول فهو جملة التطورات التي شهدتها البلاد منذ إندلاع الإحتجاجات في 14 فبراير وقيام  القوات العسكرية والأمنية بإقتحام دوار اللؤلؤة في 17 فبراير. حين إستعاد  المعتصمون الدوار تحول إلى مجال عام يجمع قوى المعارضة وجمهورها على إختلاف إنتماءاتهم السياسية والإجتماعية.  عندها رأينا قوة التعددية السياسية التي تمتاز بها حركة المعارضة في البحرين.  ففي دوار اللؤلؤة تجاورت شعارات إصلاح النظام  مع شعارات إسقاطه أو إستبداله.  ورأينا مناضلي الستينيات من اليساريين يناقشون شباب إنتفاضة التسعينيات و ناشطي حركة 14 فبراير دون أن تمنعهم من ذلك فتاوى التكفير أو تهم الظلامية.  ولوحظت مشاركة واسعة لأناس لم يُعرف عنهم إهتمامهم بالعمل السياسي ولكنهم جاؤووا  للتعبير عن تعاطفهم  مع الناشطين في  الحركة الإحتجاجية بعد سقوط الشهاداء ومئات الجرحى.  ففي دوار اللؤلؤة  أثبت المشاركون سقوط جدار الخوف.  فلم يعد تجاوز ذلك الجدار عملاً  من أعمال البطولة أو المغامرة أوالتهور بل صار جزءً من إعلان كل فرد من المتواجدين في الدوار أو المترددين عليه عن إسترجاعه أو إسترجاعها لكرامة أذلها القمع وإفتخار بعزة نفسٍ بددها الخوف.

والأمر الثاني هو تحويل ساحة جامع الفاتح في الثاني من مارس الى مجال عام جمع قوى الموالاة التي أسست تجمع “الوحدة الوطنية”. ولوحظت مشاركة واسعة لكثيرين ممن لم يكن لهم إهتمام بالعمل السياسي ولكنهم جاؤوا  للدفاع عن نظام وجدوه وحيداً في مواجهة ضغط المعارضة الداخلية وضغوط حلفائه الخارجيين.  وكان ملفتاً تجمع الناس تحت رايات “لنا مطالب” التي رددها الخطباء الواحد تلو الآخر.  نعم شملت المطالب بقاء نظام الحكم وعائلة آلخليفة وعدم الرضوخ لمطالبة المعارضة بإقالة الحكومة الحالية. إلا أن المطالب تضمنت أيضاً “تثبيت دولة الحقوق والواجبات للجميع” كما شملت المطالبة بتحسين ظروف المعيشة عن طريق “تفعيل القوانين والأنظمة التي تمنح قطاعات الشعب حقها كاملاً”. أسارع للإشارة إلى أن ليس في الأمر ما هو جديد أن تجتمع جماهير الناس في ساحة من الساحات للدفاع عن ولاة الأمر في مقابل هجوم من “الطرف الآخر”. فالفزعةُ جزءٌ ثابتٌ ومستقرٌ من موروث الفتح التي تغذيه السلطة بمكرماتها الدورية.  ولقد رأينا فزعات مثلها في أثناء كل هبة و إنتفاضة في تاريخنا الحديث.  إلا  أن الجديد في ما شهدته فزعة ساحة الفاتح إنها كانت فزعة مشروطة.

تجد السلطة الخليفية نفسها لأول مرة أمام تغييريْن لم تواجههما من قبل معاً. ففي  دوار اللؤلؤة السلطة واجهت جمهورأً  تعودت على تمرده على سلطتها ولكنها تعودت أيضاً  قمعه بحد السيف أو على تهدئته بإستخدام الوسطاء الوجهاء بمن فيهم رجال الدين ليردد معهم أن هذا قضاء الله الذي لا مفر من الصبر عليه حتى يأتي فرجه.  إلا إن السلطة فوجئت أن هذا الجمهور صار لا  يخاف السيف الذي أشهرته السلطة عليه في 17 فبراير ولا هو يرى نفسه  قادراً على الصبر وقد طفح الكيل مرة بعد مرة. وهي فوجئت كما فوجي غيرها بأن أغلب جمهور الدوار لم يعد يرضى بأن يضع مصيره في أيدي غيره. وحتى هؤلاء يريدونعكم ما كانت لتجدي في أن تقود شباب الدوار بعيداً عن منازلة السلطة.   فلم ينفع السلطة كل ما لديها من سطوة على الوجهاء والوسطاء الذين يخدمونها حين تحتاج إلى تهدئة الناس.

وفي ساحة جامع الفاتح رأت السلطة جمهورها الذي تعودت منه أن يدعمها كلما نادى المنادي بالفزعة. إلا إنها وجدت نفسها تقبل على مضض أن تراه لا يفزع إلى نصرتها إلا بشروط.  نعم لا يشك أحدٌ في أن أغلب هذا الجمهورلا يجد غضاضة في طاعة ولاة الأمر, فذلك جزء كما يقول الملالي من واجباته في طاعة الله.  ألا أن جمهور الموالاة لم يعد كما كان تجمعاً محصوراً في فداوية العائلة الخليفية أو بعضاً من طباليها أوملاليها أو من لم يُعتقوا من عبيدها على إختلاف مستوياتهم.  فجمهور الموالاة كما رأيناه في ساحة الفاتح يضم أيضاً نفس الناس الطيبين الذين يضم أمثالهم دوار اللؤلؤة.  أناسٌ يريدون ما يريده كل الناس العاديين أي أن تتغير الأحوال ليحصلوا على نصيبهم من خيرات البلاد ومواردها.  وحتي فداوية العائلة الخليفية ومن لف لفهم  تبينوا أن العائلة الخليفية  في أزمة حقيقية وإنها في حاجة لهم الآن أكثر من أي وقت مضى.  فصار هؤلاء  يريدون ترجمة عبارة “فداوي الشيخ شيخ” إلى مردود مالي وسياسي.  وصار حقاً لهم أن يضعوا عليها شروطا.  ولهذا رأيناهم يقودون الجموع في ساحة الفاتح وهو  يرددون نعم نعم لولاة الأمر ولكن لنا مطالب.

لقد تغيرت البحرين في دوار اللؤلؤة وتغيرت أيضاً في ساحة جامع الفاتح.  ولهذا نرى السلطة تسعى جاهدة في سبيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. أي إلى ما قبل الرابع عشر من  فبراير من جهة وإلى ما قبل الثاني من مارس من الجهة الأخرى.

للموضوع صلة

يتبع هذا التمهيد مقالان متداخلان ثم خاتمة أحاول فيهم أن أرصد جهود السلطة التي تعول على قدرتها ليس على وقف عجلة التاريخ  فحسب بل على إعادتها إلى الخلف.  ولهذا نراها تعول على أن نجاح جهودها سيعيد بناء حاجز الخوف في البلاد كما سيعيد إحياء موروث الفتح وسردياته.  إلا إن هذه الجهود , كما سيتبين, لن تؤدي إلى إنفراد لأنها تعتمد على نفس الإستراتيجيات التي أوصلت البلاد إلى ما فيه من أزمة مستحكمة أمنياً وسياسياً.

الدكتور عبدالهادي خلف

يوم إستشهاد حسن جاسم مكي الكرزكاني

Advertisements