نعم لإسقاط النظام

قال شاعرٌ يخاطب ملكاً. “أيها الملك…نحن رعاياك الذين تباهي بنا الأمم.  لقد سَئِمنا هذا المجد”.

 لم يقرأ كثيرٌ من شباب اللؤلؤة ما قاله الشاعر قاسم حداد يومها.  ولكن الكلمات صارت جزءً من مكنونٍ في ذاكرة الناس.

ولم يسمع كثيرٌ من شباب اللؤلؤة شاعراً آخر هو المرحوم عبدالرحمن المعاودة الذي كانت الناس تردد قصائده الثورية التي كان يلقيها في خمسينيات القرن الماضي في مأتم خميس في السنابس أو في مسجد المؤمن في المنامة أو مسجد العيد في الحورة. لم يسمع كثيرٌ من شباب اللؤلؤة شاعر هيئة الإتحاد الوطني وهو يردد “المجدُ لا يُشترى إلا بعاصفة . . . تَجْتَثَ كلَّ غشومِ جائرٍ نذلِ”. إلا أن تلك الكلمات لم تضع هدراً بل صارت  جزءً صارت جزءً من مكنونٍ في ذاكرة الناس.

مرَّ جيلان بين الشاعريْن وبين تلك الكلمات التي لم يسمعها أغلب شباب اللؤلؤة . ومرّت بالوطن أحداثٌ لم يعشها أغلب من يعتصم في الدوار أو يشارك في الأعمال الإحتجاجية. ومرّ الوطن بأكثر من ثلاثة عقود من تسلط أجهزة القمع الذي حاولت تدمير ذاكرة الناس وتلويث هواء البلاد بإفرازات التشطير الطائفي والمناطقي.  إلا أن من يتابع أنشطة شباب اللؤلؤة والشعارات التي ترتفع في المسيرات الإحتجاجية يعرف أن السلطة لم تنجح تماماً في مخططاتها وإنها فشلت في تدمير ذاكرة الناس. فيستطيع من يتابع أن يرى خيط رفيعاً غير مرئي يحمله هواء الوطن منذ خمسينات القرن الماضي بل وقبلها. لقد تراكمت الآلام الذي حرَّضنا روادنا على معالجتها بثورة تجتث الجور. ولقد ملً الناس من طول إستخدامها مجرد ديكور يتباهى به ملكٌ بين الأمم. كما عيل صبرها في إنتظار أن يتحقق الإصلاح ليتحرر الوطن ويسعد الشعبُ فيه.

أقولُ, لقد أعادت الشعارات التي رفعها شباب اللؤلؤة صياغة ما قاله الشاعران وغيرهما من قبلهما وبعدهما. إلا إن شعارات هذه الثورة الشبابية تستدعي مكنون الذاكرة الوطنية وتعيد ترتيبها لتصبح أكثر شاعرية وأكثر مباشرة في الوقت نفسه.  وفهذه الشعارات تأخذ البلاد خطوات أطول على الطريق نحو ذلك الهدف الذي تغنى به المرحوم عبدالرحمن المعاودة وضحى في سبيله عبر الأجيال المتلاحقة آلاف الحالمين بمستقبل أفضل. وهي شعارات يلخصها, دون أن يلغي تفاصيلها, الترديد الجماعي لعبارة:الشعب يريد إسقاط النظام.

لم يأتِ شبان وشابات اللؤلؤة بشئ جديد لم يسبقهم إليه قادة الهيئة قبل أكثر من خمسين سنة. ولكنهم وضعوا االنقاط على الحروف.  فحين ردد أهلنا في مصر عبارة “الشعب يريد إسقاط النظام” لم يقصدوا أن يأتي جمال مبارك في مكان أبيه أوأن يؤتى بعمر سليمان أوغيره من بين صفوف ذلك النظام.  وحين يردد الناس في دوار اللؤلؤة وفي المسيرات الإحتجاجية أن “الشعب يريد إسقاط النظام” فلأنهم يعرفون ما عرفه من سبقهم من مناضلي الحركة الوطنية والدستورية. نحن نعاني من  نظام لا يمكن إصلاحه من ذاته. و ما لا يمكن إصلاحه لا بد من إستبداله.

طوال العقود  الخمسة التي مرت منذ أن ضُربت هيئة الإتحاد الوطني نشأت كثيرٌ من التنظيمات المعارضة  التي نشطت في أجواء السرية بسبب القمع الذي  حُكمت البلاد به.  لا أعرف تنظيماً شيوعياً أو قوميا أو بعثيا أو إسلامياً  إلا وكان من أهدافه إسقاط النظام. بل لقد كان النظام الجمهوري هدفاً معلنا أو مضمناً من أهداف جميع تنظيمات المعارضة. ولا أعرفُ تنظيماً فيها, صغيراً أو كبيراً, لم يتعرض أعضاؤه و عضواته للسجن والتعذيب بتهمة السعي لإسقاط النظام.  نعم تغيرت صيغة الخطاب  الإعلامي لبعض فصائل المعارضة بعد الإستقلال وفي السنوات التالية.  ونعم أيضاً  لقد تغيرت صيغة الخطاب  الإعلامي لبعض فصائل المعارضة بعد التصويت على ميثاق العمل الوطني. ولكن السلطة في الحالتيْن خذلت الناس ولم تلتزم بما تعهدت به لإقناع تلك الفصائل المعارضة بأن الملكية الدستورية خيار ممكن وقابل للتطبيق والدوام.

لا يجادل كثيرون في أن الشعبَ قد عانى كثيراً في ظل حكم العائلة الخليفية ولا في أنه صبرَ كثيراً على طغيان وقمعٍ وفساد وإستهتار بأرواح الناس وإنتهاك لكراماتهم.  ولا يجادل كثيرون في أن تلك المعاناة والصبرلعقودٍ طويلة لم تثمر خيراً رغم كل الدعوات المخلصة للإصلاح. كما لا يجادل كثيرون في أن السلطة قد تعودت على الإرتداد عن كل وعودها بالإصلاح التي لا تقدمها أصلاً إلا بعد أن تتضافر الضغوط الخارجية مع قوة حركة الإحتجاج الداخلي وإستمرار تماسكها. لقد  سَأَمت الناس من إستهتار سلطة لا تريد أن تنصلح. سلطةٌ تخلف كل عهد وتغدر حين يأمنها الناس.

أقول لا يجادل فيما سبق.   ولهذا لا  يجب أن يستنكر أحدٌ أن رفع شعارالشعب يريد إسقاط النظام يعني الدعوة لإستبداله بما هو أفضل منه.   أي بنظامٍ  لا ينخره الفساد ولا يستند على الإفساد.     نظامٌ لا يقمع المعارضين ولا يقتل الناس غدراً وهم نيام. نطامٌ لا يستدعي القوات الأجنبية للمساعدة في تقتيل شعبه.  نظامٌ تقوم شرعيته على رضا الناس وإقتناعهم وليس على القهر والتفرقة وشراء الذمم. و    لعل أفضل الأنظمة البديلة  هو النظام الجمهوري في حال توافقت الناس عليه عبر ذلك الإستفتاء الذي لوّح به سمو ولي العهد.     وبهذا يعيدنا شبان وشابات اللؤلؤة إلى الحُلم الذي حَلِمت به الناس وصار جزءً  مكنوناً في ذاكرتها منذ أن توحدت تحت راية هيئة الإتحاد الوطني قبل أكثر من خمسين سنة.

الدكتور عبدالهادي خلف

يوم إستشهاد علي إبراهيم الدمستاني – 17 عاماً

Advertisements

One thought on “نعم لإسقاط النظام

Comments are closed.