الإنعتاق من موروث الفتح

لم تكن السلطة وحدها التي تفاجأت بما حدث بعد الرابع عشر من فبراير. ففي صباح ذلك اليوم إتصلتُ ببعض الأخوة وقد سمعتُ بمحاصرة الشرطة لبيوت بعض الناشطين والرموز ومن بينهم بيت الناشط الحقوقي نبيل رجب بهدف تخويفهم من جهة أو لمنعهم من مغادرة منازلهم للممشاركة في الفعالية الإحتجاجية المقررة في ذلك اليوم. وقلتُ لمن تمكنتُ من محادثتهم إن الخروج للإحتجاج هو عمل نضالي وسيكون له أثاره في تاريخنا حتى ولو خرج خمسة هنا وخمسة هناك.  فحتى بخروج عدد قليل ستسجل المعارضة موقفاً جديداً ينتشلها من مراوحتها في إطار القفص الذي فرضته السلطة عليها منذ إنقلابها, أي السلطة, على ميثاق العمل الوطني. لم يكن أحدٌ ممن حادثتهم في حاجة للتشجيع من أحد. ولستُ في موقع ذلك منهم. إلا أن أجواء التحشيد الإعلامي من طرف السلطة وأبواقها كان مقلقا فلقد رأينا كيف إنحدرت بعض تلك الأبواق إلى مستوى التحريض المباشر.

حين سقط الشهيدان علي مشيمع  وفاضل المتروك برصاص قوات الأمن والجيش عرف الناس في تلك اللحظات العصيبة أن حاجز الخوف يجب أن ينهارإلى غير رجعة.  ومعلومٌ أن الخوف من مواجهة السلطة  كان هوسلاحها الأقوى.  وبالفعل رأينا كيف إنهار جدار الخوف حتى بعد أن تمادت قوى الأمن وقوة الدفاع وإرتكبت جريمة الغدر بالمعتصمين في الدوار التي سقط من جرائها مئات الجرحي وستة شهداء.  وهي جريمة لن تنمحي من الذاكرة الوطنية لا بسبب عدد ضحاياها فحسب بل لأنها جريمة نفذت بأوامرمباشرة من أكبر الرؤوس في العائلة الخليفية. بعد تلك الجريمة رأينا ورأى العالمُ أن الناس في البحرين هم حقاً كما وصفهم  عنوان تقرير منظمة العفو الدولية الأخير: مثخنون بالجراح ولكن لا ينحنون

ماحدث بعد الرابع عشر من فبراير فاق التوقعات.  فلقد كان الشعبُ أكثر واقعية من أغلب المحللين والمراقبين.  فكسرت عشرات الألوف من الناس جدارَ الخوف وسحبت معها من كان متردداً من رموز المجتمع وقياداته. وسيكتبُ مؤرخو الحركة الوطنية البحرينية إن في دوار اللؤلؤة خيضت معركة تاريخية توحدت فيها صفوف جميع أطياف المعارضة.  فرأينا المعارض المستقل يهتف مع  المنتمين إلى أطياف المعارضة المنظمة. مع الإسلاميين واليساريين والبعثيين والقوميين واللبراليين.  ورأينا كيف توحدت  تحت ظل الرايات المرفوعة في الدوار إرادات أطراف متعددة من بينها من كان سيكتفي بإصلاح النظام عن طريق إدخال تحسينات على أشخاصه وعلى أدواته وأدائه. ومن بينها من يصر على تغيير النظام جذرياً بتحويله إلى مملكة دستورية حديثة. ومن بينها من لا يرى مخرجاً مما تعانيه البلاد من أزمات مستعصية إلا بالعودة إلى الحل الذي طرحته هيئة الإتحاد الوطني في منتصف القرن الماضي أي إزالة نظام الحكم القبلي وإستبداله بنظام جمهوري.

إلا إننا لسنا في حاجة إلى إنتظارالمؤرخين لنعرف إن ما حدث منذ الرابع عشر من فبراير 2011  وخاصة بعد جريمة الغدر بالمعتصمين في دوار اللؤلؤة لم ينحصر في إنهيار جدار الخوف.  فلقد بدا واضحاً أننا نشهد إرهاصات تاريخ جديد تصنعه حركة المعتصمين في الدوار وبقية نشطاء المعارضة والناس العاديين في البحرين.  هذا التاريخ الجديد هو الذي يبدأ بالإنعتاق من موروث “الفتح”.ا

صبغت سرديات هذا الموروث حياتنا الإجتماعية وأنشطتنا الثقافية  وشكَّلت علاقاتنا السياسية منذأن وُضعت أسس النظام السياسي الراهن في عهد عيسى بن علي أي منذ أكثر من مائة وأربعين سنة.  بطبيعة الحال تأثرت تطبيقات تلك الأسس بعوامل الزمن وعلاقات القوة ضمن العائلة الخليفية وكذلك بحركات المقاومة المعلنة والمخفية التي واجهها النظام. إلا أن النظامَ بقيَ في جملته  نظامأً يسند شرعيته إلى سرديات “الفتح” التي يعززها بقدراته على تشطير الرعية بمختلف معايير التشطير الطائفية والمناطقية والعائلية

عالجتُ “موروث الفتح” وتأثيراته  في مواضع كثيرة.  وسيكفيني هنا أن أشير إلى الشقيْن المتداخليْن والمتلازميْن اللذيْن يتشكل منهما موروث “الفتح” الذي يمتد لأكثر من قرنيْن.   ففي الشق الأول تزهو العائلة الخليفية بسيوفها التي فتحت بها البحرين في القرن الثامن عشر والتي تشرعن في القرن الواحد والعشرين ممارستها لسلطتها. أما الشق الثاني فيكرس الإحساس بالقهر والمظلومية ولكنه يرى حرمة الدم فيكتفي بتكثير الدعاء بأن يخفف الله البلاء إلى حين يأتي الفرج الرباني.

بين حين وأخر تكرر العائلة الخليفية تذكير الناس بسيوفها التي أخضعت أجدادهم قبل أكثر من قرنيْن. فهي تتصرف على أساس أن البحرين كلها بمن وما عليها هي غنيمة “فتح” البحرين الذي قامت به القبائل الوافدة من شبه الجزير العربية في 1783.  وإنسجاما مع سرديات “الفتح” يزداد إصرار العائلة الحاكمة في البحرين على رفض الاندماج مع أهل البحرين , من سنة و شيعة. فهي لم تفعل ما فعلته العائلة الحاكمة في الكويت على سبيل المثال. بل نراها تتفنن في توليد التشكيلات السـياســية و التعبيرات الثقافية التي تضمن المحافظة لها على هويتها كقبيلة متسيدة على الناس جميعاً.

أقولُ رغم أن سرديات الفتح هو عمود الخيمة الخليفية إلا أن العائلة تبدو في حاجة دائمة لتذكير الناس به. لهذا نراها تستعيد أساطير “الفتح” وتداعياتها بين الحين والآخر لتأكيد شرعيتها ولتحشيد فزعة الولاء حولها وخاصة عندما لا يكفي صليل السيوف ولا رنين الذهب في إسكات الناس. وفي هذا الصدد رأينا مدى وقاحة وزير البلاط الملكي الحالي حين كان يعيِّر الناس بأنهم مجرد جزء من جملة أسلاب وغنائم أجداده. ورأيناه يهدد الناس,  إن هم لم يرعووا, بالصارم المصقول حسب قوله الذي سيبيد من يرفع رأسه منهم و ينفي الآخرين بعيداً عن البحرين إلى هذا الفشت أو ذاك في مياه  الخليج.  ومؤخراً قرأنا القصيدة الرعناء التي ألقاها أحد أبناء الملك  قبل أسابيع وكان يهدد الناس فيها بأنه سيفعل بهم  ما فعل أجداده بأجدادهم فيقطع بسيفه الرؤوس من فوق الأمتان

أما  الشق الثاني  وهو الأهم بالنسبة لي فيتعلق بالناس أنفسهم.  فتاريخ البحرين طوال القرنيْن الماضييْن حافلٌ بالمحاولات الموثقة وغير الموثقة لمواجهة مختلف أنواع الظلم الذي يتعرض له أهلها. إلا إنه تاريخٌ يحوي أيضاً إستبطاناً للقمع يقوم على إقتناع بأن وراء الظلم حكمة ربانية روَّج لها وعاظ السلاطين وسدنة المجتمع على إختلاف مللهم.  فمن جهة هناك وعاظ يدعون  إلى لزوم طاعة الوالي والتحذير من منازعته  حتى ولو كان  ظالماً. بل أن فيهم من يقول أن من أهان الوالي الذي هو  سلطان الله في الأرض أهانه الله. ومن
جهة أخرى هناك وعاظ يزعمون أن الظلم الحاصل هو قضاء الله وقدره يمتحن به عبيده . ولهذا  فلابد من الصبر وعدم إستعجال أمر الله  وتدبيره.  فالفرج آتٍ من حيث لا يعلم الناس  طالما أحسنوا النية وأكثروا من تلاوة الأدعية.

أقولُ ماحدث منذ الرابع عشر من فبراير لم يكسر حاجز الخوف فحسب بل كان بداية لإنقلاب ثقافي وإرهاصاً  لنهاية موروث “الفتح”. وسيكون لهذه التغيرات المثلثة نتائج إستراتيجية على صعد مختلفة سياسية وثقافية لا يمكننا الآن سوى التكهن حول بعضها.

ولعل أولى  مؤشرات التغييرات التي سنشهدها  هو إضطرار السلطة لإستدعاء القوات السعودية تحت غطاء درع الجزيرة.  فمجئ القوات السعودية ومعها القوات القطرية والأماراتية هو إعتراف علني بعدم قدرة النظام على السيطرة على البلاد.   ومعلومٌ أن أقصى ما يأمل به أي مخطط للمقاومة المدنية هو أن يفضح عجز أهل السلطة عن ممارسة سلطاتهم.  فعند ذلك تبدأ نهاية تلك السلطة. فرغم مئات الملايين من الدنانير التي هُدرت على أجهزة الأمن وعلى قوة الدفاع  رأيناها عاجزة عن مواجهة بضعة آلاف من الشبيبة العزل  الذين إلتزموا بممارسة المقاومة المدنية وهتفوا ,رغم إختلافهم, بصوت واحد “سلمية…سلمية”. ولذي تُداري هذا العجز نرى السلطة جاهدة الآن لفبركة الروايات عن عنف المعارضين بل وإختلاق الأكاذيب حول إكتشاف أسلحة في سيارات الإسعاف أو في عنابر مستشفى السلمانية.

أسارع للقول أن عجز السلطة الأمني ولجوئها للقوات السعودية  لم يكن بسبب أنها لا ترغب أو لا تستطيع أن تسفك الدماء. فلقد فعلت السلطة في البحرين ذلك مراراً.  بل وكان الخميس الدامي في 17 فبراير الماضي مؤشراً على المدى الذي ستذهب إليه لإخماد صوت المعارضة.   من جهة أخرى نعرف أن السلطة في البحرين لم تتأخر في اللحاق بسلطة بن علي ومبارك وعلي صالح حين أطلقت العنان للمليشيات البلطجية التي تعيث في قرى البحرين وشوارعها فساداً.  إلا أنها تعرف أن لسفك الدماء مردود عكسي عليها. فبسبب تعاطف الرأي العام العالمي إضطرت الإدارة  إلى إستنكار إستخدامها للعنف المفرط ودعتها لها لضبط النفس.  وفوق ذلك فإن السلطة تعرف إن سفك الدماء لن يمر بدون حساب ما  دامت المعارضة والنشطاء في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان يقومون برصد وتوثيق كل الإنتهاكات التي تقوم السلطة بها مباشرة أو عن طريق مجموعات المرتزقة وفرق البلطجة.

لمجئ القوات السعودية أهدافٌ أخرى من بينها  توفير غطاء إقليمي لسفك الدماء في البحرين. فلن تجرؤ الولايات المتحدة على إنتقاد السعودية في الوقت الذي هي تحتاج إلى الدعم المالي والسياسي لحربها في ليبيا ولمحاولات تنشيط الثورة المضادة في كل من مصر وتونس. وبالفعل رأينا كيف خففت الإدارة الأميركية لهجتها مع إرتفاع حدة المواجهة مع الطاغية الليبي.  من جهة ثانية تعرف الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين أن نجاح الحركة الديمقراطية في البحرين يعني إنتقال تأثيراتها الإيجابية على بقية بلدان المنطقة وخاصة جارتنا السعودية التي يعاني شعبها من جميع مساوئ الحكم القبلي وإنتهاك حقوق الإنسان وإنعدام وسوء الإدارة والفساد.

ترافق دخول القوات السعودية إلى البحرين مع إرتفاع لغة التصعيد ضد النظام الإيراني وإتهامه بالتدخل في شئون البحرين. ومن جهة رابعة إستتبع دخول القوات السعودية والقطرية والأماراتية إلى البحرين تنشيط الإعلام الرسمي الخليجي لتبرير مشاركتها في قمع الحركة السلمية في البحرين ولشيطنة المعارضة فيها حتى كاد بن لادن أن يصبح بالنسبة لها ملاكاً بالمقارنة إلى الشببيبة البحرينية وهي تواجه بصدور عارية قوات عسكرية من أربع دول خليجية

لقد رأينا كيف تسعى الجهود الإعلامية المحلية والخليجية, وفي مقدمها قناتيْ العربية والجزيرة,  إلى تحويل النضال من أجل الدولة الدستورية في البحرين إلى صراع بين إيران والسعودية.  ولم يتخلف وعاظ السلاطين عن القيام بدورهم التأجيجي في هذا المجال. ومن بين هؤلاء أشير إلى خطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها يوسف القرضاوي وأنكر فيها على البحرينيين حق  الثورة, بل أن واعظ شيوخ الخليج وهو إستنكر أن يطالب  البحرينيون بالديمقراطية لمجرد أن غالبيتهم من الشيعة.

لم يعد في الساحة الوطنية من يحتكر القرار. ولهذا ستفشل كل محاولات السلطة لإضعاف المعارضة عبر مناوراتها الإلتفافية المعتادة. لقد جربت السلطة خلال الأسابيع الماضية جميع أساليبها التي تعودنا عليها. فلقد رأينا الملك يعلن مهزلة الألف دينار لكل عائلة.  فلم تنجح.  ولقد طرح ولي العهد مبادرة الحوار التي لم تخدع احداً فلا حوار من أجل الحوار. ومعلومٌ أن ولي العهد إستعان لإنجاح حواره بمساعد وزيرة الخارجية الأميركية فيلتمان سئ الصيت. عندها تذكرت الناس الحوار الذي فرضته الولايات المتحدة على الفلسطينيين منذ ما يقارب العشرين سنة دون أن يصلوا إلى شئ.  وجاءت الضربة القاضية لمناورة ولي العهد حين أُعلنت مصادره أن الحوار المقصود هو حوار بين تجمع قوى المعارضة وتجمع قوى الموالاة على أن يكون ولي العهد شخصياً الحكم بينهما.  فإن إتفق الثلاثة ذهبوا إلى الملك وعمه للحصول على موافقتهما على نتائج ذلك الحوار

لقد ناورت السلطة وكذبت وإستعانت بالوسطاء المحليين والخارجيين. وفشلت لأنها لم تكن صادقة ولأن الناس تعلموا من أخطائهم المتكررة في تصديقها. فلقد قيل للمعارضة إن في العائلة الخليفية إنقساماً بين الحمائم والصقور تستطيعون الإستفادة منه.  وبموازاة هذه الإشاعات إستمرت الإتصالات الجانبية مباشرة أو عبر الوسطاء لتحذير هذا الطرف المعارض من ذلك الطرف. وكما حدث في السابق, رمت السلطة بفخاخها ومياديرها ظناً إنها ستصطاد هذا الطرف المعارض أوذاك كما فعلت قبل عشر سنوات بعد التصويت على ميثاق العمل الوطني. وسمعنا وسطاء السلطة يقولون أن الجهة الفلانية المعارضة تتفاوض الآن فسارعوا كيلا تفوتكم حصتكم.  وسمع آخرون قصصاً أخرى. إلا أن كل مناورات السلطة في هذا المجال لم تنجح هذه المرة

نحن أمام واقع جديد صنعت بداياته مبادرات الإحتجاج الشبابية التي إنطلقت منذ الرابع عشر من فبراير وسحبت معها جميع فصائل المعارضة وكثيرين من  رموز المجتمع وقياداته.  لقد تغيرت الدنيا و تغير الناس إلا أن العائلة الخليفية , لسوء حظ البحرين, ما زالت تعيش في العام 1783.  فعلى عكس الناس الذين بدأوا ينفضون عنهم الأغلال الحقيقية والمتخيلة التي تفرضها عليهم سرديات “الغزو” نرى السلطة مازالت تتتلهى بسرديات “الفتح” الموروثة من القرن الثامن عشر

لقد تغيرت الدنيا حين لم تؤثرفي الناس رشوة الألف دينار ولم يمنعهم الرصاص ولا قنابل الغاز المنثورة عليهم من طائرات الهيلوكوبتر ومن فوق الجسر ومن على أسطح المنازل.  وتغيرت حين أخذ الناس العاديون الذين لم يهتموا بالسياسة يوماً في إعلان تضامنهم مع الحركة الإحتجاجية. وتغيرت الدنيا حين بدأ كثيرون من الوجهاء التقليديين ينفضون من حول النظام بعد أن رأؤوا بأعينهم وفي وضح النهار وأمام شاشات التلفزيون مدى وحشية النظام وإستهتاره بكل المواثيق والقيم

لقد تغيرت الدنيا فلهذا ولن يفلت أحدٌ من منتهكي حقوق الإنسان والمدافعين عن سفك الدماء ة من المساءلة والعقاب. فرغم عنجهية أهل السلطة فهم يعرفون أهمية قيام المعارضة والناشطين الحقوقيين في داخل البحرين وخارجها  بتوثيق إنتهاكاتهم لحقوق الإنسان بما في ذلك االقتل المتعمد وسحب الجرحى من المستشفيات  والقتل تحت التعذيب والسماح لمنتهكي حقوق الإنسان بالإفلات من العقاب. فلولا هذا التوثيق في الماضي لما كان خليفة بن سلمان يخاف أن تطأ أقدامه الأراضي البريطانية. فهو يعرف أن ثمة تحقيقاً ينتظره هناك بعد أن إدعى السفاح هندرسون إن كل ما فعله كان بأمر مباشر من خليفة بن سلمان. ولا أشك في جهود الخيرين في داخل البحرين وخارجها  سوف تؤدي إلى إحالة مسئولين بحرينيين آخرين إلى العدالة الدولية

نعم. جاءت الهجمة السعودية لتوقف الحركة الديمقراطية ولتمنع نموها. إلا أن الوقت قد فات.  نعم. الشعبُ مثخنٌ بالجراح ولكنه لن يقبل أن ينحني بعد الآن.   فلقد إنهار جدار الخوف وتخلصت غالبية الناس من أسر “موروث الغزو/الفتح” التي أجهض في الماضي حركة المعارضة الوطنية بمختلف أطيافها.  لقد سقت إرهاصات هذا الواقع الجديد دماء الشهداء وجراح المصابين ودموع أهاليهم. هو واقع جديد جعل من دوار اللؤلؤة نقطة إلتقاء لجميع أطياف المعارضة المنظمة وغير المنظمة لم تشهد البحرين مثلها منذ أن ضربت السلطة الخليفية والإستعمار البريطاني هيئة الإتحاد الوطني قبل خمس وخمسين سنة.  هو واقع جديد يتشكل الآن بصمود الناس وإصراهم جميعاً على مواصلة المسير على الطريق نحو مهرجان الإنتصار

—————

الدكتورعبدالهادي خلف

في يوم تشييع الشهيدعبدالرسول الحجيري

Advertisements

نعم لإسقاط النظام

قال شاعرٌ يخاطب ملكاً. “أيها الملك…نحن رعاياك الذين تباهي بنا الأمم.  لقد سَئِمنا هذا المجد”.

 لم يقرأ كثيرٌ من شباب اللؤلؤة ما قاله الشاعر قاسم حداد يومها.  ولكن الكلمات صارت جزءً من مكنونٍ في ذاكرة الناس.

ولم يسمع كثيرٌ من شباب اللؤلؤة شاعراً آخر هو المرحوم عبدالرحمن المعاودة الذي كانت الناس تردد قصائده الثورية التي كان يلقيها في خمسينيات القرن الماضي في مأتم خميس في السنابس أو في مسجد المؤمن في المنامة أو مسجد العيد في الحورة. لم يسمع كثيرٌ من شباب اللؤلؤة شاعر هيئة الإتحاد الوطني وهو يردد “المجدُ لا يُشترى إلا بعاصفة . . . تَجْتَثَ كلَّ غشومِ جائرٍ نذلِ”. إلا أن تلك الكلمات لم تضع هدراً بل صارت  جزءً صارت جزءً من مكنونٍ في ذاكرة الناس.

مرَّ جيلان بين الشاعريْن وبين تلك الكلمات التي لم يسمعها أغلب شباب اللؤلؤة . ومرّت بالوطن أحداثٌ لم يعشها أغلب من يعتصم في الدوار أو يشارك في الأعمال الإحتجاجية. ومرّ الوطن بأكثر من ثلاثة عقود من تسلط أجهزة القمع الذي حاولت تدمير ذاكرة الناس وتلويث هواء البلاد بإفرازات التشطير الطائفي والمناطقي.  إلا أن من يتابع أنشطة شباب اللؤلؤة والشعارات التي ترتفع في المسيرات الإحتجاجية يعرف أن السلطة لم تنجح تماماً في مخططاتها وإنها فشلت في تدمير ذاكرة الناس. فيستطيع من يتابع أن يرى خيط رفيعاً غير مرئي يحمله هواء الوطن منذ خمسينات القرن الماضي بل وقبلها. لقد تراكمت الآلام الذي حرَّضنا روادنا على معالجتها بثورة تجتث الجور. ولقد ملً الناس من طول إستخدامها مجرد ديكور يتباهى به ملكٌ بين الأمم. كما عيل صبرها في إنتظار أن يتحقق الإصلاح ليتحرر الوطن ويسعد الشعبُ فيه.

أقولُ, لقد أعادت الشعارات التي رفعها شباب اللؤلؤة صياغة ما قاله الشاعران وغيرهما من قبلهما وبعدهما. إلا إن شعارات هذه الثورة الشبابية تستدعي مكنون الذاكرة الوطنية وتعيد ترتيبها لتصبح أكثر شاعرية وأكثر مباشرة في الوقت نفسه.  وفهذه الشعارات تأخذ البلاد خطوات أطول على الطريق نحو ذلك الهدف الذي تغنى به المرحوم عبدالرحمن المعاودة وضحى في سبيله عبر الأجيال المتلاحقة آلاف الحالمين بمستقبل أفضل. وهي شعارات يلخصها, دون أن يلغي تفاصيلها, الترديد الجماعي لعبارة:الشعب يريد إسقاط النظام.

لم يأتِ شبان وشابات اللؤلؤة بشئ جديد لم يسبقهم إليه قادة الهيئة قبل أكثر من خمسين سنة. ولكنهم وضعوا االنقاط على الحروف.  فحين ردد أهلنا في مصر عبارة “الشعب يريد إسقاط النظام” لم يقصدوا أن يأتي جمال مبارك في مكان أبيه أوأن يؤتى بعمر سليمان أوغيره من بين صفوف ذلك النظام.  وحين يردد الناس في دوار اللؤلؤة وفي المسيرات الإحتجاجية أن “الشعب يريد إسقاط النظام” فلأنهم يعرفون ما عرفه من سبقهم من مناضلي الحركة الوطنية والدستورية. نحن نعاني من  نظام لا يمكن إصلاحه من ذاته. و ما لا يمكن إصلاحه لا بد من إستبداله.

طوال العقود  الخمسة التي مرت منذ أن ضُربت هيئة الإتحاد الوطني نشأت كثيرٌ من التنظيمات المعارضة  التي نشطت في أجواء السرية بسبب القمع الذي  حُكمت البلاد به.  لا أعرف تنظيماً شيوعياً أو قوميا أو بعثيا أو إسلامياً  إلا وكان من أهدافه إسقاط النظام. بل لقد كان النظام الجمهوري هدفاً معلنا أو مضمناً من أهداف جميع تنظيمات المعارضة. ولا أعرفُ تنظيماً فيها, صغيراً أو كبيراً, لم يتعرض أعضاؤه و عضواته للسجن والتعذيب بتهمة السعي لإسقاط النظام.  نعم تغيرت صيغة الخطاب  الإعلامي لبعض فصائل المعارضة بعد الإستقلال وفي السنوات التالية.  ونعم أيضاً  لقد تغيرت صيغة الخطاب  الإعلامي لبعض فصائل المعارضة بعد التصويت على ميثاق العمل الوطني. ولكن السلطة في الحالتيْن خذلت الناس ولم تلتزم بما تعهدت به لإقناع تلك الفصائل المعارضة بأن الملكية الدستورية خيار ممكن وقابل للتطبيق والدوام.

لا يجادل كثيرون في أن الشعبَ قد عانى كثيراً في ظل حكم العائلة الخليفية ولا في أنه صبرَ كثيراً على طغيان وقمعٍ وفساد وإستهتار بأرواح الناس وإنتهاك لكراماتهم.  ولا يجادل كثيرون في أن تلك المعاناة والصبرلعقودٍ طويلة لم تثمر خيراً رغم كل الدعوات المخلصة للإصلاح. كما لا يجادل كثيرون في أن السلطة قد تعودت على الإرتداد عن كل وعودها بالإصلاح التي لا تقدمها أصلاً إلا بعد أن تتضافر الضغوط الخارجية مع قوة حركة الإحتجاج الداخلي وإستمرار تماسكها. لقد  سَأَمت الناس من إستهتار سلطة لا تريد أن تنصلح. سلطةٌ تخلف كل عهد وتغدر حين يأمنها الناس.

أقول لا يجادل فيما سبق.   ولهذا لا  يجب أن يستنكر أحدٌ أن رفع شعارالشعب يريد إسقاط النظام يعني الدعوة لإستبداله بما هو أفضل منه.   أي بنظامٍ  لا ينخره الفساد ولا يستند على الإفساد.     نظامٌ لا يقمع المعارضين ولا يقتل الناس غدراً وهم نيام. نطامٌ لا يستدعي القوات الأجنبية للمساعدة في تقتيل شعبه.  نظامٌ تقوم شرعيته على رضا الناس وإقتناعهم وليس على القهر والتفرقة وشراء الذمم. و    لعل أفضل الأنظمة البديلة  هو النظام الجمهوري في حال توافقت الناس عليه عبر ذلك الإستفتاء الذي لوّح به سمو ولي العهد.     وبهذا يعيدنا شبان وشابات اللؤلؤة إلى الحُلم الذي حَلِمت به الناس وصار جزءً  مكنوناً في ذاكرتها منذ أن توحدت تحت راية هيئة الإتحاد الوطني قبل أكثر من خمسين سنة.

الدكتور عبدالهادي خلف

يوم إستشهاد علي إبراهيم الدمستاني – 17 عاماً

الشاعر عبد الرحمن بن قاسم المعاودة 1911-1996

ألقى الشاعر عبد الرحمن بن قاسم المعاودة  (1911-1996) هذه القصيدة في أثناء إحدى الإجتماعات الجماهيرية التي نظمتها هيئة الإتحاد الوطني  بمناسبة أربعينية إستشهاد الإمام الحسين(ع) في الخمسينيات من القرن الماضي

قصيدةعبد الرحمن بن قاسم المعاودة  1911-1996

بشائرالتغيير

ما تشهده البحرين من حراك غير مسبوق هو تباشير التغيير نحو مستقبل نبني فيه الدولة الدستورية التي تحتضن مواطنيها ومواطناتها وتكفل لهم جميع حقوق المواطنة المتساوية.  ومعلومٌ أن الدولة الدستورية الحقة لا تقوم مع الإصرار على موروثات الغزو. كما لا تقوم إلا عبر ممارسة تقوم على أن الشعب هو مصدر السلطات جميعاً. ا

  التغييرُ آتٍ لا محالة رغم ما نقرأه من تهديدات في بعض أجهزة الإعلام التي تنذرنا كل صباح ومساء بالويل والثبور إن لم ينته الإعتصام و تتوقف الإحتجاجات. بل وسمعنا بعض أبواق السلطة تهدد بالحرب الأهلية إذا ما تجاوزت المطالبة بالتغيير سقف ما يسمونه بالمطالب “المعقولة”. ولا شك أن من بين  ذوي النوايا الحسنة كثيرون يصدقون هذا الهراء ويرددونه. 

  التغييرُ آتٍ لا محالة.  فنحن الآن أمام خريطة جديدة وضع خطوطها الأولى شبابٌ خرجوا في الرابع عشر من فبراير وأرواحهم على أكفهم. وهي خريطة تزداد إتساعاً وتزداد وضوحاً في كل يوم بعد أن زينتها الدماء التي سُفِكت غدراً وجبروتاً. وهي خريطةٌ ترسمها أيدي البحرينيين والبحرينيات وليس أيدي أوباما أو أيٍ من القوى الدولية و الإقليمية التي تتحرك الآن لكبح حركة. فلو  كانت الأمور تسير على هوى الرئيس الأميركي وعلى هوى القوى الدولية و الإقليمية لما سقط بن علي ولا مبارك ولا أخذت الكراسي والعروش تهتز من المحيط إلى الخليج.

إلا أن الوصول إلى ذلك المستقبلَ الواعدَ مرهونٌ بقدرة قيادات المعارضة على المحافظة على تماسك صفوفها وصمودها أمام سيوف المعز المُشهرة ومقاومتها لرنين ذهبه. فلكي ندشن بناء الدولة الدستورية الحقة نحتاج إلى أن توافق شعبي لابد منه منه قبل التفاوض مع من يملك القرار في السلطة على خارطة طريق تقود البلاد إلى هدفها. 

ولن نتوصل إلى هذا التوافق الشعبي  إلا بالحوار الجدي والمسئول بين مختلف فئات الناس. وهنا لابد من الإشادة بموقف الجمعيات السبع وحوارها مع القوى السياسية والشخصيات الوطنية المعارضة للوصول إلى رؤية وطنية مشتركة حول طبيعة التغيير المطلوب. وهي رؤية لا شك إنها ستنطلق من التأكيد على توفير الضمانات اللازمة  لجدية المفاوضات مع ممثلي السلطة وضمانات الإلتزام بنتائجها. فلا ثقة في سلطة لم تعلن حتى الآن عن أسماء المسئولين عن “غزوة دوار اللؤلؤة” ووعن نيتها على محاسبتهم. ولا ثقة في سلطة  لا تعترف بأنها تعاني من أزمة مركبة دستورية وأمنية. بل نراها تتصرف وكأن الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ فبراير 2002  هي أزمة علاقات عامة يمكن حلها بالضجيج الإعلامي.

 لم يترك القيِّمون على النظام فرصة للأمل في إصلاحه لا لدى معارضيه ولا لدى من إصطفوا خلفه طمعاً أو خوفاً. فمن من يصدق سلطة نسمع منها هذه الساعة كلاماً  يبشر بالخير ثم نرى منهافي ساعة أخرى أفعالاً وتحركات تنذر بالخطر؟

 لقد صدق كثيرون دعوة سمو ولي العهد إلى الحوار. ولكنهم رأوا جلالة الملك يزور مقر قيادة قوة الدفاع ووزارة الداخلية ليشكر ضباطه  فيهما ويهنئهم على أدائهم  مهامهم بنجاح. ألم يكن سفك دماء المعتصمين في الدوار غدراً وهم نيام جزءً من تلك المهام التي أداها أولئك الضباط بنجاح؟ أحقاً يستحقون التهنئة على تلك الفعلة الإجرامية؟  بعد تلك الزيارتيْن هل يستطيع أحدٌ أن يلوم أهالي ضحايا  “غزوة دوار اللؤلؤة” أن هم لجئوا إلى المحاكم الدولية للإقتصاص ممن أمر وخطط ونفذ تلك الغزوة وتسبب في قتل وجرح وإعاقة المعتصمين العزل وهم نيام؟  

 ومع إن سمو ولي العهد لم يتبع دعوته بإجراءات جدية لبناء الثقة فلقد صدّق بعضنا تأكيداته بأن “لا خطوط حمر في الحوار”.  ولكننا جميعاً نرى في الوقت نفسه كيف يشجع رئيس الوزراء أزلامه على تحشيد الوفود إلى قصره تأييداً لبقائه في واجهة النظام رغم أكثر من أربعين عاماً من الفساد والإفساد. ألا يستفزرئيس الوزراء مشاعر الناس بهذه الحركات؟

أكرر الأمل في أن قيادات المعارضة ستبقى صامدة ومتماسكة الصفوف أمام الإغراءات والتهديدات.  كما أكرر الرجاء ألا تزج المعارضة نفسها في جلسات حوارعقيم مع السلطة بدون ضمانات جدية.  فلابد من هذه الضمانات كي تزول بعض آثار التكاذب المتكرر الذي سمح للسلطة أن تخدع الناس في السابق  بتغييرات شكلية.  فبدون هذه الضمانات لن يؤدي الحوار مع السلطة إلى  أكثر من محاصصة ظاهرية أو تقاسم مغانم سرعان ما يمحوها الغدرُ كما محا كثيراً غيرها من قبل.

الدكتور عبدالهادي خلف

 (1/3/2011)