لكي لا يكون الحوار طريقاً للوقوع في فخ الكذب والتكاذب

بعد أن سقط الشهيدان علي مشيمع وفاضل المتروك برصاص قوات الأمن والجيش عرف العالم قاصيهم ودانيهم بأن ليس أمام الناس في البحرين طريق آخر غير الطريق المؤدي إلى مهرجان الإنتصار.

لم تكن دماء الشهيديْن أول دماء تسيل في سبيل الوطن  والكرامة ولم تكن آخرها. فقبلهما وبعدهما ثمة قوافل شهداء وضحايا لهذه السلطة التي لا ترى في الناس إلا عبيداً ولا ترى في الوطن إلا مزرعة.

وحين إنبلج فجر يوم الخميس الدامي وأطلق الجيش والشرطة الرصاص والغازات والقنابل الصوتية على المتجمهرين في دوار اللؤلؤة وهم نيام, عندها أيقن العالم إنها سلطة لا يهمها إلا بقاؤها حتى ولو تطلب ذلك أن تسفك  دماء من يجرؤ على معارضتها.  

إلا أن سفك الدماء لم يحقق للسلطة ما أرادته. فلم يستسلم الناس بعد أن تجاوزوا حاجز الخوف. ولم يتأخر الوقت قبل أن تضطر السلطة إلى التراجع بفضل صمود الناس وإصرارهم على إستمرارالمسيرة في الطريق الذي لا مخرج  منه سوى بوابة الإنتصار. وحين نقلت أجهزة الإعلام العالمي صور الشباب وهم يستعيدون دواراللؤلؤة رأيتُ كما رأى الكثرون من جيلي إنهم يستعيدون البحرين. البحرين التي حلمنا بها حرة كريمة تحتضن شعباً سعيداً بالإنتماء إليها.  

لقد رفضت السلطة طوال خمسة عقود أن تتحاور مع أيٍ من فصائل المعارضة. إلا إننا نراها الآن تدعو إلى الحوار. ولهذا يخشى كثيرون, وأنا منهم, أن تكون الدعوة للحوار فخاً جديداً للإيقاع بالمعارضة. فلدينا للأسف تجارب مُرَّة كثيرة مع الفخاخ التي نصبتها السلطة في السابق.

أقولُ نعم للحوار. نعم للحوار من أجل الوطن. ولكن أي وطن؟ أهو الوطن الذي يريدونه أن يبقى مزرعة يتناهبون خيراتها؟ أم هو الوطن الذي يتشارك فيه جميع المواطنين والمواطنات ويضمن لهم ولهن المساواة في الحقوق والواجبات؟

 نعم للحوار من أجل الوطن والدولة الدستورية الحقة. ولكن مع من؟ هل يمكن أن يتحاور الضحايا مع جلادهم؟  ولكي لا تكون الدعوة للحوار خديعة أخرى أو وسيلة لعقد الصفقات الجانبية والمقايضات  فلابد من توفير الضمانات اللازمة لإنجاحه. فكم أعطونا من عهود وكم كذبوا وكم خذلوا من صدّقهم.

لكي لا يكون الحوار طريقاً للوقوع في فخ الكذب والتكاذب من جديد لا بد من أن تسبقه إجراءات تثبت جدية طرف السلطة الداعي للحوار. ألا يجب أن تستقيل الحكومة؟ ألا يجب أن يُزاح رئيسها بعد أربعين سنة من الفساد والإفساد؟ . ألا يجب أن تبدأ محاسبة الذين أصدروا الأوامر بسفك الدماء في دوار اللؤلؤة؟ أم يُراد للبلاد أن تقع مرة أخرى في فخ المرسوم 56 الذي قنن الإفلات من العقاب؟

نعم للحوار من أجل الوطن والدولة الدستورية الحقة. ولكنه لا بد ان يكون حواراً جدياً وشاملاً وشفافاً ومحاطاً بالضمانات. أتذكر الآن التحذير الذي أطلقه المرحوم  الشيخ عبدالأمير الجمري قبل إعتقاله الأخير في يناير 1996 حين قال إن أي حلٍ يجب أن يكون حلاً شاملاً بما فيه الكفاية ليشمل جميع الاتجاهات وطوائف المجتمع. وأن أي مبادرة تفتقد لهذا العامل هو حلٌ جزئي وغير كامل وبالتالي مرفوض.”

 

الدكتورعبدالهادي خلف

في اليوم التالي لإستعادة دوار اللؤلؤة

هذا أوان الناس

 

ما أعظم هذه الإنتفاضة الوطنية السلمية. وما أعظم التضحيات التي مهدت لها. وما أعظم النصر الذي ستحققونه.  

هذا أوان الناس. هذا أوانكم  بعد أن أثبتم إن سدنة النظام يسبحون في بحر أوهام  وأن غرور القوة أعماهم عن رؤية الواقع.  ففي الوقت التي تررد غالبية الناس هيهات منا الذلّة نرى فهذا يوزع مالاً وذاك يطلق رصاصاً وآخر يهدد بالويل والثبور مستعيناً بطبالة الإعلام.   لقد ظن سدنة النظام إنهم قادرون على الإستمرار في جهودهم  التشطيرية الطائفية. وظنوا إنهم قادرون على شراء الولاء لهم  بالمكرمات.  بل وتوهموا أنهم قادرون على إحتواء كل الرموز والقيادات والنشطاء إما عن طريق الترغيب أو عن طريق الترهيب.   

وبلغ الغرور مبلغه بسدنة النظام منذ أغسطس الماضي حين شنوا حملتهم الأمنية حين توهموا إنهم سيتمكنون من إنهاء المعارضة و إجهاض حلم الشعب بوطن حرٍ وشعب سعيد. وطنٌ يكون ملكاً لأهله وليس عائلة تهدد الناس يوماً بالتهجير ويوماً بقطع الرقاب من فوق الأمتان. وطنٌ يتمتع فيه الجميع بحقوق المواطنة المتساوية وواجباتها. وطنٌ حقاً وليس مزرعة خاصة. 

نعم لقد أعادت حملة أغسطس الأمنية البلاد إلى ما كانت عليه في التسعينيات فإنفلتت أجهزة الأمن وكررت ما كانت تمارسه في عهد  “أمن الدولة” من إنتهاكات فظة لحقوق الإنسان. كما أطلقت أيدي جلاوزتها لتعذيب المعتقلين. وكما كانت تفعل في العقود الماضية رأيناها تتلاعب بالقضاء وتُسَخِّر أبواقها الإعلامية لتغطية أفعالها وتبريرها.

إلا أنكم أثبتم  فشل جهود النظام. فمثله في ذلك مثل جميع الأنظمة المتسلطة  ظل عاجزاً عن رؤية الواقع الذي تعيشه غالبية الناس.  وهاهو النظام يكتشف أنه يسير في طريق مسدود. فلا يكفيه للخروج من أزمته أن يعيد تكرار الوعود بالإصلاح والتنمية.  فلقد سمعتم وسمع العالم كثيراً. لقد كذب سدنة النظام على الجميع طويلاً.  وصرتم تعرفون كما صار العالم يعرف أنه نظامٌ  لا ينصلح من داخله.  فلا يمكن بعد عشر سنوات من الكذب والتكاذب أن يصدق أحدٌ وعوداً لا ضامن لها. فلا ضامن لحقوق الناس إلا الناس أنفسهم. 

أحييكم جميعاً وأترحم على شهدائنا

عبدالهادي خلف

في يوم تشييع الشهيد فاضل المتروك