مفاجأة الدكتور حسن مدن

 
..
فاجأني الدكتور حسن بن عبدالله مدن في عموده المنشور قبل إسبوع (الأيام,19 أغسطس). و تكمن المفاجأة في نبرته الإستجدائية وهو يعرض على أولي الأمر ممن سماهم "ذوي الألباب وأصحاب البصيرة" لكي يقارنوا ويدركوا الفرق بين نوعين من المعارضة. أي بين "المعارضة الراهنة" حسب قوله وبين "المعارضة الوطنية الديمقراطية والتقدمية".ا
نعم فوجئتُ. فلقد صدقتُ ما قاله لي بعض أصحابي في المنبر التقدمي من أن نجاح أمينهم العام في الإنتخابات القادة مضمونٌ مائة في المائة. ويشيرون لتأكيد تلك النبوءة إلى عدة أسباب منها البرج الفيروزي ومنها الدعم المالي والإبراز الإعلامي ناهيك عن المراكز العامة و أصوات المواطنين الجدد وخاصة العاملين منهم في قوة الدفاع والداخلية. فالسلطة تريد, كما قيل, أن تفرك أذن الوفاق. وهي في حاجة أيضاً إلى إعادة تأثيث المجلس المنتخب. ا
هل بالغ أصحابي في تفاؤلهم؟ أم أن السلطة صارت تطلب المزيد من تأكيدات الولاء؟ على كل حال يبدو من البيانات الأخيرة التي أصدرتها قيادة المنبر مؤخراً أي منذ إحتدام الحملة الأمنية/الإعلامية الأخيرة أن المنبر وفي صدارته الأخ أبوعلي يتعرضان لضغوط إضافية للإصطفاف أكثر في الطابور المنتظم خلف السلطة. فكما يقول المثل من جعل نفسه سبوس لعبت فيه الدجاج. ا
فلعل في مطالبة السلطة بالمزيد من تأكيد الولاء بعض ما يفسر إضطرارالأخ أبوعلي إلى التحول علناً إلى بائعٍ يعرض بضاعته على من يملك أن يشتري. ومثل كل بائع ذرْب يلفت إنتباه السلطة الشارية إلى عيوب "المعارضة الراهنة" ناصحاً بنبذها وإلإلتفات إلى ميزات "المعارضة غير الراهنة" التي يمثلها. وكما يفعل البائعُ الذرْب أيضاً نرى الأخ حسن لا يدلل مباشرة على نفسه بل يستند إلى كلمات مستعارة من إعلانات الصابون: غسيلنا أفضل وأنصع بياضاً. فرأيناه يستنجد بشهادة آخر يقول "أن المعارضة الوطنية الديمقراطية والتقدمية، في عز مراحل القمع الشديد، الذي دفع مناضلوها ضريبته الباهظة في ذلك الزمن الذي من مسؤوليتنا جميعاً العمل على ألا يعود بأي صورة من الصور، لم تنزلق نحو العنف أو التخريب أو تعطيل مصالح الناس أو الإضرار بالممتلكات، سواء كانت عامة أو عائدة لأفراد".ا

العجيب أن أحداً في المنبر التقدمي, وفيه مناضلون أعرف أن المكرمات لم تكسر أعينهم, لم يرد على الأخ الأمين العام ولم يسأله: هل هذا إستخفاف بعقول الناس وبذاكرتهم؟ أم هو كلام كَلَمَنجية لتزويق بضاعة معروضة للبيع؟

أقولُ أن ما يشرف الحركة الحركة الوطنية إنها لم تقف طوال تاريخها مكتوفة الأيدي أمام عنف السلطة. نعم لم تكن موازين القوى متساوية ولكن تاريخنا حافلٌ بمحاولات الرد. وسأكتفي هنا بشذرات من إنتفاضة 1965. ألم يقرأ الأخ أبوعلي عن الحرائق وقتها وعن مواجهات في الشوارع وعن منع التجول في المحرق والمنامة وعن شهداء واجه بعضهم بصدورٍ عارية قوة السلطة الغاشمة. فهل كان المناضلون الوطنيون في 1965 مخربين وإرهابيين و مغرر بهم؟ ألم يسمع بأسلحة ضبطتها الأجهزة الأمنية في حوزة هذا التنظيم أوذاك؟
من جهة أخرى فلا شك أن الأخ أبو علي قرأ عن محاولات إستخدام السلاح في أثناء تلك الإنتفاضة للرد بالمثل على عنف السلطة وجهاز مخابراتها. ومن تلك المحاولات إلقاء المرحوم أحمد السماهيجي قنبلة يدوية على موكب رئيس الشرطة والأمن العام الشيخ محمد بن سلمان الخليفة في أحد تفرعات شارع الشيخ عبدالله في المنامة؟ ألا يعرف الأمين العام من أي تنظيم حصل السماهيجي على تلك القنبلة؟ ألم يسمع ببيانٍ أصدرته جبهة التحرير الوطني عنوانه "لا يفل الحديد إلا الحديد" وذلك تمهيدا للعمليتين الفدائيتيْن اللتين نفذهما المرحوم مجيد مرهون ورفاقه ضد قائديْ جهاز المخابرات؟ فهل كان المرحومان أحمد ومجيد وغيرهما من رفاقنا وأحبتنا أرهابيين ومخربين ومغرر بهم. أم هم كما نعرفهم ونفتخر بهم مناضلون أشداء في سبيل وطن حر وشعب سعيد؟
لم يكن تاريخ الحركة الوطنية بلا أخطاء. ففيه إنجازات وفيه إخفاقات. و لستُ هنا في معرض تلخيص ذلك التاريخ الذي أعتبره بمجمله تاريخاً مشرفاً. ولكن ما كتبه الدكتور حسن مدن جعل من الضروري أن أكتب هذه الملاحظات السريعة قبل أن تزوغ أنظار الطامحين في الكرسي النيابي أكثر مما هي زائغة. وقبل أن يكرروا قولهم أن أكثر من خمسة عقود من نضال الحركة الوطنية "كانت بسبب سوء تفاهم مع السلطة" وليس بسبب إستبدادها وفسادها وبطشها. وقبل أن يقال لنا توقفوا جميعاً عن معارضة أولي الأمر وركزوا جهودكم على مناشدة "ذوي الألباب وأصحاب البصيرة" في السلطة لشراء صابون الغسيل الأنصع بياضأ.

عبدالهادي خلف
Advertisements