عشرسنوات مماذا؟

 

محاضرة عن

تطورات الوضع السياسي في البحرين

12 مايو 2010

في منتدى وعد السياسي

 

السلام عليكم

أشكر الأخت نوال زباري على كرم الكلمات التي قدَمتني بها وأشكر الأخ إبراهيم شريف الذي قبل أن أستجيب بعد ستة أشهر لدعوته الكريمة للقاء بكم في منتدى وعد السياسي. والشكر موصولٌ لكم جميعاً على تشريفي  بحضوركم وسماعكم محاولتي للإجابة على السؤال "عشر سنوات مماذا؟". وسأحاول ألا أطيل  حديثي أكثر من نصف ساعة راجياً أن يتيح الوقت المتبقي أن نتبادل الآراء حول ما قلتُ أو ما تحاشيتُ قوله. 

يشرفني أن أبدأ بأن أتذكر معكم غائباً حاضراً هو الأخ عبدالرحمن النعيمي متمنياً له الشفاء. فمكانه خالٍ بيننا.  ويشرفني  أيضاً ونحن في هذه القاعة التي تزينها صور بعض شهداء الحركة الوطنية بمختلف فصائلها أن أرجو منكم الوقوف معي دقيقة صمت للتعبير عن إعتزازنا بتضحياتهم وتضحيات المناضلين على إختلاف إنتماءاتهم.

 تتعدد الإجابات على السؤال عنوان هذه الندوة ولكنها يمكن تلخيصها تحت عنوانيْن.

أولهما ذلك الذي يرى أن الإصلاح قد تحقق في جله. ويشير أصحاب هذا الرأي سواءً أكانوا من سدنة النظام أم من خدمه على أنواعهم ودرجاتهم إلى عدد من الإجراءات التي تم إتخاذها طيلة عشر السنوات الماضية. فلقد ألغيَ قانون أمن الدولة و أحيل الجزار إيان هندرسون إلى التقاعد و خرج المعتقلون والسجناء السياسيون و عاد المنفيون. وهاهي الصحف اليومية قد تضاعفت.  وتصاعفت عدة مرات أعداد الوجهاء والرموز في البلاد. بل وتضاعف المجلس الوطني الذي كنتم تطالبون به فصار إثنيْن. يقول أصحاب هذا الرأي بأن ما تحقق كثير وما على الناس إلا الصبر لبضع سنوات أو بضع عقود فتحقق بقية الأماني والوعود بدولة دستورية تستمد شرعيتها من رضا الناس عنها وعن مؤسساتها ممارساتها.

أما العنوان الأخر فيمكنني إختصاره في القول بأن التغيرات التي شهدناها في عشر السنوات الماضية هي تغيرات شكلية لم تمس جوهر العلاقة بين الناس وبين السلطة.  نعم كانت الحركة السياسة طوال السنوات حركة دؤوبة مليئة بالضجيج والحماس ولكنها كانت حركة في المواقع ذاتها على طريقة "مكانك سر". وحين نشهد قيام ما قد نتخيله  خطوة إلى الأمام فسرعان ما يعقبها خطوتان إلى الوراء.  ويقول أصحاب هذه الآراء التي تندرج تحت هذا العنوان وأنا منهم أن عشر السنوات الماضية لم تنزع عن النظام تلك الصفات التي فصلها الشيخ عبدالرحمن الكواكبي قبل أكثر من قرن حين كان يصف دولة الإستبداد.

دعوني الآن أحاول تفصيل إجابتي.

 لقد كررتُ في أكثر من موقع أن المعارضة البحرينية, بجميع فصائلها, خرجت في العام 2001  منتصرة بفضل الحركة الدستورية وإنتفاضة التسعينيات. نعم يقول  المطبلون والمطبلات شيئاً آخر إلا أن الحقيقة تبقى أن  أحداً ما كان ليفكر في الخروج من عنق الزجاجة لولا شجاعة كل من ساهم في الحركة الدستورية في التسعينيات بما فيها تضحيات كل من شارك بشكل من الأشكال في إنتفاضة التسعينيات وفي مقدمهم شهداءٌ وشهيدات سقطوا برصاص أجهزة القمع أو تحت التعذيب.

أقولُ لم يحلم أحدٌ في ليلٍ ليصبح في الصباح مصلحاً وداعياً لبناء دولة دستورية. بل كانت تضحيات الناس وصمود المعارضة هي التي رسخت القناعة لدى الجميع في الداخل والخارج بأن لا شرعية للنظام ولا مخرج  من الأزمة التي وضع البلاد فيها إلا بالقبول بالمطالب التي توافقت عليها المعارضة الوطنية منذ أن تشكلت بداياتهاعلى أيدي هيئة الإتحاد الوطني في الخمسينيات. 

لهذ نحتاج إلى إعادة تنصيب خطابنا السياسي وتصحيح عباراته بتأكيد حقيقة أن  آلاف المدائح التي قرأناها وسمعناها لا تلغي حقيقة أن ماحدث في العاميْن 2000 و2001 كان إنتصاراً للنهج الذي بدأه رواد الحركة الوطنية في الخمسينيات. وكان إنتصاراً للنهج الذي سار عليه بعد ذلك المناضلون على إختلاف فصائلهم. أي النهج الذي يقول لا ينصلح الفساد من ذاته ولا يزول الإستبداد من ذاته بل لا بد من مقاومة متعددة الأشكال توصل الفاسد والمستبد إلى طريق مسدود.

أقولُ كان إعلان السلطة عن رغبتها في الخروج من عنق الزجاجة إنتصاراً لعبدالرحمن الباكر كما هو لفيصل القصاب ولبونفور و للعويناتي وللإسكافي وعشرات غيرهم. وهو إنتصار تمثل في التوافق على ميثاق العمل الوطني بما تضمنه من مبادئ تؤسس فيما لو تم الإلتزام بها لإنجاز بناء الدولة الدستورية حقاً. أي الدولة التي توفر لمواطنيها حقوقهم بما فيها حقهم في المساواة وتحفظ كرامتهم. دولة لا يكون السكنُ فيها بمكرمة والعمل بمكرمة بل وحتى المشي بالقرب من ساحل بحر بمكرمة.      

وبنفس درجة الإقتناع  كررتُُ أن لا أحد يماري في أن ذلك الإنتصار الذي حققته المعارضة  تحول تدريجياً إلى إنكسار. وآخر مظاهر هذا الإنكسار هو عجز حركة المعارضة عن الإحتجاج على ما كشفه تفرير اللجنة البرلمانية عن أملاك الدولة. ولا ألوم الناس حين يعلن النواب أن على خيلهم هو اللجوء إلى جلالة الملك. أقولُ  نرى تحول إنتصار المعارضة إلى إنكسار في كل يوم تتمادي فيه السلطة إستخفاف بعقول الناس. وآخر الأمثلة على هذا الإستخفاف بعقول الناس هو رد اللجنة الوزارية على تقرير اللجنة البرلمانية عن أملاك الدولة .

 لن أتوقف في هذه الندوة عند مختلف محاولات  تفسير تحول  الإنتصار إلى  إنكسار ولا إلى من ساهم فيه وكيف ومقابل ماذا.  إلا أن شاهدنا أنه عوضاً عن إستثمار إنتصارها قبلت المعارضة بتغييرات شكلية لا تؤدي إلى الإصلاح المنشود.  ولقد شاهدنا أيضاً كيف تحول ميثاق العمل الوطني  إلى أداة  لتوليد الأدوات السياسية لتكبيل المعارضة بكل تلاوينها بدل أن يكون خريطة طريق للإصلاح.

أكرر أمامكم الآن إنني  ورغم كثرة إنتقاداتي لتنظيمات المعارضة  فلا أرى أن أحداً يمكن أن يقوم عنها بدورها في مراجعة سياساتها وتقييم ما فعلته طيلة  السنوات العشر السابقة بهدف تحديد  مكامن ضعفها وإقتراح أساليب معالجتها.  ولهذا أستمحيكم الليلة أن لا أتعرض للمعارضة وأن أركز على جانب السلطة.

أيها الأخوات والأخوة

قيل في بداية العهد الجديد قبل عشر سنوات أن النية تتجه نحو تأسيس مملكة ديمقراطية ودستورية حديثة تضاهي غيرها من الممالك الدستورية المتقدمة في العالم. وقيل لنا أننا سنشهد أحلى الأيام حين نوافق على التحول من مجرد أمارة إلى مملكة.

ومعلومٌ لمن يبحث أن ثمة حدودٌ دنيا وشروط لا بد من توافرها في أي تكوين سياسي كي يصبح دولة دستورية وديمقراطية حديثة.  وفي حين  يتفق الباحثون في هذا المجال على أن الدولة الحديثة هي  شكلٌ من أشكال تنظيم العلاقة بين السلطة والأفراد في إقليم معين فانهم يميزون الدولة الدستورية عن غيرها من أشكال الدول في أن الشعب فيما هو مصدر السلطات في الدولة الدستورية. وعليه فإن العلاقة بين السلطة والناس هي علاقة تعاقدية لا تقبل أن تتمركز السلطة في يد فرد أو مجموعة أفراد.

 ويستتبع هذا القول بأنه لابد من أن تتوافر في الدولة الدستورية وثيقة تعاقدية متفق عليها وعلى شرعيتها تتصمن النص على:

·       ضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين

·       ضمان حق الأفراد والتنظيمات السياسية في السعي لتغيير أي جانب من جوانب النظام السياسي، بما في ذلك الدستور، عبر القنوات المتفق عليها وحسب الإجراءات المنصوص عليها.

·       نظام انتخابات دورية تضمن الاختيار الحر بين مرشحين متنافسين.

·        ضمان حق التنافس العلني بين الأحزاب والتكتلات السياسية.

·        اتخاذ القرارات عن طريق التوافق أو بأغلبية الأصوات، وفي الحالة الأخيرة، حماية حقوق الأقلية السياسية.

·        قضاء مستقل إستقلالاً فعلياً.

أيها الأخوة  أيتها الأخوات

إستبشر الكثيرون بطبيعة الحال حين قيل أن النية هي إنشاء مملكة دستورية حديثة. فرغم هذه الشروط الدنيا لم  تكن متوفرة في البحرين إلا أن الناس صدقوا ما قيل. وحتى الشكاكون من أمثالي  لم يجدوا سبباً لتثبيط همة الناس. فإكتفى قائلنا بقول  ستبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلاً.  فلا أحد يقول أن دولة دستورية يمكن أن تقوم بين ليلة وضحاها وبدون مشاركة الناس. وعلى أية حال لا يمكن تأسيس تلك الدولة الدستورية عن طريق التمني أو على طريقة كن فيكون، أو عن طريق الأغاني والأناشيد

لم يعتمد الشكُ  على العناد والمقاوحة بل على متابعة لعدد من المعيقات التاريخية والبنيوية والذاتية التي عاقت ومازالت تعيق تحول التكوين السياسي في البحرين إلى دولة حديثة ناهيك  التحول إلى دولة دستورية وديمقراطية.  

في ندوة أقامها نادي الخريجين في 15 مايو 2001  طرحتُ في مداخلةً منشورة تليخصاً لعدد من المعيقات الأساسية التي تواجهنافي البحرين. والمداخلة متوفرة لمن أراد في أشرطة فيديو بالإضافة إلى المواقع الإلكترونية.

ولهذ لن أتعرض لها جميعاً بل سأسرد بعضها:

أول المعيقات التي تواجه بناء الدولة الدستورية هو انعدام الثقة بين الناس والسلطة.  نعم  هناك منهم من يخافها و هناك من يطمع في مكارمها. 

أما العقبة الثانية فتجد أصولها في إستراتيجية التشطير العمودية التي إتبعتها السلطة بنجاح كبير طوال القرن الماضي.  فلقد تمكنت السلطة من  منع قيام تعاون سـياسـي و اجتماعي طويل المدى بين التعاضديات الاجتماعية.  فمن خلال التشطير و من خلال تنافـس التعاضديات الاجتماعية و من خلال حرمانها من فرص التعاون فيما بينها , استطاعت السلطة أن تؤسس لنفسها شرعية من نوع خاص . وهي شرعية قائمة على كونها الطرف الوحـيد القادر على التوســط ما بين التعاضديات المتنافسـة و ضمان ألا تتعدى مصـالح تعاضدية ما بذاتها على مصالح تعاضـديات أخرى.

 ومما يزيد من تعقيد دور هذه العقبة إرتباطها بإحتكار السلطة للإعلام وهيمنتها شبه التامة على الخطاب السياسي والثقافي علاوة بطبيعة الحال على إستمرار هشاشة المجتمع المدني. وحين تتداخلت هذه العوامل معاً تمكنت السلطة من إجهاض الجهود االدؤوبة التي حاولت جميع الفصائل الوطنية لتنظيم الناس سياسياً بل وأيضاً بهدف تشجيع تواصلهم اجتماعيا. لقد عرقلت السلطة تلك الجهود لمعرفتها ان التواصل والعمل المشترك يمّكن الناس من إكتساب الخبرات المشتركة وتزداد متانة الثقة المتبادلة بينهم.

أما العقبة الأخرى  فهي تشمل كل ما يتولد عن أشكال التمييز الجمعي.  فمما لا شك فيه أن أية محاولة لتحديث الكيان السياسي تتطلب توفير  الآليات القانونية والإجرائية اللازمة لإنهاء أشكال التمييز الجمعي القائم على انتماءات الأفراد الاثنية أو الدينية أو الجنسية.

وهنا أتوقف أمام تمييز جمعي من نوع آخر، ألا وهو التمييز الإيجابي تجاه مجموعة معينة من سكان هذا البلد.  ولقد قلت في مايو 2001 وأقولُ الآن أن  هذا التمييز الجمعي يتمثل  في الامتيازات التي يتمتع بها أفراد العائلة الخليفية. وهي امتيازات غير متاحة حتى لأكثر فئات المجتمع حظوة. فالبوْنُ شاسعٌ ليس بين فقراء السنة وفقراء الشيعة ولا بين أغنياء السنة وأغنياء الشيعة بل هو بين فقراء الناس وبين أصحاب الإمتيازات الجمعية.

قامت الدنيا وقتها أي في مايو 2001  لأنني ذكرتُ إمتيازات العائلة الخليفية وهي إمتيازات قامت على موروث الفتح كما هو معروف. إلا إنها لا تتوافق مع روح العصر ولا مع أي طموح لبناء ولة عصرية.  أقول رغم أن الدنيا قامت وقتها إلا إنني ما زلت مقتنعاً بأن قيام الدولة , ناهيك عن إعطاءها صفة الدولة الدستورية الحديثة يتطلب  عدداً من الإجراءات القانونية والسياسية كما يتطلب جهوداً دؤوبة على صعيدي التربية والأعلام بحيث يندمج الجميع في الوطن. فكيف يكون في دولة حديثة مواطنون سوبر ومواطنون بالبركة؟

 
أيها الأخوة و أيتها الأخوات

تلك هي بعض العقبات التي تقف في وجه بناء الدولة وتحولها إلى دولة دستورية وديمقراطية حديثة.  ومعلومٌ أنها تواجهنا حتى الآن. فرغم عشر سنوات من الحركة وإعلانات النوايا ورغم الصخب الذي رافقها لا نزال نراوح مكاننا في بعض المجالات بل تراجعنا إلى الوراء في مجالات أخرى.

حين درس أستاذ علم الإجتماع عبدالسلام  المغراوي حالة بلاده ,المغرب, لاحظ أن مبادرات الملك المغربي رغم إعلاناتها الإصلاحية  كانت تعيد إنتاج صورة الحاكم المستبد العادل. و لاتزال الآلية الاقطاعية في ممارسة السلطة السياسية مستمرة في المغرب. وهو رأي يستحق التدبر فيه حين نحاول الإجابة على السؤال "عشر سنوات مماذا؟". نعم هناك العديد من البحرينيين ممن إصطلحت أحوالهم في السنوات العشر الأخيرة. لكن ذلك لا يعني أن البلاد قد إصطلحت أحوالها.

 أيها الأخوة و أيتها الأخوات

أستمحيكم الآن وقبل أن أختم مداخلتي أن أعرج بكم على  محاولتي لتفسير أسباب  ما أزعمه من أننا رغم عشر سنوات من الحركة وإعلانات النوايا ورغم الصخب الذي رافقها لا نزال نراوح مكاننا في بعض المجالات بل لقد تراجعنا إلى الوراء في مجالات أخرى.

أحد الأسباب هو ما أسميه بمركزية دور جلالة الملك. فلقد تضافرت ظروف عدة لتضع على عاتق جلالته أن  يصبح اللاعـب الوحيد في الساحة . فهو الذي يحدد معنى العملية التغييرية و أفقها ومداها و مجالاتها و رجالاتها و نسائها. وهو الذي يمولها. و هو الذي يحدد توقيتها وإطارها وما يحتمله هذا الإطار و مالا يحتمله.

سببٌ أخر يكمن في الدور الذي تلعبه المكرمات الحاصلة أو المرتجاة في تغيير قناعات بعض أفراد النخب وصانعي الرأي في البلاد. ولكنهم للأسف اشديد إنما  إجتمعوا على مائدة شبعه قصير وجوعها طويل.  ومن بين هؤلاء كما هو معلوم مناضلون سابقون لا يمكن الإستخفاف بتاريخهم ولا بتضحياتهم. ولهذا رأينا ونرى كيف حل إنتظار المكرمات بجانب حاجز الخوف ليسهما معاً  في إمتناع كثيرين عن المشاركة في تصويب مسار الحركة السياسية خلال السنوات العشر الماضية.

 ويرتبط بما سبق التضعيف التدريجي لدور فصائل المعارضة السياسية وإضطرارها المستمر يوماً بعد يوم لخفض سقفها السياسي. ويسبب هذا صعوبات إضافية تواجه محاولات إستنهاض المعارضة لتوحيد جهودها وللمساهمة في  إستعادة قدراتها على المبادرة بدلاً من الإكتفاء بردات الفعل أو إسترحام أهل السلطة. كما رأينا في أحد الردود النيابية على التقرير الوزاري حول أملاك الدولة. 

السبب الثالث فيكمن في  عملية متداخلة تشمل إصطناع الوجهاء وإستمرار تدويرهم. ومعلومٌ أن النظام ظل يفضـل التعاطي مع الناس من خلال و سـطاء مختارين  هم لوجهاء ذوي الحظو ة على مختلف مستوياتهم . ولقد إحتفظ النظام دائماً بحقه في تســمية هؤلاء. و بهذا الحق احتفظ لنفســه بتحديد مدى و حجم و ســرعة تدوير النخب السياسية بما في ذلك الوجهاء التقليـدييـن و التكـنوقراط المتمدينيـن , وما زال الريع النفطي يوفر  للنظام قدرات هائلة على اســتخدام المكرمة كأداة لاعادة رسـم الخريطة الســياســية و إعادة تشـكيلها بما يلائم توجهاته الظرفية أو الإستراتيجية, و ما يخدم الأطراف المتنافســة داخل العائلة الخليفيـة نفسها.

أيها الأخوات والأخوة

عليَّ الآن أن أختم هذه المداخلة.   لهذا  أقول أن أمام فصائل المعارضة فرصة المساهمة في تحسين ظروف نضال الناس وذلك بالسعي للإمساك بزمام المبادرة بدل أن تدور في إطار الخطاب السياسي الذي فرضته السلطة وضمن الحيز المحدود المتاح لها.

وفي هذا السياق تحتاج فصائل المعارضة  إلى  الاتفاق على  كيفية التعاطي مع معيقات بناء الدولة في البحرين ومعيقات تحولها إلى دولة دستورية وديمقراطية حديثة التي ننشـدها.  دولةٌ تؤسس لمواطـنة متساوية تضمن تكافـؤ فرص الحياة بين المواطنين.

 

أعرف أن ثمة حواجز دون ذلك. بعضها ليس أقل تأثيراً من سيف المعز وذهبه.  ولكنني متفائل رغم ما أعرف وما تعرفون. فعلى الأقل لدينا الآن إطار مشترك يجمع فصائل المعارضة ألا وهو إنها تتمسك بميثاق العمل الوطني كخريطة طريق لبناء الدولة الدستورية رغم الإرتداد الرسمي عنه وتخليه عن الإلتزام بذلك الميثاق.

 

أعرفُ أن النضال ليس مجرد شعارات براقة فالطريق مازال وعراً ويحيط به الشوك. لهذا فلا  أستسهل الأمر حين أقول ان المطلوب بإختصار هو إعادة البلاد إلى ســكة ميثاق العمل الوطني و إزالة المعيقات التي تقف أمام جهود بناء دولـة دسـتورية.

دون ذلك سـتسـتمر الأزمةُ و لن يتحقق الإستقرار الذي نتطلعُ جميعاً إلى تحقيقه بإعتباره  أحد مسـتلزمات تنمية البلاد إقتصادياً و إجتماعياً و سـياسياً و ثقافياً.  و بدون الحد الأدنى من من الصدقية و الثقة المتبادلة لن نتمكن من تحويل بلادنا البحرين من غنيمة غزو و فتح  إلى وطن مشــترك , و بدون الحد الأدنى من  الصدقية و الثقة المتبادلة لن نتمكن  تحويل سكان البحرين  من رعايا يتلقوْن المكرمات  إلى مواطنين يتمتعون بجميع ما يتمتع به مواطنو الدول الدستورية في عصرنا من حقوق.   و بدون الحد الأدنى من  الصدقية و الثقة المتبادلة ســتستمر أجواء الحذر و الريية تغلّف بلادنا.  وستســتمر الأجندات المختلفة  تتجاذبها يمنةً و يســرة , صعوداً و هبوطاً.  و ســتستمر البلاد تعاني من تنافس هذه الأجندات  بل و تصارعها.  و هذا كله يعني إستمرار  مسلسل التفتيت والتشظي الذي لا يُصلح حاضراً ولا يُهئ لمستقبل نرجوه.  

شكراً والسلام عليكم

 

Advertisements