المعارضة على الطريقة التايلندية

.
 

 

لا يمكن إنكار أن المعارضة البحرينية, بجميع فصائلها, خرجت في العام 2001  منتصرة بفضل الحركة الدستورية وإنتفاضة التسعينيات. فعلى الرغم من تركيز المدائح  الإعلامية  في إتجاهات أخرى فلا يمكن إنكار إن ميثاق العمل الوطني كان إنتصاراً للنهج الذي بدأه رواد الحركة الوطنية في الخمسينيات.   

كذلك لا يمكن إنكار أن ذلك الإنتصار تحول تدريجياً إلى إنكسار. ومن مظاهر هذا الإنكسار ما نراه الآن من تمادي السلطة و من حولها في الإستخفاف بالمعارضة بكل ألوانها. فمن جهة هي لا تحترم المعارضة البرلمانية ومن الجهة الأخرى هي تلاحق المعارضة غير البرلمانية.  وحتي الذين صدقوا أن السلطة ستتحالف معهم نراهم اليوم  يواجهون الواقع بعد أن تخلت السلطة عنهم وأوقفت تدفق  مكارمها تجاههم. 

تختلف التحليلات التي تحاول تفسير تحول  الإنتصار في عام 2001 إلى  بداية الإنكسار في عام 2002.  فعوضاً عن المحافظة على زخم إنتصارها وإستثماره لتسريع تحول البلاد نحو بناء الدولة الدستورية  قبلت المعارضة بتغييرات شكلية لا تؤدي إلى الإصلاح المنشود ولا تضمن إخراج البلاد من أزمتها المستفحلة. وبدلاً من أن يكون الميثاق خريطة طريق للإصلاح صار أساساً لتوليد الأدوات السياسية لتكبيل المعارضة بكل تلاوينها.

تختلف أيضاً  التحليلات التي تحاول فهم الضعف الذي تعاني منه الآن المعارضة البحرينية وعدم قدرتها على الإرتفاع إلى مستوى التحديات التي تواجهها. فرغم كل نواياها الطيبة نراها عاجزة عن التوصل إلى  تصورات مشتركة حول كيفية مواجهة الوضع وتداعياته. وبسبب هذا العجز تتعرض المعارضة إلى الكثير من النقد بل والإتهام بالتقصير. ومعلومٌ إنني أدليت بدلوي في هذا المجال.  

إلا إنني ورغم كثرة إنتقاداتي لتنظيمات المعارضة ورغم حدة بعضها, فلا يساورني الشك في أمريْن. اولهما  أن المعارضة البحرينية غنية بالعقول المفكرة. ولا تنقصها القيادات القادرة, لو أرادت, أن تقوم بدورها.   وثانيهما أنه لا يمكن لأحد أن يكون بديلاً عن قيادات المعارضة ومفكريها.  فهؤلاء هم الأقدر على تقييم السنوات السابقة وتحديد  مكامن ضعف افصائلهم  وإقتراح أساليب معالجتها.

إلا إن هذا الإقتناع لا يعني أن تنغلق على ذواتها وألا تستعين بالخبرات المستقاة من تجارب الشعوب الأخرى التي عانت أو تعاني من مثل ما نعاني.  فمهما كانت ثقة قيادات المعارضة بقدراتها الذهنية فإن بإمكانها أن تتعلم.  فواقع الحال أن ثقة قيادات المعارضة في تحليلاتها وقراءاتها رغم إرتباك تلك التحليلات والقراءات ساهمت في إيصالها إلى ما وصلت إليه من ضعف.  فقد تجد قيادات المعارضة نفسها في حاجة إلى أن تعترف بأن ضعفها ساهم في حشرها في  نفقٍ  طويلٍ  ومسدودٍ لا مخرج منه إلا بإحداث فجوة  فعلية فيه.  

صرتُ أردد مثل هذا الكلام في كل مرة أتشرف فيها بلقاء أحدٍ من قادة المعارضة ورموزها.  فالبلاد تسير في نفقٍ لا مخرج منه إلا بممارسة قيادة المعارضة مسئولياتها بما فيها إستعادة زمام المبادرة في سبيل إحداث  تغيير فعلي في ميزان القوى الإجتماعي/السياسي.  أقولُ هذا مؤكداً أن لا أحد يملك الحلول السحرية. ولكن على القيادات أن تمارس مسئولياتها في القيادة. وم بين أولى المسئوليات البحث عن مخارج من النفق الذي تسير البلاد فيه.  وفي هذا السبيل تحتاج قيادات المعارضة أن تستمع لإنتقادات الآخرين و أفكارهم حتى ولو كان هؤلاء من المحسوبين على السلطة والمعادين للحركة الوطنية.   

قبل أسبوعين أرسل لي احدُ الأصحاب مقالة نشرها الأستاذ عبدالمنعم إبراهيم  ( أخبار الخليج 11 أبريل 2010)  ضمن مجموعة مقالات يسخر فيها من المعارضة  البحرينية  حين يقارنها بميثلتها التايلندية .  فنحن حسب قوله " لا نملك معارضة حقيقية بل مجموعة صبيان ملثمين يعيثون في الأرض فساداً. كل ليلة يحرقون الإطارات ويفجرون السلندرات ويحرقون القمامة ويسدون الطرق في شارع البديع, ويمنعون المواطنين والمقيمين من الخروج من منازلهم". وفي الوقت الذي  يتعمد "المخربون" لدينا الإضرار بالإقتصاد,كما يقول الكاتبُ, فإن المعارضة التايلندية تحافظ عليه.

بطبيعة الحال لم أصدق ما قرأتُ. فلم أسمع قبل ذلك اليوم أن وزارة الداخلية  أصبحت عاجزة عن تأمين حق المواطنين والمقيمين من الخروج من منازلهم.  فهل حقاً بلغت السلطات الأمنية من الضعف بحيث تمنع المعارضة البحرينية, كما يقول عبدالمنعم إبراهيم, "المواطنين والمقيمين من الخروج من منازلهم"؟

على أية حال لابد من وضع الأمر في نصابه. فليس صحيحاً ما جاء في المقال عن عجز الأجهزة الأمنية في البحرين.  فهذه ما زالت قادرة على البطش بكل من يتحدى هيبتها. وليس صحيحاً أيضاً ما كتبه عن المعارضة التايلندية بعد أن سال الدم في شوارع بانكوك.  ومع ذلك أرى أنه خدم المعارضة حين إقترح  دون أن يدري أن تنظم المعارضةُ  إعتصاماً يمتد لأسابيع في وسط الحي التجاري على الطريقة التايلندية. فعندها ستصبح معارضة حقيقية وليست كما يسميها "مجموعة صبيان ملثمين".

بعيداً عن لغة المقال التهجمية والتعميمية ففيه ما يستحق الإهتمام.  نعم لم يرْمِ الكاتبُ  إِذْ  رَمَى ولكن إقتراحه يستحق أن يدرسه المعنيون في قيادات المعارضة. فلا شك في أن فكرة الإعتصام الجماهيري جيدة  سواء أكان إعتصاماً على الطريقة التايلندية رغم ما شابها من العنف أو بالأسلوب اللبناني  وهو الأفضل لإستمراره  أكثر من خمسمائة يوم دون اللجوء إلى العنف.

أنهي هذه الملاحظات بالإشارة إلى إعلانٍ يحمل توقيع عدد من الرموز الوطنية والدينية لتنظيم إعتصام جماهيري سلمي في 14 مايو القادم  أمام مجمع جيان  لمناهضة تغييرالهوية والتركيبة السكانية".  ولا شك عندي في أن المعتصمين معنيون بتأكيد إنهم معارضة حقيقية وليسوا كما يصفهم الإعلام الحكومي  ب"مجموعة صبيان ملثمين يعيثون في الأرض فساداً".  فلعل بقية قيادات المعارضة يرون في مشاركتهم في الإعتصام القادم مساحة لبدء مراجعة سياسية لأخطاء السنوات الماضية وللشروع في البحث عن مخارج من النفق الذي نجدنا فيه.

أقول لعل في الإعتصام  القادم أمام جيان "إختباراً آخر" للفكرة التي طرحها الأستاذ عبدالمنعم إبراهيم.  بقى أن نعرف كيف ستتصرف أجهزة الأمن؟  وهل ستبقى هادئة كما فعلت أجهزة الأمن التايلندية في الأسابيع الأولى حين تركت المعتصمين ينفذون إعتصامهم في وسط الحي التجاري في بانكوك طالما إنهم لم يعرقلوا المرور؟  أم إنها ستقمع الإعتصام بمختلف الوسائل ومهما كلف الأمر؟

نعرف إجابات هذه الأسئلة  من خلال خبرات كثيرة آخرها ما حدث للشبان الثلاثة من قرية المعامير المنكوبة الذين إعتقلتهم الشرطة لمجرد إعتصامهم  أمام فندق الخليج في أثناء إنعقاد مؤتمر يضم المعنيين بشئون البيئة.  فهيبة السلطة , كما عوَّدتنا السلطة, تتطلب ردع كل من يمارس حقه في الإحتجاج على ممارساتها حتى ولو بالإعتصام السلمي.

عبدالهادي خلف

Advertisements

One thought on “المعارضة على الطريقة التايلندية

Comments are closed.