ضجة التداول بين أبناء العوائل 2

 

ضجة التداول بين أبناء العوائل

2-

 

 

ملاحظة: قبل قراءة هذا الجزء من المقال يُرجى قراءة الجزء الأول منه  والمنشور  بتاريخ 16مارس 2010.  مع الشكر. 

  عبدالهادي خلف

 ……..

 

أحتاج هنا للتأكيد على بعض أمور. أولها أنني لا أتبنى أيٍ من التكهنات التي عددتُ أعلاه ولا أرفض أيأ منها.  وذلك لأنني ببساطة لا أملك معلومات دقيقة تُثبت هذا أو تَدحض ذاك.  ولكنني عددتُها لما تمثله ولأنها  تكهنات تملأ تلاوينها المختلفة ما أقرأ في "التحليلات" المنشورة في الإعلام الرسمي و إعلام المواقع الإلكترونية وكذلك فيما يردني من آراء أصحاب وتعليقاتهم.  وعلى أية حال فإنني سأختم هذه الملاحظات  بتكهنٍ آخر قد لايفضل عن غيره في شئ إلا في إقتناعي به.  

 

وثانيها إني لا أظن أن  إدراج العلمانيين في بيان الوفاق من ضمن "محبي الخير والمخلصين لوطنهم"  تعني أن الشيخ عيسى قاسم قد غيَّر موقفه السلبي منهم. ولا أحسبه  في وارد تغيير موقفه من العلمانيين الذين سيبقون خطراً و رجساً في نظره.  ولكنني لا أظنه سيقول فيهم ما قاله فيهم  قبله المرحوم الشيخ سليمان المدني.  فلقد كان حكمهم لديه هو القتل. أما إذا  أعلن أحدهم التوبة فسيُعطى "فرصة لقضاء ما فاته من صلاة وصيام ثم يقتل أيضاً حداً".  على أية حال ورغم أوجه الشبه السياسي بين الشيخين المدني وقاسم  فلا أعرف أن الأخير قد قال بوجوب إستتباتة العلمانيين أو وجوب قتلهم بعد إستتابتهم. وهذا مما يُحسب له أو يُحسب لدورهم السياسي الرديف في مداره.  

 

لا خلاف في أن الشيخ قاسم  لا يرى خيراً في العلمانيين. نعم رأيناه يسكت عن تواجدهم على هامش الوفاق ولكنه لن يقبل بهم حتى كشركاء ثانويين.  فما بالك بترفيعهم إلى مستوى "محبي الخير والمخلصين لوطنهم".  فمثل هذا "الترفيع" هو بوابة التمكين. وما أدراك ما التمكين.  فهو الباب الذي  يخشى الشيخُ أن يدخل منه "وطني" , أو يساري والعياذ بالله,   لترويج أفكار محرمة بين الجمهور المؤمن.  ولعل أرجس  تلك الأفكار  وأكثرها حرمة هي تلك الداعية للمشروع الوطني البديل  للمشروع  التشطيري الذي يترعرع في ظل العلاقة القائمة الآن بين السلطة والمشايخ.  ولا داعي لذكر أمثلة عدة تسلسلت منذ  السكوت على توصيف نضال الحركة الدستورية في التسعينيات  بأنها "حبر على ورق".  ومنذ تمرير الإهانة التي تعرض لها قبل ثمان سنوات في مأتم  الشاخورة أخانا عبدالرحمن النعيمي, شافاه الله وعافاه.  ومعلومٌ أن الرجل ذهب مدعواً للمشاركة بكلمة في الإحتفال التأبيني للشهيد محمد جمعة.  ثم , وبدون سابق تمهيد, جاء الأمر بمنعه من إلقاء كلمته التأبينية خشية "التمكين". 

 

أما الثالثة فتتمثل بتأكيد إقتناعي بأن طرفيْ الضجة الراهنة, أي السلطة من جهة وجمعية الوفاق مرجعيتها من الجهة الأخرى, ليسا في حاجة حيوية إلى إفتعال ضجيج إعلامي يؤسس "لطاولة مفاوضات" جديدة.  فليس ثمة ما يدعوهما إلى ذلك. فرغم ما يبدو على السطح من نتوءات في الطريق بين الطرفيْن فإن الأمورتسير بينهما كما يتوقعان وحسبما تتيحه لهما توازنات القوى والمصالح بينهما.  أقول لا يحتاج الطرفان إلى طاولة مفاوضات جديدة.  فلقد حُسم الأمر حين توصل الطرفان إلى صفقة 2005 التي عرفنا تداعياتها بإعلان جمعية الوفاق ومن سار في مدارها عن إنهاء رفضها لدستور 2002 وعن  تخليها عن مقاطعتها لما تولد عنه من مؤسسات.  ثم جاءت المشاركة في إنتخابات 2006 وتمت إحالة المؤتمر الدستوري إلى التقاعد المبكر كما تم التراضي على تحويل دستور المنحة إلى دستورشرعي مع الإحتفاظ بحق إطلاق التصريحات الدورية حول الحاجة إلى تعديل بعض مواده.  

 

تابعنا طوال السنوات الخمس الماضية كيف لم تؤثر ضجة هنا وضجة هناك بل حتى التصعيد أمني بين الفينة والأخرى في العلاقة المتينة التي كرستها صفقة المقايضة.  فهي علاقة لم تأتِ من عَدَم ولم تتأسس في فراغ  بل هي تبني على موروث العلاقة التاريخية بين مشايخ القبيلة و المتتنفذين من  مشايخ الدين الشيعة.  ففي هذا الموروث الذي يمتد لأكثر من قرنيْن تحتشد سرديات "الفتح" و سرديات "الغزو" . تزهو الأولى بالغَلَََبة وتُشرعِن حق السيف. بينما تعلن الثانية المظلومية و تدعو الله لتعجيل فرجٍ أتٍ بلا ريْب.

 

طبع التباين بين سرديات "الفتح" و سرديات "الغزو" تاريخ البلاد طوال أكثر من قرنين. وفي سياق تعرجات ذلك التاريخ تعايشت تلك السرديات, بل وتكاملت, لترفع الأسس التي تستند عليه العلاقة بين القبيلة وحلفائها من جهة ومشايخ الطائفة ووجهائها من الجهة الأخرى.  بطبيعة الحال لم تكن تلك  أبداً علاقة متساوية ولكنها مستقرة ومتوازنة في الغالب.  علاقةٌ تقوم على حق الطرف الفاتح في تملك الأرض وحق الطرف المغزي في ضمان بعض تلك الأرض ومن عليها.  ولتوضيح هذا أحتاج للعودة قليلاً إلى جزء من موروث نظم الزراعة في بلادنا.  فلا يخفى أن ذلك الموروث يتضمن  تفصيلات تعاقدية تنظم العلاقة بين مالك الأرض ومتولي ضمانها. إلا إنها, أي تلك التفصيلات التعاقدية, لا ترفع العلاقة بين الطرفيْن  إلى مستوى الشراكة.  نعم قد تزيد مساحة الأرض المضّمنة أو تنقص.  و قد يتعدد متولو الضمان وقد تتوسع حقوقهم أو تُزاد الشروط عليهم. بل  وقد يستدعي المالكُ متولين خارجيين  لتولي بعض شئون أرضه. ولكن , وفي كل الأحوال, فمن المتفق عليه بين الجميع أن يبقى مالك الأرض مالكا مطلق التصرف في أرضه محتفظاً  بحقة في تضمين ما يشاء منها لمن يشاء وقتما يشاء. كما من المتفق عليه أن يبقى متولي الضمان مجرد متولي لها أو لجزءٍ معلوم منها مخصص له ومشروط بإستمرار رضا المالك.  ولقد تتأسست على هذا النظام التعاقدي تلك العلاقة المعقدة التي  تتكامل فيها مصالح مالك الأرض مع مصالح ضامنها مع كامل إقرارهما بأنهما يعرفان إنهما ليسا شركاء.

 

بقيت العلاقة بين المتتنفذين من  مشايخ الدين ومشايخ القبيلة والقائمة على تكامل سرديات "الفتح" مع سرديات "الغزو" مستقرة حتى في أوج قوة هيئة الإتحاد الوطني التي قادت الحركة الوطنية في الخمسينيات. ويمكنني الإدعاء بأن تلك العلاقة  وصلت إلى أعلى مستوياتها في حياة الشيخ سليمان المدني. ويخبرنا مريدو أبي طاهر أنه كان يفرِّق بين ثلاثة مواقف تجاه السلطة.  أول هذه المواقف هو  "المواجهة" أي تحدي السلطة في كل المجالات الممكنة في محاولة لإفشال خططها وزعزعة إستقرارها وتحدي أسس شرعيتها. أما الثاني فهو موقف  "المُجانَبة" الذي يتطلب تحاشي التعامل مع السلطة سلباً أو إيجاباً وعلى الخصوص عدم الدخول في مشاريعها ومجالسها ومؤسساتها. اما الموقف الثالث فهو "المعايشة" الذي يرى مريدوه يمكنهم من  خدمة جمهورهم عن طريق تقربهم من السلطة وعن طريق الإستفادة من إمكانيات العمل السياسي العلني وما تفتحه السلطة من قنوات للتواصل معها. 

 

 لم تنكسر تلك العلاقة طوال العقود الماضية إلا بعد أن تجرأ المرحوم الشيخ الجمري على الخروج عليها مع بداية الحركة الدستورية في التسعينيات. ولقد دفع الشيخُ ثمن ذلك غالياً وخذله بعض أقرب الناس إليه.  ثم جاءت مقايضة 2005 لتعيد العلاقة إلى ما كانت عليه أيام قبل إنخراط الشيخ الجمري ورجال الدين الأخرين من حوله في الحركة الدستورية ثم إنتفاضة التسعينيات.   وهنا لا تفوت المتابع والمتابعة ملاحظة التشابه بين الحال قبل الشيخ الجمري والحال بعده. وفي هذا التشابه يبرز بوضوح موروث "الغزو/الفتح". فلقد رأينا المرحوم الشيخ المدني يتبنى نهج المعايشة, الذي نعرفه هذه الأيام  بنهج المسايرة,  دون أن يخفي ذلك.  ونرى الآن إستمرار النهج نفسه ولكن بدون إعلان صريح بل وبضجيج يحاول  التعمية عنه. الفرقُ بين الزمنيْن هو عشرات الشهداء وآلاف الضحايا ناهيك عن الخسائر الأخرى.

 

لقد تعايشت سرديات "الغزو/الفتح" وتوافق أصحابها على الميزات التي تتوفر لكليْهما عن طريق إدامة تشطير المجتمع.  نعم يرفع الطرفان شعارات تتعلق ببناء  الوطن وتأسيس الدولة إلا أن ممارساتهما تناقض ذلك.  فممارساتهما السياسية مستمرة في إستنادها من جهة على موروث  "الغزو"بما فيه من مظلومية و إنكسار ومن الجهة الأخرى على موروث ت "الفتح" بما فيه من زهوٍ بالغلبة ومغانم السيف.  وحين يتكامل الموروثان ويسند احدهما الآخر فهما ينفيان الوطن ويعيقان بناء الدولة سواْء تجََابَهَ سدنةُ الموروثيْن أو تعايشوا.

 

 لهذا لم يتوقع احدٌ  أن تتطور الضجة التي شهدناها في أعقاب إشارة الشيخ علي سلمان إلى مسألة "تداول السلطة"  بحيث تهدد إستمرار صفقة المقايضة أو أن تلغي أياً من نتائجها. فتلك مجرد ضجةٌ أخرى ستمرّ كما مرّت أمثالها في الماضي وكما ستمرّ أمثالها في المستقبل.  فهذه الضجة مثل كل الذي قبلها وبعدها ترتبط بحاجة الطرفيْن إلى إقناع جمهوريْهما بضرورة الإلتزام بشروط تلك الصفقة  بالإضافة إلى محاولة تقليل خسائره منها علاوة على  تذكير الطرف الآخر بها.   فالطرفان يعرفان أنه حين يتوقف الإلتزام بتلك الشروط ستجد البلاد نفسها على مشارف أزمة أمنية وسياسية فعلية مثل تلك التي شهدتها البلاد في التسعينيات. هنا أستعين بما كتبه الأستاذ عباس المرشد في مقاله المشار إليه أعلاه لأكرر أن من صالح الطرفين, أي السلطة والمشايخ  ومن يدور في مداريْهما, "الاستثمار الإيجابي لمثل هذه الازمات…. لصالح خلق حوار سياسي يبعد شبح العنف والتوتر الأمني عن المجتمع".

 

ليست ضجة التداول أول الضجيج ولن تكون آخرها. وهي بالتأكيد ليست أطرفها كما هي ليست أخطرها. وسأكتفي بمثاليْن. أولهما الضجة التي ثارت عند محاولة إستجواب الوزير أحمد عطية الله وكانت ضجةٌ عرمرمية تنذر غير العارفين بالخطر. إلا أن صخبها كان مرتبطاً بمحاولة إستخدامها لإبراء الذمة أمم جمهور يتحرق إلى شئ من الإنصاف ولو بالكلمات.  فلم يكن نواب الوفاق في وارد مخالفة التكليف التي تفرضه عليهم صفقة المقايضة.  ولا كان وزير التأزيم كما سمته الوفاق وقتها يخشى من أن يكون التهديد له أكبر من تهديد الفرزدق لمرْبَع.  ومع ذلك كان يمكن أن تتحول ضجة محاولة إستجواب ذلك الوزير الإستراتيجي إلى خطر فعلي بسبب تصديق الناس لها وإعتقادهم أن الأمر أكثر من مجرد ضجة بين متعاهدين.

 

 أما المثال الثاني فهو الضجيج الذي  ثار بعد أن تولى الملك شخصياً توجيه تقريع علني ومباشر للنائب الشيخ حسن سلطان بسبب تشكيكه , أي النائب, "في  نزاهة القضاء البحريني".  ومصدر الطرافة أن التقريع الملكي والضجة الإعلامية التي تبعته ترافقتا مع الإعلان عن تكليف النائب نفسه "سراً"   بتوزيع مكرمة ملكية قيمتها  نصف مليون دينار لتمويل حفلة زفاف جماعية برعاية جمعية الوفاق.  (كلما تذكرت ضجة "التشكيك في نزاهة القضاْء" و والمكرمة الملكية "السرية" لتمويل حفلة الزفاف الجماعي في كرزكان  كلما ترحمتُ على أبي طاهر. فلقد كان صريحاً مع الناس.  وكان بكل تأكيد أكثر شجاعة وصدقاً  ممن يسيرون الآن على نفس منهجه, أي  منهج المعايشة, الذي كانوا ينتقدونه عليه). 

 

إذن علامَ ضجةالتداول؟ وعلامَ ضجة أمس؟ وعلامَ ضجة الغد؟  أو بالأحرى ماالذي يستفيده طرفا صفقة المقايضة  من الدخول في معمعان الضجة بعد الأخرى طالما أن أياً منهما لا يريد التصعيد ولا يريد أن تندفع الأمور إلى حافة الأزمة؟ وطالما أن كلاً منهما يعرف حدوده جيداً كما يعرف حدود الآخر. للأجابة على هذا السؤال وتوابعه لا بد من النظر إلى التركيبة الداخلية لكل من الطرفيْن. ففي داخل كل طرف منهما مكونات متعددة متعايشة ومتنافسة. وفي داخل كل طرف ميزان قوى تتنافس تلك المكونات على التأثير فيه لصالحها. فلكل من هذه المكونات مصالح و رؤى وتوقعات.

 

تتنافس مكونات السلطة/العائلة وأجنحتها  على التأثير في ميزان قواها الداخلي.   ولا ينحصر الأمر في الملك ومن معه و رئيس الوزراء ومن معه. فمن المعروف أن العائلة الخليفية مثل كل العائلات الحاكمة في الخليج ليست كلاً صلداً بل هي أجنحة  تتنازعها الأهواء و المصالح وتتسابق على أفضل الإمتيازات ومكاسب الريْع.  وليس التسابق على إستملاك سواحل البحرين وأراضي الدفان في بحرها إلا أحد الأشكال الظاهرة من أشكال التنازع ضمن العائلة.  ويعرف المتابعون أن التعيينات في الوظائف المعتبرة في الدولة ومؤسساتها تتم عن طريق المحاصصة بين هذه الأجنحة المختلفة.  هذا الوزير لك وذلك لي وذاك له.  أسارع للقول إنني لا أدعي أن تنافس مراكز القوى ضمن العائلة مفيدٌ للمعارضة أو أنه يخدم الجهود بإتجاه بناء الدولة.   فهذه الأجنحة ومراكز القوى لا تتنافس على إرضاء الناس ولا على رضاها, كما هو الحال في كثير من الدول الديمقراطية.   بل على العكس.  فما كشفته لجنة التحقيق البرلمانية حول أملاك الدولة يشير إلى أن تنافس الأجنحة ومراكز القوى في السلطة/العائلة يأتي على حساب ثروات البلاد ومصالح الناس وعلى فرص إنجاز بناء الدولة الدستورية.  

 

ولا يختلف الحال في الطرف الأخر الذي يتشكل من خليط من الشبكات أبرزها  شبكات رجال الدين ومن ضمنها  المجلس العلمائي  علاوة على  شبكات "الأفندية" ومن ضمنها  جمعية الوفاق. ففي هاتيْن الشبكتيْن وغيرهما تتنافس فئات وشرائح إجتماعية لتحقيق مصالح بعضها طبقي و فئوي وبعضها شخصي.  وتنعكس مظاهر هذا التنافس فيما يتسرب إلى العلن من إنشقاقات معلنة وغير معلنة ومن تعارض في المواقف أحياناً وفي إرتفاع حدة الصوت ضد هذاالوزير أو ذاك مسئول.  كما نراه أيضاً في صورة التدافع بين نواب الوفاق على مواقع الحظوة في هذا الفسطاط أو ذاك.  و في هذا بعض ما يفسر أن يتوجه نائبٌ  وفاقي  مصطحباً معه وفداً من وجهاء منطقته الإنتخابية إلى القصر الملكي لتقديم "درع" للملك. (وهذه بحد ذاتها سابقة بروتوكولية لم أقرأ حتى الآن أو أسمع بمثلها: نائبٌ يقدم درعاً لملك).  وبسبب التدافع على الحظوة رأينا رأينا نائباً يكرر إعلان أنه يرى  صورة أمير المؤمنين حين ينظر إلى سماحة وجه شيخه.  وقبله رأينا نائباً وفاقياً وهو رجل دين أيضاً يمنع المعارضين لنهج المسايرة من إمامة الصلاة في قريته مرضاة وتقرباً لشيخه صاحب الأمر .

 

بطبيعة الحال لا أدعو هنا إلى التعويل على إنقسامات في هذا الطرف أو ذاك. بل ربما أدى إنقسام أيٍ منهما أو تفككه إلى مخاطر لا نعرف الآن مداها.   ولهذا أكرر أن ملاحظاتي لا تتعلق بتشخيص  طبيعة ومستويات الأنقسام وأشكال التنازع بين مكونات كل من طرفيْ صفقة المقايضة.  ما يهمني هو أن هذا التنافس/التنازع الداخلي يفرض على كلٍ من  الطرفيْن اللجوء إلى آليات ناجعة  للحفاظ على تماسكه الداخلي من جهة وصورته كطرف قادر  تمثيل جمهوره وعلى الوقوف أما الآخر.  ولهذا أيضاً لا أرى سبباً للتعويل على هذه الضجة او تلك.  بل أدعي أن ضجيج الطرفيْن شكليٌ  لن يؤثر على تماسك العلاقة بينهما  طالما بقيت صفة المقايضة سارية.  فحال الطرفيْن  كحال مالك أرض ومتولي ضمانها. فلا مالك الأرض يستطيع زراعتها ولا متولي الضمان  قادر على وضع اليد عليها.  فكلاهما يعرفان أن ضمان مصالح أيٍ منهما تتطلب مراعاة مصالح الآخر. ولكن هل  تتطابق هذه المصالح مع مصلحة الوطن وبناء الدولة الدستورية؟

 

   وهنا أقول .متكهناً, أن إحدى هذه الآليات الناجعة هي  اللجوء إلى الضجيج الدوري سواء بإفتعال ضجةٍ ما أو الإنخراط فيها.  تلعب هذه الردحات الدورية  دوراً سياسيا هاما علاوة على أنها تسهم في نتفيس بعض الضغط وتمني الجمهور بتحقيق بعض ما يحلم به.  وعن  طريق هذه الردحات الدورية التي نشهدها بين الفينة والأخرى يسعى كل طرف إلى تحشيد قواه الداخلية وإحتواء إنعكاسات تنافسها.  وهي ردحات قليلة الكلفة وهي في نفس الوقت سريعة الإشتعال وذات صدى واسع ولكنها سهلة الإحتواء. وفوق كل ذلك فهي تؤدي الغرض منها دون أن تقود البلاد إلى حافة الأزمة.  يصرخ هذا بأعلى صوته ويرد ذاك بصوتٍ أعلى.   إلا إنهما  يعرفان أن الأمر لا يعدو رفع الصوت وقد يصل إلى عويل وحتى إلى هز السوط. فالخلاف ليس على التعايش  بل على تفاصيله.

 

قبل عدة سنوات قرأتُ ملاحظات نشرها "ماهر الزيرة"تحت عنوان مُعبِّر:"الخيط القاتم في لقاء الملوك بالعمائم".  وفيها أشار إلى إجتماعٍ في قصر الصافرية بتاريخ 9 مايو 2004 بين الملك  والشيخين عيسى قاسم والسيد عبدالله الغريفي, بصفتيهما رئيس ونائب رئيس المجلس العلمائي.  ولقد تواترت الأخبار فيما بعد عن إجتماعات أخرى تالية بين الطرفين علاوة على إجتماعات على مستوى أدنى. وأسفرت تلك الإجتماعات المعلومة وغير المعلومة في آخر المطاف عما أسميه بصفقة المقايضة.  في ملاحظاته على ذلك الإجتماع  توجَّس الكاتب من إستمرار المضي في نفس الطريق سارت عليه البلاد في منذ الفتح/الغزو. وحذر من الإستمرار في  "تدوير القضايا" وتحويلها من قضية وطن إلى قضية بين طائفة وقبيلة.  وقتها, أي قبل ست سنوات, أخبرنا الكاتبُ المتواري أنه كتب تلك الكلمات بحرقة. وأخاله الآن يقرأها بحرقة أكبر.

إنتهي

 

عبدالهادي خلف

.
 

ضجة التداول بين أبناء العوائل

 
 

ضجة التداول بين أبناء العوائل

 
تواصل صحفٌ بحرينية , وأجهزة الإعلام الرسمي الأخرى, نشر أخبار وبيانات تتعلق بما تسميه "موجة الاستنكار من قبل العوائل"  ضد جمعية الوفاق. ومعلومٌ أن الجمعية  أصدرت في 12 مارس الحالي بيانا ذكرت فيه أسماء عدد من العوائل البحرينيةا.  ومعلومٌ أيضاً أن ذلك البيان أكد أن الجمعية ترى أن " آل خليفة جزءٌ من شعب البحرين الكريم" وأنها تدعو إلى "احترام أفراد الشعب كافة وجميع العوائل والقبائل ضمن رؤية المساواة بين المواطنين، إذ لا يجوز التمييز بين أي فرد من أفراد أسرة آل خليفة وبين أي أفراد من أسرة الستري أو البنعلي أو البحارنة أو المحمود أو غيرها في تولي المناصب العامة وسائر الحقوق والواجبات." وكرر البيان المعانى ذاتها في فقرات أخرى مستخدماً أسماء عوائل بحرينية  أخرى.

 

لا أعرف معياراً سوى الصدفة وأغراض "التوازن الطائفي" يجمع العوائل التي ذُكرت أسماؤها في بيان جمعية الوفاق. ولولا بديهية هذا المعيار لقال قائلٌ أن من حق آلاف العوائل البحرينية التي لم يتضمنها بيان الوفاق  أن تقاضي الوفاق على تجاهلها وعلى  عدم إدراجها ضمن العوائل التي تستحق أن تتمتع بما تتمتع به العائلة الخليفية من حقوق بما فيها تولي المناصب العامة وكذلك في حمايتها من آثار التمييز السلبي. 

وعلى العكس من العوائل "المنسية",  وعلى الضد مما يحدث في  مجتمعات أخرى نرى وجهاءً في بلادنا يتنطعون للإحتجاج على المطالبة لهم بالمساواة مع أبناء وبنات أفراد العائلة الخليفية في الحقوق والواجبات.  كأن هذا لم يكن في مقدم المطالب التي طرحها المرحوم عبدالرحمن الباكر وغيره من قادة الحركة الوطنية في منتصف الخمسينيات. وهي مطالبٌ توارثناها من بعدهم جيلاً  بعد جيل, شهيداً بعد شهيد ومنفيا بعد منفي وسجيناً بعد سجين ومصابر بعد مصابر.  وها نحن نرى اليوم وجهاء العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين يستنكرون "ذكر أسماء عوائلهم"  في معرض المطالبة بالمساواة وحقوق المواطنة.  بل ونراهم يعتبرون ذلك تجاوزأً على الكرامة لا يجب السكوت عنه.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن بيانات  الإستنكار لا تفوِّت  تأكيد ولاء الموقعين عليها  "للقيادة السياسية في المملكة ممثلة بصاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى الذي أتاح لجميع البحرينيين الحرية في طرق أي موضوع من دون المساس بالثوابت الوطنية أو التعدي على العوائل الكريمة في هذه المملكة التي تعايشت مع بعضها البعض ومازالت كذلك باحترام" (أخبار الخليج 14 مارس 2010).  كما لا يفوت صاغة البيانات تأكيد تثليث الولاء ليشمل  الملك وولي العهد ورئيس الوزراء بإعتبار أن "حكم آل خليفة في البحرين سيستمر إلى الأبد".   ولهذا صرتُ على إقتناع بأنهم لولا الخشية ألا يخرج معهم سوى نفر قليل لتنادى  هؤلاء الوجهاء والطامحين إلى الوجاهة إلى مسيرة ينددون فيها  ببدعة "المواطنة الدستورية" وما تستلزمه من حقوق متساوية, أو ليعلنوا إصرارهم على المطالبة بمزيد من التمييز بين الناس.  

لا شك أننا أمام مفارقة محزنة تتمثل في صمت العوائل "المنسية" وفي ضجيج وجهاء العوائل المذكورة.   ولربما إحتجنا إلى العودة إلى مرويات تاريخٍ يمتد إلى أكثر من قرنيْن للتعرف على جذور هذه المفارقة ومكوناتها وتداعياتها علاوة على تجلياتها اليومية.  إلا أنني سأكتفي في هذه الملاحظات بالتذكير بما كتبتُه مراراً عن أهمية الدور الذي يلعبه تراث الممارسة السياسية في بلادنا.  وهو تراثٌ تبلور عبر السنين , كما لا يخفى, عن طريق إستخدام السلطة,  و بفاعلية.  لأداتيْن من أقدم أدوات ممارستها لسلطاتها, ألا وهما  إحتكارها لتوزيع الريع  وخبرتها الواسعة في تشطير المجتمع.  

يضع تراث الممارسة السياسية وما يستند عليه من موروث تختزله ثنائية "الفتح/الغزو" عدداً من المحددات والحواصر التي لا تتيح أن نتوقع من احدٍ أن يصيغ بياناً بإسم عوائل أو أجزاء من عوائل التي تعلن أن "المواطنة المتساوية" مثلها مثل :الديمقراطية" و"تعدد الأحزاب" ناهيك عن "تداول السلطة" هي بديهيات لا بد من التسليم بها كي تكون الدولة ديمقراطية ودستورية.  بل لا بد من تلك البديهيات لكي ننجز بناء الدولة ولكي تكون الدولة دولة حقاً وليست مجرد مزرعة.  ولا يقلل من الحاجة إلى التسليم بتلك البديهيات مطر المكرمات الذي ينهمر على وجهاء الحركة السياسية بين الحين والآخر.  وبطبيعة الحال لا تلغيها, كما رأينا,  المقايضات الدورية بين أطراف العملية السياسة في البلاد.   

وفي المقابل فإن تراث الممارسة السياسية في بلادنا  وما يستند عليه من موروث "الغزو/الفتح"  يضع محفزِّات ودوافع تستلزم أن يتدافع الوجهاء في منافقة السلطة بما في ذلك إصدار بيانات ألتأييد التي ترضيها وكلما دعت الحاجة.  ولهذا لا يجد المتابعُ هذه الأيام غرابةً في أن تتوالى بيانات التنديد حاملة  تواقيع أفرادٍ ينتمون إلى  نفس العوائل التي دعت الوفاق إلى عدم التمييز ضدهم.   بل هي أكدَّت  أهليتهم لتولي المناصب العامة مثلهم في لك غيرهم من المواطنين في ظل دولة دستورية.  فهذه, كما قلتُ, هي إحدى المفارقات المحزنة التي لا يمكن فهمها إلا في إطار ذلك التراث الذي يعتمد بقاؤُه على قوة سيف المعز وعلى بريق ذهبه. 

لا بد لي من التأكيد على إنني لا أجد منكراً في إصدار البيانات إستنكاراً أو تنديداً بهذا الطرف السياسي  أو تأييداً أو لإعلان  الولاء لذلك الطرف السياسي. فإصدار البيانات وجهٌ من وجوه حرية التعبير التي لا بد من التأكيد عليها. إلا أن  ضجة بيانات العوائل التي نشهدها هذه الأيام  لا تهدف إلى الدفاع عن "حق تلك العوائل في عدم الرغبة في المساواة" أو الدفاع عن "حقها في عدم تولي المناصب العامة".  بل هي ضجة ترتبط  بإنزعاج رسمي وبخاصة لدى رئيس الوزراء شخصياً من المطالبة تصريحاً أو تلميحاً بإزاحته.

لا شك في أن الشيخ سلمان أزعج بعض أطراف السلطة  وفي مقدمهم رئيس الوزراء حين أثار في خطبة له أمام  المؤتمر العام السنوي لجمعية الوفاق الإسلامية  المنعقد بتاريخ 18 فبراير الماضي  موضوع  "تداول السلطة.  ولقد رأينا مثل هذا الإنزعاج في سنوات سابقة ورأينا كيف ما نتج عنه من إجراءات وعقوبات. إلا إن  للضجة الحالية طابع آخر وحيثيات آخرى ونتائج أخرى.

تبدو الضجة الحالية لمتابعيها من بعيد, كما هو حالي, وهي تُدار مثل إدارة ردات فعل على محاولة فاشلة لقلب نطام الحكم.  فإن لم تكن محاولة إنقلاب فلابد أن  الضجة سببها إقتناع أهل الحكم بوجود عائلات بحرينية  بعينها  تعد العدة للإطاحة بالحكم أو على الأقل للحلول محل العائلة الخليفية في حكم البلاد.  وإلا لماذا يسارع وجهاء من مختلف الألوان إلى تبرئة عوائلهم من تهمة لم يوجهها لها أحد؟  فلا تشي الضجة بتفاصيلها عن إن سببها الحقيقي هو الإنزعاج الرسمي من بيان أصدرته جمعية الوفاق تدافع فيه أمينها العام. ومعلومٌ أن ذلك البيان أزعج بعض أطراف السلطة  وفي مقدمهم رئيس الوزراء حين لم يتراجع عما أثاره أمين عام الوفاق  في خطبة له أمام  المؤتمر  العام السنوي لجمعية الوفاق الإسلامية  المنعقد بتاريخ 18 فبراير الماضي.

ففي تلك الخطبة أثار  الشيخ علي سلمان مسألة التداول السلمي للسلطة  داعياً إلى أن يكون رئيس الوزراء من أبناء الشعب وليس بالضرورة أن يكون من العائلة الحاكمة.  وأشار في ذلك السياق إلى أن لجمعيته أهدافاً كبيرة نسعى لتحقيقها. وتشمل هذه الأهداف " إنجاز مهمة بناء الحكم الصالح بما يتضمن من وجود حكومة كقوة ومسائلة خاضعة لاختيار الأمة، ووجود ومساواة حقيقية بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس من المواطنة وحدها وبناء دولة المؤسسات والقانون، وتحقيق العدالة بين الناس."  إلا أنه أكد أيضاً أن العقبات التي تعيق الوصول إلى تلك الأهداف كبيرة. ولهذا سعى االشيخ علي لتأكيد واقعية الرؤية السياسية التي يستند إليه خطابه عبن طريق تأكيد أن البحرين قد لا تستطيع أن تكون السباقة في هذا المجال. فرغم أن الهدف هو "إصلاح النظام السياسي وصولاً إلى ملكية دستورية حقيقية يكون المُلكُ فيهما "لآل خليفة"، ويكون الحكم فيها للشعب عبر حكومة منتخبة وتداول سلمي للسلطة التنفيذية في ظل حرية تشكيل الأحزاب وحرية الرأي" إلا أن هذا, حسبما أخبر الشيخ سلمان سامعيه قد ينتظر. فهو "مسارٌ لم ينجز في أي دولة عربية كما يجب حتى الآن".

تنسجم هذه الصياغة المُرجئة بما فيها من تحدٍ وتهيب في الوقت نفسه مع النهج المزدوج الذي رسّخه الشيخ عيسى قاسم بعد أن آل إليه أمر قيادة التيار الديني الشيعي غداة التصويت على الميثاق في العام 2001. فلقد تبنى قاسمُ  نهجاً يسعى للتوفيق بين نقيضين سادا وتنافرا في عقود سابقة وبخاصة في أثناء المواجهات التي شهدتها التسعينيات من القرن الماضي.  فمن جهة هناك النهج البراغماتي الي تبناه المرحوم الشيخ سليمان المدني مما أهَّله إلى أن يكون قريباً من السلطة التي إستخدمته وسيطاً متعدد الأدوار. ومعلومٌ أن الشيخ المدني  رحمه الله  كان يعتز بمكانته كوسيطٍ  مقبولٍ  لدى السلطة تمتد منافعه لتشمل توفير الخدمات والوظائف والسكن ونسهيل غيرها  من الأمور المعيشية علاوة على ما يتعلق بالأمن وتأمين الإستقرار في مناطق نفوذّه. ومن جهة أخرى  هناك النهج المعارض الذي سلكه المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري. وهو نهج جعله أحد أبرز قيادات الحركة الدستورية التي دشنت إنتفاضة التسعينيات والتي أوصلت, بدورها, النظام إلى طريق مسدود لا مخرج منه سوى تقديم الوعود بإصلاحات دستورية سياسية ومؤسساتية. ومعلومٌ أن  ذلك الدور القيادي  قد جرّ على المرحوم الشيخ الجمري غضب السلطة فلاقى  من عسِفها ما لم يلاقِه أيٌ من قادة الحركات المعارضة منذ الخمسينيات.

أقول جاءت صياغة خطبة الشيخ سلمان منسجمة مع النهج القاسمي.   ففيها ترتفع نبرة الصوت بكلمات ترضي جمهوراً يستذكر وقفات المرحوم الشيخ الجمري وخاصة ونحن على عتبة إنتخابات برلمانية قادمة. وفيها أيضاً   لطفٌ يخفف من وطأة الكلمات ويضمن ألا تثير قلق السلطة حتى وإن سببت أزعاجاً لهذا الطرف فيها أو ذاك.  فجاءت الخطبة تعبيراً عن مجمل النهج المتسيد في صفوف المعارضة منذ الوصول إلى تفاهمات 2005 التي مهدت إلى تراجع الوفاق عن رفضها المشاركة في الهيئات الدستورية التي قامت على أساس دستور 2002.  فصارت السلطة التي كانت تمسح من على الجدران إسم  الشيخ الجمري لا تجد غضاضة في ترتفع لخليفته في قيادة التيار لافتات تقول "الأمر لك".

نعم لقد أثار خطاب الشيخ على سلمان خطابه ردود فعل تصدرتها الضجة المستنكرة التي إحتلت صفحات الجرائد وبقية أجهزة الإعلام الرسمية  وبين  ترحيبٍ مَخفيٍ أو مُخفى لم يجد طريقاً إلى الواجهة. وكان أول الغيث هو البيان الصادر عن مجلس الوزراء (الوسط 22 فبراير 2010)  والذي حذر فيه "من تمادي وتجاوز البعض في الخطاب السياسي بالشكل الذي يسيء إلى ميثاق العمل الوطني والدستور ويسيء إلى مكونات المجتمع البحريني القائم على تلاحم المجتمع في فئاته كافة".  وفي نفس الوقت الذي أهاب البيان فيه "بالجميع الالتزام بالحوار الهادف المستمد من قيمنا ومبادئنا الاجتماعية والحريص على تماسك المجتمع وتلاحمه", أعلن إستكار مجلس الوزراء ما حصل في مؤتمر جمعية الوفاق من "تجاوزات وإساءات تمس الأشخاص والعوائل، كما تضمنت طرح إساءات لنظام المملكة ودستورها وشكل نظام الحكم". كما أعاد البيان الوزاري التذكير بالتوجيهات الملكية  المتكررة "بالابتعاد عن الإساءات إلى الأشخاص والعوائل حفاظاً على تلاحم المجتمع البحريني والمودة بين جميع فئاته".

لا أجد تفسيراً منطقياً للغضب الرسمي  الذي عكسته نبرة بيان مجلس الوزراء وتناقض لغته. ففي الوقت الذي يدعو الناس إلى الحوار الهادف  فهو يشعل حرباً إعلامية لم تنته حتى الآن لمجرد أن نائبا, ورئيس جمعية معترف بها, قال أنه مع "تداول السلطة".  إلا أن الأدهى  أن كثيرين وجدوا  في بيان مجلس الوزراء نفيراً يستدعيهم لتدبيج المقالات الداعمة للموقف الرسمي. وبطبيعة الحال إنتشرت تلك المقالات وما تزال في جميع الصحف المحلية وبقية أجهزة الإعلام الرسمي.   

في غياب أسس موضوعية لتفسير عقلاني للضجة الإعلامية التي تثيرها السلطة منذ إنعقاد مؤتمر الوفاق فلا مفر من التكهنات. وسوف أعرض لبعضها. فلقد كتبت   الأستاذة لميس ضيف (الوقت 9 مارس 2010)  أن هناك من يقول "إن الحكومة لربما تخشى دخول وجوه ليبرالية مستقلة لا يؤمن عقباها؛ فقررت تعزيز موقف الوفاق الإسلامية لتظل -هي- من يحتكر تمثيل الشارع الشيعي تماماً كما تعزز مكانة التيارات السنية المتشددة لتكون هي الممثل الأوحد للطائفة السنية؛ النظام في البلاد لا يريد معارضة غير أسلامية؛ وغير متمترسة خلف المذهب؛ لذا ربما أراد إعطاء الوفاق «قبلة الحياة» بعد قراءة تراجع حظوظها الشعبية".

أما الأستاذة سوسن الشاعر (الوطن, 11 مارس 2010)فتعرض تكهناً آخر, وربما مضاداً,  حين تشير إلى أن هناك ما تسميه "حصان طروادة" داخل الوفاق. فاللعبة حسبما تقول الشاعر "أكبر من أي من اللاعبين الذين يظهرون على السطح". وعليه يعمل ذلك الحصان المندس في الوفاق إلى أن يربك الوفاق وتحريك خيوطها بعد أن ساءه إعلان الوفاق أنها ستستمر وستشارك وستنزل الانتخابات  لإقتناعها بأن في مشاركتها "مكسب سياسي للبحرين كلها يحقق الاستقرار الأمني والسياسي ويخدم الدولة والمجتمع  ويخدم قواعد الوفاق الشعبية، ويحقق لهم من المكاسب المعيشية أكثر بكثير مما يتحقق بوجود الوفاق خارج ذلك الإطار". وفي إشارة الشاعر إلى حصان طروادة ما يفسر " الشرر الذي تشعله الوفاق المرة تلو المرة وبتلاحق لا يترك فرصة لالتقاط الأنفاس يسعى لإخراج الأمور عن السيطرة، وسواء كان الأمر مصادفة أو بتخطيط فإن الوفاق بدأت تترك الخيوط تخرج من يدها وكأنها لا تملك إلا أن تتعامل مع ردود الفعل دون مبادرة منها لفعل أمر يمنع هذا التداعي المتسارع".  

من جهته يرى الأستاذ عباس المرشد في مقاله المشار إليه لوقت,4 مارس 2010) أن الضجة المثارة حول خطاب الشيخ علي سلمان وما تلاها ترسم مساراً صحياً  و"على جمعية الوفاق أن تنظر إليه على أنه إنجاز يتصل وثيقاً بــالقــدرة على إدارة حــوار ســياسي صافٍ – ولو بأشكال مختلفة – ظل مستبعداً طيلة فترة طويلة، وعلى الحكومة أيضاً أن تقبل بمخرجات الديمقراطية الناشئة، وأن تسمح للأحلام والرؤى بالتعبير عن نفسها مادام الأمر سلمياً. وبالتالي فإن الاستثمار الإيجابي لمثل هذه الأزمات يجب أن يكون لصالح خلق حوار سياسي يبعد شبح العنف والتوتر الأمني عن المجتمع".

أقول تتعدد التكهنات والتعليقات  بتعدد المعلقين والمتكهنين,   وبدون التقليل من أهميتها جميعاً لم أجد فيما قرأتُ منها ما يخرج عن مرامي ما كتبه كلٌ من االمرشد والشاعر وضيف.  لهذا تبقى الأسئلة بدون إجابات حتى الآن.  هل إستغلت أطرافٌ في السلطة , كما نستشف من تعليق المرشد,  خطاب الشيخ سلمان لإثارة أزمة مع الوفاق؟ ومع إنه لا يتوقع أن تطول هذه الأزمة فإن مردودها الإيجابي يمتثل في إثارة نقاش بين السلطة والوفاق يؤسس "لاختلاف سياسي صافٍ لا تكون كلفته كلفة أمنية". أم هل هي "مؤامرة حكومية" لتسويق إستمرار الوفاق ممثلاً للمعارضة كما جاء في مقالة ضيف؟ ويندرج تحت هذ السؤال أسئلة أخرى من قبيل هل تخشى الحكومة حقاً  "دخول وجوه ليبرالية مستقلة"؟ وهل أوصلتها خشيتها من الليبراليين المستقلين إلى حد  السعي إلى " تعزيز موقف الوفاق الإسلامية لتظل -هي- من يحتكر تمثيل الشارع الشيعي تماماً كما تعزز مكانة التيارات السنية المتشددة لتكون هي الممثل الأوحد للطائفة السنية"؟ أم  أن أساس الضجة نفسها , أي ما جاء في خطبة الشيخ سلمان هو,  كما تقترح الشاعر,  دسيسة دسّها متطرفون مندسون  في الوفاق بهدف إرباكها وتحريك خيوطها؟  أم إنها  كما يشير بيان الوفاق بتاريخ 12 مارس  "حملة آثمة" تأمل الجمعية أن يقوم عقلاء السلطة  بإسكاتها؟ ا.

لم يكتفِ البيان المذكور بالتمني على المعنيين في السلطة إيقاف "الحملة الظالمة", بل أضاف محذراً,  في حال إستمرارها,   فإن الوفاق  ستأخذ الأمر بعيداً إعتماداً على من تسميهم  المحبين  للخير والمخلصين لوطنهم "سنة وشيعة, علمانيين وإسلاميين"؟.  ولا  يخفى على اللبيب واللبيبة  أن هذه العبارة حمالة اوجه. وسأهتم  هنا بوجهيْن. أولهما في صيغة أسئلة عن  قدرة الوفاق, أو قل عزمها, على تصعيد مضاد لتصعيد السلطة؟  وهل يتيخ للوفاق "غطاؤها الشرعي" أن تدخل في تكتيكات التصعيد التي  لا مفر من أن تؤدي إلى مواجهة مع السلطة؟ بل وهل ستتماسك الوفاق في ظل مواجهة جدية؟  وثانيهما يتعلق بالإشارة إلى إعتماد الوفاق على دورٍ محتمل للعلمانيين في حال تطورت الأمور إلى الأسوأ بين الوفاق وبين السلطة. فلا يخفى أن في هذا ترفيع غير معتاد للعلمانيين بوضعهم في مصاف الإسلاميين, بل ومن ضمن "محبي الخير والمخلصين لوطنهم".   أسارع إلى التأكيد على إنني أري في هذا تطورأ إيجابياً  بعد خمس سنوات من تهميش دور القوى العلمانية في حركة المعارضة.  وهو تطورٌ, إن صدق وإستمر,  فسيشكل تخلياً علنياً عن موقف تشطيري تمثلت  أحدى تجلياته في هتاف "تسقط العلمانية" الذي رفعه الشيخ عيسى قاسم قبل ثلاث سنوات وردده المصلون من خلفه.

بقية هذه الملاحظات ستأتي  في الجزء التالي من هذا المقال