حدث في 22 أكتوبر 1974

1

في 25/6/1974  أُعتقلتُ مع ما يصل إلى ثلاثين من النشطاء السياسيين والنقابيين وتم نقلنا إلى سجن جزيرة جدا  وأُحتجزنا في القسم المخصص للسجناء السياسيين هناك. وهناك تعلّمنا بسرعة من  خبرات من معنا من ذوي الخبرة  ليقوم كلُ واحدٍ منا بما يتوجب عليه القيام به للإحتجاج على إستمرار سلب حريتنا وحرماننا من حقوقنا بدون تهمة ودون محاكمة.

بعد مرور ما يقرب الأربعة أشهر فاجأنا الضابط البريطاني سميث الذي كان يدير السجن بخبرٍعن قرب الإفراج عن عددٍ من المعتقلين.   وبالفعل تم نقل غالبية المعتقلين في اليوم التالي من الجزيرة/السجن إلى المنامة حيث تم الإفراج عنهم. اقولُ الغالبية لأن السلطة قررت إستمرار إعتقال خمسة من المعتقلين هم المرحوم أحمد الذوادي وعباس .عواجي ويوسف العجاجي وأحمد الشملان وعبدالهادي خلف. جرى توزيعنا على مراكز إعتقال مختلفة في الزلاق والقلعة والرفاع وجدا.  وكانت الأخيرة من نصيبي.

لم نكن نعرف وقتها  أن قرار الإفراج عن غالبية المعتقلين كان تمهيداً لإعلان مرسوم أميري (سيُعرف لاحقاً بإسم قانون أمن الدولة) الذي طُبق علينا نحن الخمسة الباقين بأثر رجعي.  

كذلك لم نكن نعرف وقتها ما أثبتته التطورات السياسية والأمنية اللاحقة طيلة سنوات تطبيق مرسوم أمن الدولة  من أن شرور ذلك المرسوم  وآثام السلطة في تطبيقه لم توفر أحداً  بمن فيهم من إقتنعوا في البداية أنهم محصنون لهذا السبب أو ذاك ضد جبروت السلطة. فبقوة ذلك المرسوم أطلقت السلطة أيدي وزير الداخلية وجهازالأمن بقيادة إيان هندرسون ليعيثوا في البلاد قمعاً وفساداً.   

ففي خلال تلك السنوات الست والعشرين سُجن وعذب مئات النشطاء بالإضافة إلى عشرات المواطنين والمواطنات ممن لا دخل لهم في أنشطة المعارضة. وفي تلك السنوات سقط شهداءٌ تحت التعذيب أو بسبب سوء المعاملة  أثناء إحتجازهم طبقاً لمرسوم أمن الدولة. وفي تلك السنوات تم إعتقال اربعة ، على الأقل، من أعضاء برلمان 1973 عدا المئات ممن قُطعت أرزاقهم.

2

 صدرالمرسوم بقانون  بشأن تدابير أمن الدولة في 22 أكتوبر 1974 أي قبل يومٍ واحد من عودة المجلس الوطني للإنعقاد بعد إنتهاء إجازته الصيفية.  وللتوقيت حساباته لدى السلطة. إلا إن أحداً لم يتوقع أن يتقرر بذلك المرسوم مصير البلاد لفترة تالية إمتدت لأكثر من ربع قرن إلى أن تم إلغائه بموجب مرسومٍ أميري آخر صدر في 21/2/2001.

تتضمن المادة الأولى من المرسوم  لائحة مبهمة من الأفعال والأقوال الأنشطة والاتصالات التي يحق لوزير الداخلية وقضاة المحكمة الخاصة بأمن الدولة إعتبارها

إ “إخلالاً بالأمن الداخلي أو الخارجي للبلاد أو بالمصالح الدينية والقومية للدولة أوبنظامه الأساسي أو الاجتماعي أوالاقتصادي أويعد من قبيل الفتنة التي تؤثر أومن المحتمل أن تؤثرعلى العلاقات القائمة بين الشعب والحكومة أوبين المؤسسات المختلفة للدولة أوبين فئات الشعب أوبين العاملين بالمؤسسات والشركات أو كان من شأنها أن تساعد على القيام بأعمال تخريبية أو دعايات هدامة أو نشر المبادئ الإلحادية“ا

وتجيز المادة نفسها  لوزير الداخلية (وليس للنيابة أو القضاء) أن يأمر بالقبض على المشكوك فيه وحبسه لمدة ثلاث سنوات.

وكما هو متوقع أثار صدور المرسوم غضباً واسعاً وخاصة  جراء تطبيق أحكامه قبل مناقشته مما يعني عملياً  “إلغاء الديمقراطية الجزئية التي وفرها دستور 1973″، حسبما أشار الأستاذ علي ربيعة في كتابه “التجربة المؤودة”.   وفوق ذلك منعت وزارة الداخلية عددأ من النواب من كتلتيْ الشعب والوسط بمن فيهم المرحوم محمد جابر الصباح ومحسـن مرهون وعلي ربيعة ورسول الجشي من عقد الندوات لمناقشة المرسوم وحشد الرأي العام ضده.  وحين تعاون نواب كتلة الشعب مع نواب كتلة الوسط في محاولات متكررة لعرض المرسوم للمناقشة في جلسات المجلس الوطني أفشلت الحكومة تلك المحاولات بوسائل الضغط المختلفة.

في  تلك الأجواء الصاخبة داخل المجلس الوطني وخارجه إختارت الكتلة الدينية ألا تعلن موقفاً من المرسوم لا بالرفض ولا بالموافقة.  وإتضح هذا الخيار بجلاء في 22/11/1974 أي بعد شهر كامل على إعلان مرسوم أمن الدولة.

وكان ذلك في مقابلة أجرتها جريدة “السياسة”  الكويتية  مع  عضو الكتلة الدينية الشيخ  عيسى قاسم تناول فيه موقف  كتلته  من المرسوم.  وهو موقف يتلخص في قوله:  لا أستطيع  الآن أن أقول أنني موافق  عليه أو غير موافق……أحب أن أقول أن لهذا القانون سلبيات  و ايجابيات  و الموازنة في نظرنا  لن تكون في مصلحة  محضة و بين مضرة محضة.ا (التجربة المؤودة،.. ص 303)ا

وصلتني تفاصيل متفرقة عن تلك المقابلة وأنا في جزيرة جدا. تألمتُ ولكنني لم أتفاجا بموقف الشيخ عيسى قاسم وكتلته.  تألمتُ ليس لأنني قد صرتُ أحد أوائل من طُبق ذلك المرسوم عليهم  بل بسبب عدم رغبة ممثلي قطاع معتبر من الشعب في إتخاذ موقفٍ صريح من مرسومٍ إستبدادي يعطي وزير الداخلية صلاحيات واسعة لقمع كل نشاط ورأي.  

 على أية حال لم يكن ذلك الموقف مفاجئاً. فالشيخ عيسى وكتلته, وهذا من حقهم، وجدوا إن في المرسوم فرصة سانحة للمقايضة مع الحكومة التي تواجه تصاعد  الرفض الشعبي للمرسوم علاوة إستمرار الإنتقادات الإقليمية والدولية لها بسببه.

الحاصل  أن مصير البلاد بقيَ لعدة أشهر معلقاً في إنتظار نتائج حسابات قصيرة النظر.  أقول، في تلك المقابلة التي نشرتها جريدة السياسة كان الشيخ عيسى يعرض على الحكومة موقفاً تفاوضيا يأمل أن يؤدي إلى أن تتعهد  السلطة بتقديم تنازلات في مجالات حيوية بالنسبة للكتلة الدينية بما فيها:

تحريم بيع الخمور وفصل الذكور عن الإناث في التعليم العالي… أسوة بفصله في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية الرسمية…وعدم إشراك المرأة في الحياة العامة كالنوادي والجمعيات المختلطة ومؤسسات العمل التي تجمع بين الجنسين وإلى منع الطبيب الذكر من معالجة المرأة المريضة وغير ذلك مما يتماشى مع الأعراف الدينية.  (فؤاد خوري، القبيلة والدولة…ص344)ا [i]

فتلك كانت القضايا التي ركزت الكتلة الدينية عليها طيلة دورة الإنعقاد الأولى في 1973-1974 وأخذت حيِّزاً كبيراً من عمل المجلس الوطني ومداولاته.

في تلك الفترة التي فاقت سبعة أشهر من غموض موقف الكتلة الدينية وإنتظارأن تحدد موقفها وتعلنه إنتشرت أقاويلٌ لا يمكن التحقق منها عن إطمئنان السلطة إلى  تأكيدات بتأييد المرسوم حصلت عليها من المرحوم الشيخ سليمان المدني وجناحه في  الكتلة الدينية. ولتعزيز ذلك الإطمئنان كررت التصريحات الرسمية وبعض وسائل الإعلام التأكيد على  أن المرسوم إنما يستهدف الشيوعيين والأنشطة والقلاقل التي يثيرونها وما يقومون به من “أعمال تخريبية أو دعايات هدامة أونشر المبادئ الإلحادية” حسب نص المرسوم

3

في مقابل جهود السلطة، كانت القوى الوطنية والنقابية في تلك الأثناء،  تشكل الوفود التي كانت تتوجه إلى مساكن النواب بمن فيهم نواب الكتلة الدينية لمناشدة المترددين منهم بإتخاذ موقف رافضٍ للمرسوم  ولمحاولة إقناع الرافضين له بتكثيف المساعي لعرضه للمناقشة في المجلس تمهيداً لرفض  تمريره.[ii]

رغم ذلك نجحت الكتلة الدينية ولفترة طويلة في أن إبقاء الغموض محيطاً بموقفها الرسمي طيلة أكثر من سبعة أشهر. أي إلى أن نشـرت مجلة صدى الأسبوع في 17/6/1975 لقاءً أجرته مع المرحوم الشـيخ عبدالأمير الجمري وأكد فيه: إننا قررنا أن نرفض هذا الشروع، ولقد رأينا  فيه عودة بالبلاد إلى الوراء. ولذلك لم يكن هناك مناص من رفضه”.  (التجربة المؤودة، ص 307)ا

تنفّس جميع المعنيين الصعداء وقتها فلقد كرّس ذلك التصريح بوضوح لا لُبس فيه  إنضمام نواب الكتلة الدينية إلى كتلتيْ الشعب والوسط في رفض المرسوم. وبذلك الموقف الموحد شعر النواب بما يكفي من القوة  لإنذار  الحكومة ومطالبتها بإلغاء المرسوم أو تقديمه إلى المجلس الوطني للتصويت عليه.  وحيث أن الحكومة لم تكن راغبة في أي من الإقتراحيْن فقد وعدت بمراجعته في فترة زمنية أقصاها نهاية يوليو 1975.  (عبدالهادي خلف، بناء الدولة… ص 75)ا

إلا أن السلطة لم تراجع نفسها لا  بسحب المرسوم أو إستبداله ولا بإعادة النظر في سياسة اللعب على الخلافات بين الكتل البرلمانية الثلاث.  فلقد كانت السلطة تحلم بعالمٍ آخر ستتمكن من إيجاده بالموارد المالية غير المسبوقة التي جاءت بها الطفرة النفطية التي تلت حرب اكتوبر 1973.  وهو عالمٌ لا ترى فيه  أنها في حاجة لبرلمانٍ يشاركها السلطة ناهيك عن نوابٍ يحاسبونها ويسائلونها.

بدلاً من ذلك إتجهت السلطة إلى الطريق الأكثر راحة بالنسبة لها فأصدر الأمير في 26/8/1975 مرسوماً بحل المجلس الوطني. ففرضت بذلك على البلاد أن تعيش في ظل مرسوم أمن ألدولة إلى أن أوصلتها إنتفاضة التسعينيات إلى طريق مسدود وحتّمت إلغاء ذلك المرسوم.  ما حدث بعد ذلك تاريخٌ يُروى.

عبدالهادي خلف

22/10/2020


[i] أنظر كذلك وسام السبع ” الكتلة الدينية في برلمان 1973..النازحون من الريف” … الوسط – 22 أكتوبر 2010.  وكذلك حسين المرزوق، “الشيخ عيسى قاسم والتجرية البرلمانية الأولى”، مجلة رسالة القلم، 13/4/2016

[ii] يعرض الأستاذ علي ربيعة في الصفحات 294-339 من  كتابه “التجربة المؤودة” تفاصيل كثيرة عن تلك الأنشطة وبعض الأمثلة عن تلك الوفود وردود النواب.

مما تركه الرفيق الفنان سلمان زيمان: مداخلة غنية في ندوة الأغنية الوطنية

    ندوةالأغنية الوطنية” التي أقامها المنبر الديمقراطي التقدمي بتاريخ 20 مارس 2005م 
http://almenber.com/conferences.asp?id=126
المتحدث: الفنان سلمان زيمان

اسمحوا لي أن أصطحبكم إلى جزرٍ من أرخبيل الأغنية الوطنية في البحرين . وأطمح أن تتبصروا معي و تساهموا في اكتشاف ورسم خرائط الجزر النائية ، وتلك التي غمرتها المياه بفعل المتغيرات المناخية المتغلبة خلال النصف قرن الأخير. فهلم بنا و لنبحر معاً ونكتشف أرخبيلنا الثقافي الجميل ، ولنوثق خرائطه لنستدل، وتستدل بها أجيالنا القادمة.

كان للأغنية والأنشودة والأهازيج حضوراً فاعلاً ومؤثراً بتاريخنا الوطني . فقد إستطاع هذا الفن أن يعبر بصدق عن تطلعات ومواقف ومشاعر قطاع واسع من شعبنا في البحرين . فمن شحذ الهمم ، ونثر الأمل والتفاؤل إلى إقامة مراسم التأبين والرثاء لمن فقد من الأحباب . إنه جزء مهم من ذاكرتنا الوطنية ، ساهمت الأجيال المتعاقبة في تراكمه ، و اختلطت مصادر الإبداع الفني في هذا النتاج ، بين المعروف والمأثور لتداخل اللمسات عبر سنوات طويلة من التناقل الشفهي .
سأتطرق في حديثي هذا الى الظروف الذاتية والموضوعية التي صاحبت نشوء وتطور هذا النوع من الإبداع الفني . متكئاً الى عينة من نتاج أربعيين عاماً امتدت ما بين 1965 و2005 .
إن لكل عمل من هذه القطع الفنية شهادة ميلاد وعنوان ، ارتبطت بانفعالات إنسانية متباينة . . شوق وحنين وأمانٍ ، والكثير من الأمل ، والحزن والفرح . ولضرورة الحفاظ على ذاكرتنا الوطنية حية ، وحق الأجيال في التعرف على هذا الجانب من تاريخها الوطني ، فإننا جميعاً معنيون ،وملزمون كل في مجاله بجمع تراثنا الوطني بكافة أركانه ، لما يمثله ذلك من أهمية وضرورة في الوقت الحاضر. إننا سنتكبد الكثير من الخسائر إن تأخر رصد هذا التراث وتوثيقه ، ما سيتسبب في خسارة يصعب تفاديها عندما تشح المعلومات الموثقة من مصادرها ويعز الحصول عليها من منابعها الأصلية ويصعب حينها التحقق منها وإعتمادها .

لم الأنشودة والأغنية والأهزوجة ؟

إن أردت أن توحد صوت الجمهور وتضيف اليه رهبة وعنفوان ، ضع مطالبه في أهزوجة موقعة و منغمة . وتبين حينها انفعالات هذه الجماهير ووقع أداءها المؤثر على الآذان ، حين تصدح الأصوات ، ويهتز الفضاء بفعل توحد ثيمات صاعدة وهابطة ، تبث فعلها السحري في توجيه كيماء المشاعر الفردية والجماعية ، فتتوحد مشاعر الغضب ، والحزن والفرح ، و مشاعر الإستنفار و الإنتصار ، والعزم ، والتفاؤل ، تتوحد في رهبة تقشعر لها الأفئدة و الأبدان

أسعى من خلال هذا اللقاء أن أقدم لكم عرضاً تأريخياً موجزاً ، و أأكد “موجزاً” لمسار نوع خاص ومختلف من الأهازيج و الأناشيد والأغاني التي إرتبطت بظروف خاصة ومختلفة عايشتها جماهير شعبنا في البحرين . وبدافع الإهتمام والمساهمة المتواضعة في توثيق ما بقي منها في الذاكرة الفردية والجماعية ، و سعياً لحفظ أمانة ، كنز الذاكرة الوطنية ، إستطعت، وبفضلٍ من إخوةٍ تشاطرني الإهتمام ذاته ، إستطعت الإطلاع وجمع و لملمة مقدار حسن من نتاج وإبداع الأربعين عاماً الأخيرة ، تنوعت بين القصائد والأهازيج والأغاني والأناشيد ، التي صيغت في ظروف صعبة ،عكست بمفرداتها وصورها الشعرية واللحنية آلام وأماني وإنفعالات ومشاعر واسعة التنوع ، و ممتدة الأفق والمدى ، نشأت وظهرت وكمنت في ظروف موضوعية خاصة .
كثير من تلك الأهازيج والقصائد تحولت بدورها الى مواويل وأناشيد وأغانٍ إرتبطت بألحان وبناء موسيقي . بعض تلك الأعمال أتت عفوية الألحان ، بسيطة التركيب والبناء ، تناقلتها الأفئدة والحناجر ، وزادت عليها ما زادت من المفردات اللغوية ، و التعبيرات اللحنية . وأما البعض الآخر منها فقد ظهر بصياغةٍ حِرفية الحبكة ، و من صنع وإبداع محترفي وممتهني فنون الموسيقى والغناء .

أغاني السجون والمعتقلات
شكلت جدران الزنازن الضيقة فضاءً واسعاً للكثير من القصائد الشاعرية الصادقة ، التي التصقت الحبيبة فيها بالوطن العزيز ، وإرتبطت آلام الفراق للأحباب وأوجاع الحبس وإفتقاد الحرية ، بالأمل والشجاعة والإصرار والعناد والتحدي . كانت دماء الحياة تتدفق بين دهاليز الموت والجفاف وتنبعث حياة بعد حياة .
لقد أبدع الأديب والمناضل الكبير أحمد الشملان الكثير من قصائده المعبرة ، المنشورة منها وغير المنشورة بين تلك الجدران الرطبة النتنة ، محطماً وقالعاً أساساتها ،و محلقاً بخياله إلى أبعاد تنفرج بإتساع أطراف الكون ، ناثراً من بين أجنحته بذورٌ للأمل ، و رياحينٍ للحبِ والحرية . أحمد الشملان دبغ الأناشيد ، و نسج الأغاني والمواويل ، وهو الصادح بحنجرته الرخيمة بين الجماهير، في مظاهرات واحتجاجات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ، بأهازيجه الموزونة ، باثاً بعنفوانه لهيب الحماس والعداء ضد المستعمر واعداء الحرية.
سُلبت حرية هذا المناضل العنيد مرات عدة ، ولسنوات ممتدة ، وفي كل مرة منها يزداد رصيد شعبنا قصائد حب ، وجمال ، وحرية ، قصائدٌ ستبقى جميعها تنطق فصيحة اللسان ، عظيمة البيان الى سنوات أبدية .

طريقنا
في أحد أعداد نشرة الجماهير سنة 1965 ظهرت وعلى صدر صفحتها الأبيات التالية : طريقنا أنت تدري
شوك ،وعر ، عسيرُ
موتٌ على جانبيه ،
لكننا سنسيرُ
إلى الأمام ، إلى الأمام ، إلى الأمام سنسيرُُ …
سنمضي ، سنمضي إلى ما نريد
سنمضي لنبني أوال الجديد
سنمضي ، سنمضي إلى ما نريد
وطنٍ حرِّ وشعبٍ سعيد

وبعد أن وقعت عليها عينا الموسيقار المناضل مجيد مرهون ، تفاعل و لحن حينها هذا الشطر من نشيد طريقنا بالميلودي المعروف ، وأخذ يردده بين رفاقه. وبعد محاكمته و دخوله السجن سنة 1969 أضاف اليه الجزء “ب” من النص الشعري واللحني وصاغ من كلماته وألحانه شطراً جديداً ، ظهر كما نعرفه جميعاً اليوم :
فهبوا جميعا أسود النضال
وضحَوا وثوروا لأجل أوال
وزكوا دماءً وحققوا المحال
لتحرير شعبٍ من الاستغلال

حاز هذا النشيد على أفئدة قطاع المناضلين والمناضلات البحرينيين بمختلف انتماآتهم السياسية والفكرية ، وظل يردد من قبلهم في كل لقاء واحتفال داخل البحرين وخارجها ، ولقوة تعبير الجملة الموسيقية ولامتلائها حماس ، ظهرت مفردات وأبيات من الشعر على السياق اللحني للجملة في مناسبات مختلفة ، و في أحيان عدة تعرض هذا النشيد لإضافات قسرية سرعان ما إنفكت عنه .
ثم وفي العام 1985 حين التقى أحمد الشملان برفيقه مجيد مرهون بين جدران المعتقل . التقيا وتناغمت سوياً فنون الموسيقى والشعر المقاوم ، فكتب الشملان الشطر الثاني من هذا النشيد – صاغه أهزوجة ثورية جامحة ، احتفاءً بمرور ثلاثون عاما على نضال و تأسيس جبهة التحرير الوطني البحراني ، وجاءت كالتالي :

يا جبهة التحرير سيري
نجماً يضيء الدروبَ
وعلًمي الكادحين ، كيف انتصار الشعوب
وشعبنا ، عمالنا ، معلمٌ في الخطوب
ثلاثون عاماً سقاها النضال
صمودٌ وعزمٌ شديد المحال
سقاها انتصارٌ وعزمٌ جديد
لوطنٍ حرِّ وشعبٍ سعيد

ومن الإضافات الشعبية التي التحمت مع النص خلال هذه الفترة الطويلة وأصبحت جزء منه ،هذان السطران من الأبيات التي جاءت كالتالي :

*****
شعبٌ عظيمٌ شعبُ أوال
يهزمُ الصعابَ ، يهزُ الجبال
لهُ تضحياتُ الخلودِ والجلال
لهُ الشمسُ تُشرِقُ دونَ زوال

وهكذا اكتمل حينها نشيد طريقنا على النحو الذي ذكرت . النشيد الذي سيبقى مخلداً ضمن التراث والذاكرة المضيئة و الخالدة لشعبنا .

كانت معانات المعتقلين وتحديهم تجد في الكتابة الشعرية سبيل للتعبير ، ما تلبث أن تتحول أغانٍ وأناشيد ، لتصبح بعدها مصدراً من مصادر الصمود والقوة ، تضمد الجراح وتشد الأزر ، وتعزز إيمانهم بقضيتهم .
فمن القصائد التي تحولت إلى أغانٍ ، قصيدة “حبيبتي“و التي كتبها المناضل الأديب عبد الحميد القائد ، في 21فبراير 1972 ، في ليلة ممطرة قضاها في زنزانة رقم واحد ، في ما يدعى بعنبر “بيت الدولة ” بجزيرة جده ، حيث التقى مجيد مرهون صباح اليوم التالي وتلاها على مسامعه ، ليتفاعل معها مجيد بإحساسه المرهف ساكباً الدمع من شدة التأثر ، ومعلقاً ، “إنها قصيدتي يا حميد “!.

” إنها قصيدتي يا حميد ! ” قالها مجيد ثم بدأ مشوار تلحينها وأكمل بناءها اللحني بين فترات متباعدة . ومن شدة تعلقه بها لم يجد حرجاً من إضافة بيتين إلى هذه القصيدة ، وكأنه الكاتب يعيد صياغة ما كتب ! . و لتنطلق من السجن حينها ترفرف ، أغنية صادقة ، مليئة بالعواطف والأماني ، وبصوت يفيض مشاعر دفء وحزن وشجن . يغني مجيد ، حبيبتي !!! فكم ياترى له من حبيبة ؟ . وتتلقاها الآذان داخل البحرين وخارجها بشغف حنون وبتقدير وإحترام لهكذا نوع من الإبداع الفني .

حبيبتي ،
وأنتِ تغرقينَ في بحيرةِ الأحلامِ والعطورِ
والدفءِ والصفاءِ والسكينة،
هل تذكرينَ فارساً غيبهُ الليلُ عن المدينة؟
محملاً بأجمل القصائد
حبيبتي ،
وأنتِ تنعمينَ بالأماني في فراشكِ السعيد
تذكري مُحبكِ البعيد
يصارعُ الرياحَ والقراصنة،
ويغزلُ القمصانَ للربيع .
وهاتفاً من صوتكِ الحنون،
يزرعُ داخلي طحالبَ الجنون،
وشمسُكِ الدافئة البعيدة ،

واللهفةُ الجامحةُ العنيدة
“سعيرُها يظلُ في أوار
معزوفتي الضامئةُ الأوتار”
حبيبتي،
ورغمَ ما في قلبكِ الصغيرِ من جفاء
ورغمَ ما تُبدينَ من دلال،
يا أجملَ النساء ،” يا أقربَ الأحباب ، يا أجملَ الورود”
تذكري مسافراً غابَ عن الوطن،
ففي غدٍ يعود ، وفي يديهِ باقةً من الورود.


كُتبت خلال السنوات الأربعين الماضية العديد من قصائد الحب الوطنية المعبرة ، صاغتها قريحة شعراء البحرين وأدباءها . و لكن يبقى أن هناك قصائد وأناشيد غنائية لُحنت ، وبقية أسماء كُتابها ومُلحنيها في طي الكتمان لأسباب كانت أمنية بحته.
ومثالٌ على ذلك إنشودة “يا درة الخليج” من كتابات الشاعر الشهيد سعيد العويناتي أثناء دراسته ببغداد ومن ألحان الفنان العراقي المبدع جعفر حسن والتي تقول :

يا درة الخليج يابلادي
يا شعلة الخليج يابلادي
يا حلوة النبال ، هيا إلى النضال
بالدم والفداء ، هيا إلى الكفاح ، يا بلادي
نقتحم السجون والمعاقل ،
ونكسرُ السلاسل
لأننا كالطود ، كالبناء ، كالمعاول
يا حلوة حفرتها بالدم في شوارع المحرق القديمة
يا حلوة حفرتها بالدم في شوارع المنامة القديمة
بالدم في المصانع ،
بالدم في المعاقل ،
يا حبيبتي ،
يا شعلة الخليج يا بلادي،
البحرين


كان للإتحاد الوطني لطلبة البحرين فرع الكويت أبان السبعينيات دور مميز في العطاء الوطني ، إنعكس بالإيجاب على الإبداع الفني في البحرين، وساعدت بيئة الكويت الرحبة في السماح لنموه ، وأثمر هذا النشاط الفني مبدعين في الكتابة والتلحين والأداء مثل خالد الشيخ ومحمد يوسف ويوسف الحمدان و أحمد العجمي وعلي الديري ويعقوب يوسف ، وعيسى جعفر ، ومريم زيمان ، والكثير من المؤدين والمشاركين في اللوحات التعبيرية للأبريتات ، سواءً بأدائهم الفردي أو ضمن فرق العروض والكورال . إذ ساهمت تلك الطاقات و بحماس شديد ، في صنع وأداء قوالب الأغنية الوطنية بتنوع أشكالها الأدبية والفنية.وقد شملت مساهمات لعناصر نسائية ورجالية أعطت للأداء الفردي والجماعي زخم وعنفوان يعز علينا حضوره و نفتقد الآن نكهته.

أثمر النشاط الفني لطلبة البحرين – فرع الكويت ثماراً تبعث بالفخر والإعتزاز ، وكان لتجربة محمد يوسف وخالد الشيخ في البوم عذاري و المجموعتان التان تلته ، ريادة وحضور مؤثر في رسم وتوجه الأغنية الوطنية في البحرين ، ومن المؤسف توقف تجربتهما المشتركة عند ذلك الحد . كما ولتجربة يوسف الحمدان في كتابة الأبريت الغنائي و تعاونه مع علي الديري ومريم زيمان في تلحين وأداء كلماته ، وإن إقتصر ترديدها وسط حلقات ضيقه ، و في عروض الحفلات الطلابية ، إلا أنها أكملت صورة النضج الفني الذي تحلى به هذا الوسط الطلابي بحيويته وولاءه للوطن .
وأدعوكم الإستماع إلى جزء من هذين النموذجين :

أقدم لكم نموذجين :
1- “وطني أوال” من كلمات الشاعر أحمد العجمي – الحان الفنان يعقوب يوسف

وطني أوال ،
وطني الذي قد غردت له الطيور ،
وسجل التاريخ أسماء له ،
فوق السماء ، في النخيل ، وفوق أمواج البحار
وطني أوال ،
يا تراب الغد الخطيب
يا شمسنا لن تعرف المغيب
عندما نحتضن ، وتضحك الزهور في موسم الربيع
أمي ويا قبلتي في الحياة
سأحميكِ من غارة المعتدي
وأدفع عنكِ جيوش الغزاة
وأعطكِ يدي
إننا نفديك أرواحنا
لنوقد الأمل ، ونسقيكِ الدماء
وقطرة المطر
فأنتِ حبنا

أداء:فرقة صوت عذاري

نموذج 2:
– “في ظلام الليل” من كلمات الناقد يوسف الحمدان – الحان الفنان علي الديري

في ظلام الليل ،
في أحلك ظلام ،
إنتظرنا يا أوال فرحة عرس
تجعل الليل نهار ،
شمسهُ لا تغربُ
نورها في كل دارٍ ، في الظلامِ ساطعٌ
إنتظرناها سنين ، دون يأسٍ أو كلل
إنتظرناها وقلنا ،
كل صعبٍ قد يهون
إنتظرناها وكنا ننتظر صوت البشير
إنها فرحةُ عرس ، فرحة الطير الطليق
إنها قبلةُ حب ، قبلةُ الشوقِ الكبير
إنها دارُ سلام ، للطريدِ والغريق
كيف ننساها ونحن قد نسجنا ثوبها ؟
كيف نهجرها ونحن قد فتحنا بابها ؟
كيف نهلكها ونحن قد صنعنا زادها ؟

فقريباً سيزولُ كل الضباب
وقريباً ستهون كل الصعاب
وتطوف الفرحة في كل البقاع
سيدوي الفجرُ حتماً صادحاً،
اليومُ زفاف ، اليومُ زفاف.

وأستمر نشاط هذه الكوادر الفنية في هذا النوع من الإبداع بعد عودتها الى البحرين من خلال فعاليات المسارح و الأندية الوطنية ، وأثمر تجارب مميزة ، لها أهمية كبيرة ضمن مسار الأغنية الوطنية في البحرين .

وكان لفرع القاهرة العنفوان والفعل نفسه . وقد ساعد وجود عدد من الطلبة المتخصصين بدراسة فنون الموسيقى ، في الخروج بإبداعات فنية ذات قيمة عالية ، تركت أثرها الواضح على الأغنية الوطنية في البحرين ، تكللت بصدور ألبوم سلس ومحبب لاذن المستمع في الخليج عامة ، وفي البحرين على وجه الخصوص . وهو
ألبوم “مشموم وين الشعر” من ألحان وأداء الفنان المبدع أحمد الحداد ، ومواويل الشاعر علي عبدالله خليفه ، من ديوانه الرائع “عطش النخيل”. أغانٍ تلقفتها الآذان وأحسنت الإصغاء لها . حلق بها الحداد عالياً ، ولا زال الحداد يحلق في فضاء واسع !.

كما كأنت هناك أغانٍ تكتب وتلحن ، تُرادِف في تناولها ما شاع بين الوسط الطلابي بالكويت من إهتمام بالأغنية الوطنية . ساهمت كوكبة من الموهوبين في صنعها ، مثل محمد باقري ، وحسين الموسوي ،وعيسى ملكة ، وإبراهيم عيسى العلوي ، وحسين الحليبي ،وبسام الذوادي ،ويونس علي أحمد ، وهدى عبدالله ، ، وعبد الرحمن حسين ، وخليفة زيمان وغيرهم من المهتمين بالإضافة إلى المساهمة الفعالة والناضجة للفنان اليمني المتميز جابرعلي أحمد .

وهذه بعض النماذج :

أرضنا تلد الأسود
شمسنا ، شمس الخلود
ليلنا وعود ،
في بيوت الكادحين ،
يسرقون العدى المنام
يسرقون الإبتسام
يا بذور الشر موتي
يا جذور النخل عيشي
لنسيم الإنتقام
مارس يا أمل الطريق
أنت للشعب دليل
والدرب طويل

من كلمات إبراهيم عيسى العلوي
لحن أوربي ، إعداد موسيقي : محمد باقري

أن أموت وتبقى عاليا يا نخل موطني المجيد
تلك قسمتي التى لها أبقى أو أباد
شعبنا المعطي الأبيُ
صامداً كالطود كالحديد
ياحثاً عن عالماً زاهياً وطناً سعيد
النضال الصعب دربنا لغد زاهر جديد
إرهابهم لن يخيفنا ،
نحن أقوى،
ولن ، ولن نحيد
جرحنا إن طال شافيا ، حين تنزاح القيود
لنغني ما إستطعنا ، لندع صمودنا يزيدُ
أوالاً يا زهرا بقلبي يا حبي الوحيد
إننا دما وروحا نبني الصرح العتيد
ليظل الفجر دوما مشرقأ
لشعبك العنيد

كلمات وألحان : من داخل البحرين
تنفيذ طلبة القاهرة

بحرين يا أم النضال العنيد وراية السلام
يخوض غمار الصراع المجيد عمال ، أحرار
كل الشعوب في يوم التضامن حية النضال
في موطني حية الكفاح
لا لن نهاب تلك الزنازن ،
لا لن نخاف تلك السجون
بحرين يا أم النضال العنيد وراية السلام
يخوض غمار الصراع المجيد عمال ، أحرار
نحن الشبيبة ، نرقب الشروق
اليوم قريب ، نرقب الشروق
المعتقلون شعلة الوطن تنير طريق نضالنا العظيم
بحرين يا أم النضال العنيد وراية السلام
يخوض غمار الصراع المجيد عمال ، أحرار
كلمات : ؟
من ألحان حسين الموسوي


بلادي أوال يا شعلة النضال ،
يازهرة الحياة ، وعزة الجلال
قاومي الظلام ليأتي الضياء ،
جففي الدموع وعانقي السماء
غني للجذور وحدي الجموع ،
أحضني الورود أوقدي الشموع
في ذكر شباط يرفرف الحمام
وتنشر الطيور تحية السلام
جبهة التحرير قلعة الصمود
زيتونة الربيع ومنبع الأسود
كلمات : حسين الحليبي
من الحان : جابر علي أحمد

ياتربتي، يا موطن الحق يا نور الحياة
ياتربتي، يا غدير الحب يا سر الحياة
غايتي ،أعشق فيك أهلك الطيبين
نور سماك والطبيعة ،
أرقي في الليل وانتِ حزينة
بذركِ دموع الصبر الحزينة
لن يطول الليل يا موطني
لن يطول يا قلعة الحياة
هاتفاً جاء ينادي للحياة
ويقول سيظهر الشروق
سيعود نسيم الحب ،
سيظهر الشروق

كلمات ؛ ؟
من الحان حسين الموسوي

أما تجاربي الشخصية مع هذا النوع من الأغاني والأناشيد فقد بدأت مع مشاركتي الفنية في أنشطة نادي الجيل الثقافي والرياضي بالمحرق بين 70-1974. ولا زلت أذكر أحد المنلوجات التي كتبتها مستعيناً بموسيقى للحن تركي معروف ، والذي سمعته كذلك يغنى بكلمات إيرانية . وجاء كالتالي :

طق المطر يا خالي ،
طق وخرب لي داري
رحت آدور على اسميت ،
قالوا لسميت أو غالي
جم مرة آروح السوق تدري أيش جرى لي
آشوف لسميت للتجار شحنوا لواري
وآنة بقيت لي نص كيس بارقع داري
قالوا لسميت مب ارخيص يا خالي

خلال دراستي في بغداد 1974 – 1977 كانت أهم تجربة لي مع الأغنية ، هي تلحين قصيدة ” دمع الدفاتر حبر ” التي كتبها الشاعر العراقي كاظم الرويعي ، يرثي فيها صديقه وزميل دراسته الشاعر الشهيد سعيد العويناتي . القصيدة التي نزلت على الصفحة الأولى من جريدة “طريق الشعب” ببغداد بعد أيام من إستشهاده. و التي جاء نصها يقول :
إلى الشاعر الشهيد سعيد العويناتي
الشاعر: كاظم الرويعي الحان : سلمان زيمان بغداد – ديسمبر 1976

دمع الدفاتر حبر … أو مرن إطيوفك
أو صبر المنابر شعر … من تشتهي شوفك ..
يا لعابر الظلمة .. الجبين هلال …
بالسيف جفك فتح مستقبل العمال ..
موال …
غناك النفط .. موال ..
وأنتشر صوتك ..
على سيف الرمل شلال …
وأفتحت باب الشمس ،
بالليل ..للأجيال …
أوما بين نشيده أو نشد ..
أبلونك نشوف الكاع …
يمسافر أويه الزلم ،
راية .. أو بحر .. واشراع …
تصرخ ، هلي .. يا هلي ..
الساعة تدك الساع ..
تعله الثعالب لون … تخله الفله أمن أسباع ..
أو لاكيتك أبهيبتك ،
أتعبر السفن بحرين ..
باجر أبعينك يشع ،
وأبدمك البحرين …
أو خافوا هتافك يصل ..
أو تكبر أجراس العمل …
أو حفروا أبدمك نهر ..
لن الدمه ياقوت !!
أو غنت صداك الأرض .
والصوت يشبك صوت …
ولسه ترن جلمتك ..
وأتظل ترن جلمتك ..
لجل الحياة انموت … لجل الحياة انموت …

ثم عدتُ الى البحرين في منتصف العام 1977، حيث تم منع عدد كبير من الطلبة الجامعيين وحرمت معهم من العودة الى كرسي الدراسة ، ومن مغادرة البحرين عندما سحبت جوازات سفر مجموعة من الطلبة الدارسين بالخارج.
وكان للأغنية حينها حضور ، يجبر الخواطر ،ويشد من الأزر . وقد يعتري النصوص بعض الركاكة اللغوية ، إلا أن لها فعلٌ كان ، ودور وطاقة إستطاعت أن تبوح بها ،وتنجزها بجدارة . وهي تفصح عن مرحلة ، ومثال لمستوى الأغنية والإنشودة في تلك الحقبة.

خلينا نغني يا طالب ياللي ممنوع من السفر
ما بتقدر كل فعايلهم تسد زخات المطر
خلينا نغني ، ونصمد هذا مو أول قهر
إحنا يا ما غيبوا عنا أهل مثل القمر
أصمدو اشكد ولا زالوا ينشدون الفجر
صج يا طالب خلوا الديره سجن
مطاردين بكل ممرات أو ركن
لكن إحنه يا ما علمنه الصبر
والأمل يكبر في كل طلة حزن

ثم كتبت أغانٍ للعمال والشبيبة ، ضاع بعضها بالكامل في قاع الذاكرة ، وبعضها أحتفظ بالألحان ، وتهرب مني أجزاء من بناءها النصي .
وهذه نماذج من المحفوظ في الذاكرة:

للشبيبة حبي يكبر
كلمات وألحان سلمان زيمان / 1977
للشبيبة حبي يكبر ، وتكبر الفرحة معاه
رحت آدور عن قمرنا ، شفت الشبيبة سماه

في كل فريج في كل دار
زرعنا أملنا أمطار

في المنازل ، والمصانع
في المقاهي ، والشوارع

ورودنا تنثرعطرها في كل حارة
وعند كل دار

********************************

يا شبية يا حبيبة ، توحدي لأجل أوال
شمسنا شمسٌ فريدة ، إتوهج دروب النضال

وحدة هدف وحدة دار
نحمي بلدنا بالنار

تعلى الراية الأبية
راية الوطن لا للطائفية

طيور بلدنا غردت لحن الشبيبة
عند كل دار


أشدب الحلوين بيَّن كلمات وألحان سلمان زيمان / 1977
أشدب الحلوين بيَّن ، هبوا يلَّه للنضال
شمس وسلام ،
قوة ما تنام ،
عزم ما يتعب ،
كلما توصلني هدية ، من أشدب إتلامس إيديَّ
أشيل للعالم وصية ، هبوا يلَّه للنضال
*********
وزعوا كل الشبيبة
وافرحوا أهل الجزيرة
اليوم مجلتنا العزيزة
بشارة عمر وانتصار



عمالنا ، أمل أطفالنا
كلمات وألحان سلمان زيمان /1978
عمالنا ، أمل أطفالنا
هاتوا اكفافكم تعالوا نصنع الوحدة بحديد
هاتو اشفاهكم وقبلوا جبهة الحزب الجديد
حيوا معانا الرفاقه ،
في موسكو وامريكا ، والمنامه
وهللوا للعمال ، في إنتفاضة العمال
ياهلا بالعمال ، ياهلا بالعمال
عمالنا ، أمل أطفالنا
هاتوا اكفافكم تعالوا نصنع الوحدة بحديد
هاتو اشفاهكم وقبلوا جبهة الحزب الجديد
إحنا شعلنا على لشموع ، شمعة
معاهم حمامة ، شاعر ذا إرادة
وهللوا للعمال ، في إنتفاضة العمال
ياهلا بالعمال ، ياهلا بالعمال


وتنوعت مواضيع الأغنية الوطنية يتجربتي ، أما آخر أغنية كتبتها ولحنتها فكانت في في سبتمبر من العام الماضي 2004 وجاءت رثاء للشهيد الطبيب هاشم العلوي ويقول نصها :

يا ساكن في هواك
***
صوت الوطن ناداك
خذت الفرح وياك
***
يا ساكن في هواك
خليتني في البردِ والونّات
واشعلت في القلب نار وكيات
***
يا ساكن في هواك
مرج النخل يهواك
ورد الثرى غناك
***
يا ساكن في هواك
يا مسيِّر الروح ، هاشم يا دانات
للوطن راية ، وحرية ، وحكايات
***
يا ساكن في هواك
مرج النخل ناداك….
هاشم لا ما ننساك ….
كل القلوب تهواك ….
لا بالله ما نسلاك …
ورد الثرى غناك …..



يطول الحديث ويذهب عميقاً ، حتى يفي كل التجارب المترامية الأطراف في هذا الحقل. وما تقدم ليس إلا موجز ومقتطفات من رحلة أعنيتنا الوطنية في البحرين ،أتمنى أن يجتهد الجميع في حفظ وتوثيق ما لم يزل باقٍ منها في الذاكرة ، وتحفيز ذاكرتنا لاستعادة ما ترسب في قاعها بفعل الزمن الأغبر، حفاظاً على ممتلكاتنا الثقافية والوطنية .


سلمان زيمان  

ترك الرفيق سلمان زيمان تراثاً سيبقى

=

أربع دندنات حول إلتماسات الوجهاء ومناشدات النواب – 3

الدندنة الثالثة :  المزاح المتاح في البرلمان

حين وصل أعضاء مجلس النواب الحالي إليه كانوا يعرفون أن مجلسهم شكلي وأن الدور المطلوب منهم أن يؤدوه لا يتعدى المساعدة في إضفاء هالة “الشرعية” على النظام. فهذه هي الحقيقة التي عرفها من قبل جميع من شاركوا في المجالس النيابية السابقة بعد إصدار دستور 2002 .

فحسب ذلك الدستور أعطى الملكُ لنفسه سلطات تصل إلى مستوى السلطات المطلقة التي كان يتمتع بها سلاطين وملوك عهود الاستبداد في القرون الوسـطى. فملك البحرين حسب دستوره هو “رأس الدولة، والممثل الأسـمى لها ، وذاته مصونة لا تُمَس، وهو الحامي الأمين للدين والوطن ورمز الوحدة الوطنية”. وللملك حق التصديق على القوانين، كما أن له حق إصدار ما يشاء منها أو تعديلها بمراسيم ملكية وقتما يشاء.  وفوق ذلك حصر دستور 2002 في يد الملك وحده صلاحيات تعيين رئيس الوزراء والوزراء والسـفراء والمحافظين والقضاة وأعضاء مجلس الشـورى وأعضاء المحكمة الدسـتورية ومحافظ البنك المركزي وقادة القوات المســلحة و الأمن والحرس الوطني إلى آخر ماهو قائم وما قد يستجد من وظائف عليا.

لقد كان واضحاً من مجريات النقاشات التي جرت تمهيداً للإستفتاء على “ميثاق العمل الوطني” 2000-2001 أن العائلة الحاكمة لم تكن ترغب في أن يتولى المجلس النيابي المنتخب مهمات التشريع أو الرقابة على السلطة التنفييذية أو مساءلتها. ومع ذلك لم يستطع من صاغ الدستور أن يضمِّنه مواداً تنص صراحة على منع مجلس النواب من محاولة التاُثيرعلى السلطة عبر تشريع القوانين وعبر مراقبة السلطة التنفيذية ومساءلتها. فلجأت السلطة إلى وضع الكثير من المعيقات السياسية والإجرائية التي جعلت البرلمانات المتتالية منذ 2002 وحتى الآن تفشل في أن تُؤَثر أو تُراقب أو تُسائِل أو تُشرِّع.

من بين المعيقات السياسية التي أسهمت في ذلك الفشل وإستمراره هي التفاهمات المعلنة وغير المعلنة بين العائلة الحاكمة وممثلي مختلف التعاضديات ذات الـتأثير. تمت بعض تلك التفاهمات عبر المكرمات والعطايا أو عبر صفقات المقايضة السياسية. وجرى تسويق تلك التفاهمات تحت رايات عديدة تباينت شعاراتها: “طاعة ولي الأمر” و”درء المفاسد ودفع الضرر” عند أطراف، و”وحدة إرادة الملك والشعب” و”المحافظة على إستمرار وتيرة عجلة الإصلاح السياسي” عند آخرين. إلا أن تباين الشعارات لم يؤدِ إلى إختلاف فوائدها السياسية وغير السياسية على من رفع تلك الرايات وعلى السلطة.

بقوة تلك التفاهمات إبتدعت السلطة منذ 2002 “أعرافاً برلمانية ” جعلت مهمات التشريع والرقابة والمساءلة خارج صلاحيات مجلس النواب. وحسب هذه الأعراف صار بإمكان المجلس النيابي في البحرين أن ينشغل بما يشاء من شئون فيما عدا التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية ومساءلتها. وحتى في تلك الشئون التي يُسمح لأعضاء مجلس النواب الحديث فيها فثمة حدود لا يمكنهم تخطيها. وهي حدود تفصلها نصوص وتفسيرات اللائحة الداخلية لمجلس النواب التي صاغتها الحكومة لهم وصدر بها مرسوم ملكي. أما حين يتجاوز نائبٌ/نائبة، عمداً أو سهواً، أحدَ تلك الحدود فعليه مواجهة تقريع رئيس المجلس وإمتعاض السلطة

الحاصل، أن شروط العمل النيابي قاسية وتفرض قيوداً مشددة على حركة النواب في حال أرادوا ذلك. وفوق ذلك فعلى النواب أن يتقبلوا من جهة إستخفاف الوزراء بهم وسخرية ناخبيهم منهم. رغم ذلك يحاول بعضهم أحياناً أن يفعل شيئاً.

ولهذا قد يجد نائبٌ/نائبة أسبابأ تدفعهما إلى توجيه إستفسارٍ لوزير حول شأن من شئون وزارته وخاصة إذا كان الوزير من غير العائلة الحاكمة. ولكن تقديم الإستفسار لا يضمن الحصول على إجابة. حينها قد يصِّر النائبُ/النائبة على مواصلة المحاولة فيسعى لتحشيد آخرين من زملائه لإستجواب الوزير المعني.

إلا أن السلطة لا تقبل تعريض وزير/وزيرة إلى الإستجواب. فما تزال ماثلة في أذهان كبار العائلة بمن فيهم الملك وعمّه رئيس الوزراء موقف أعضاء مجلس الوطني 1973-1975 الذي أجبر وزير العدل وهو كان من كبار العائلة الحاكمة على الإستقالة بسبب سوء تصرفاته وتجاوزاته.

تعرف السلطة أن لمجلس 1973- 1975 ظروفاً وتركيبة ومعطيات تختلف عن ظروف وتركيبات ومعطيات المجالس النيابية التي تشكلت في ظل دستور 2002 الملكي. رغم تلك المعرفة فهي لا تريد المخاطرة بترك الحبل على الغارب حتى ولو كانت واثقة تماماً من سيطرتها على آليات عمل المجلس وعلى أعضائه.

 نعم، قد تمازح السلطة النواب حول أمور كثيرة إلا أن الإستجواب هو من الأمورالتي لا مزاح فيها. ولهذا ولكي لا تُحرج الحكومة، أدخل مجلس النواب بنفسه تعديلاً على لائحته الداخلية لا يسمح بإستجواب وزير أو وزيرة إلا بعد سلسلة من الإجراءات المعقدة من بينها موافقة لجنة خاصة تقوم بـ “فحص جدية الإستجواب”. وحتى الآن لم تجد اللجان المتتالية جدية في أيٍ من محاولات النواب لإستجواب الوزراء.

وهكذا فلا غرابة ألا يجد النواب في البحرين وسيلة لتمضية الوقت سوى الدخول في نقاشات ومعارك كلامية في الجلسات العامة وفي قاعات اللجان المتخصصة. ينقل الإعلام الرسمي بعضأ من النقاشات ويشير إلى تلك المعارك. ومن جهتهم ينقل النواب المعنيون عبر وسائل التواصل الإجتاعي أجزاءَ حماسية من مداخلاتهم في تلك الجلسات لطمأنة قلوب مناصريهم وللتمهيد لإنتخابات قادمة.

من الإنصاف الإشارة إلى أن بعض تلك النقاشات والمداولات تتمخض أحياناً عن تشكيل لجان تحقيق في هذا الموضوع أو ذاك. وخاصة إذا كان المقصود بالتحقيق وزارة “غير سيادية” ولا ينتمي وزيرها إلى العائلة الحاكمة. بعد ذلك تأخذ لجنة التحقيق ما تحتاجه من وقت. فقد تحتاج أسابيعاً أو شهوراً قبل أن يكتب الموظفون والمستشارون تقريراً تتم مناقشته حسب الأعراف السارية. فيفرح الجميع.

و يبلغ الفرح، أحياناً، أقصى مداه حين يتمخض تقرير لجنة التحقيق والماقشات حوله عن توصيات يتم التصويت عليها. لهذا أصبحت التوصيات النيابية هي غاية المنى. بل هي قمة العمل البرلماني. فبتلك التوصيات يستطيع النائب/النائبة المفاخرة أمام الناس تمهيداً لترشحهما في إنتخابات القادمة. يكرر النائب/النائب المفاخرة بالتوصيات حتى مع علمهما أن السلطة لن تأخذ بتلك التوصيات ولن يتولد عنها تغيير تشريعي أو إداري.

تتضمن “الأعراف البرلمانية” السارية منذ 2002 وخاصة حين يكون موقع الوزير/الوزيرة المستهدف متدنياً في الهرم الوزاري أن يقوم النائب/النائبة بإصدار بيان مختصر يعبر عن غضبهما ينشرانه عبر وسائل التواصل الإجتماعي. . وفي حال توافرت مواصفات معينة في النائب أو في الوزير المستهدف فقد تقوم الصحف الرسمية بنشر البيان. إلا إن “الأعراف البرلمانية” تحصر صياغة البيان الغاضب في قوالب معروفة. فهو قد يأتي في صورة أسئلة متتالية موجهة للوزير حول قضية عامة من قبيل “ألا تعلم أن التركيبة السكانية قد تغيرت….؟”. أو قد يأخذ شكل تهديد مبطن من قبيل “سوف نشكل لجنة تحقيق…” أو “سوف نتوجه إلى تقديم سؤال نيابي….”.

المناشدات و إستكمال اللعبة البرلمانية

حين تفشل محاولات منع الوزير من الإستخفاف بأسئلة النائب/النائبة وتوصياتهما وبياناتهما فلن يجدا مفراً من أن يُشْهرا عليه أخطر الأدوات العمل البرلماني المتاحة لهما. ويأتي هذا السلاح في صورة مناشدة يقفز بها النائب/ النائبة فوق رأس الوزير ليوجهها مباشرة إلى رئيس الوزراء أو ولي العهد أو إلى الملك نفسه.

ليس بعد المناشدات الموجهة لواحدٍ من ثلاثي “القيادة السياسية” مجالٌ للمزاح. تختلف مواضيع المناشدات من أمور الصحة أو البيئة إلى التوظيف إلى الخدمات إلا إنها تأتي في قوالب جاهزة تتقبلها السلطة. فلابد من توجيه المديح ل “القيادة السياسية” ولا بد من التأكيد على الثقة في حكمة القرارات التي ستتخذها بعد قراءة المناشدة لها “بالتدخل الحاسم في قضية (… إملأ الفراغ…) وإعطائها بعدها الوطني وبما تستحقه من جدية وألا يترك مصير (.. إملأ الفراغ…)  في أيدي متنفذين يمارسون نهجاً مدمراً على أسس أصبحت مكشوفة للجميع

أعطت “المناشدات” التي يوجهها النواب إلى السلطة في وسائل الإعلام وعبر وسائل التواصل الإجتماعي بعداً إضافياً للتكاذب كأداة لازمة من أدوات العمل السياسي في العهد الملكي. يعرف النائب/النائبة حين يكتبان مناشدتهما أن “القيادة السياسية” هي نفسها التي رسمت السياسة العامة وإتخذت القرارات التي يشتكي النائب/النائبة منها. بل هما يعرفان أيضاً إن “القيادة السياسية” هي التي إختارت ذلك الوزير وطاقمه لتنفيذ سياستها ومتابعتها. ولكن النائب/النائبة يتظاهران إنهما يجهلان ذلك كله فلا يشيران إليه. من جهتها تعرف “القيادة السياسية” أن النائب/النائبة يلعبان دورهما البرلماني حسب شروطها. وهي تعرف أن أقصى ما يريدان هو الدخول مع الوزير في معركة كلامية ينقلها الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعية.

بعد جهودٍ شاركت فيها مجالس النواب المتتالية منذ 2002 إكتملت شروط اللعبة البرلمانية في البحرين. وصار من حقوق النواب المكتسبة مماحكة الوزراء من خارج العائلة الحاكمة ضمن حدود ضيِّقة تقررها الأعراف البرلمانية واللائحة الداخلية والتفاهمات التي أوصلت هذا النائب أو تلك النائبة إلى المجلس. تزداد تلك الحدود ضيقاً في كل دورة برلمانية وتتقلص جراء ذلك قدرة النواب على تحقيق إنجاز حفيقي في قاعة المجلس النيابي وعن طريق إستخدام الأدوات المتاحة لتشريع القوانين والرقابة على السلطة التنفيذية ومساءلتها.

بسبب قلة إنجازات العمل البرلماني يواجه النواب صعوبتيْن. الأولى هي إقناع الناس بجدوى بقاء المجلس النيابي بالشروط الذي تكبله بها المراسيم الملكية والأعراف البرلمانية التي أُستنت طبقاً لدستور 2002. الصعوبة الثانية هي إقناع الناخبين بجدوى إعادة إنتخابهم بالذات وهم الذين إرتضوا أن تتحكم السلطة التنفيذية ومن خلفها الملك وعائلته بقراراتهم وصلاحياته

لمواجهة هاتيْن الصعوبتين يتحاشى النواب الحديث، ناهيك عن العمل، عن تعديل الدستور الملكي وإلغاء القيود التي تفرضها المراسيم الملكية المتتابعة بما فيها اللائحة الداخليةعلى العمل البرلماني.   بدلاً من ذلك ترتفع بورصة المناشدات التي يطلقها النواب فرادى أو جماعات لتتناقلها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي. على أمل أن يظن الناخبون أن نائبتهم/نائبهم قد حاولا أن يفعلا شيئاً. ولقد رأينا كيف أصبحت المناشدات، وليس التشريع والمراقبة، ملاذاً يستطيع النواب اللجوء إليه كلما تمادت السلطة في إستبدادها وكلما وصلت إلى قمتها مشاعر الإحباط والغضب بين الناس.

أربع دندنات حول وإلتماسات الوجهاء ومناشدات النواب – 2

دندنة ثانية:

هشاشة الوجاهة في العهد الملكي  

لم تعدْ أحوال الوجهاء في العشرين سنة الأخيرة كما كانت في السابق. بل يمكن القول دون مبالغة أن أحوال الوجهاء في البحرين الملكية صارت أحوالاً يُرثى له  بمقارنتها بأحوال أمثالهم في بلدان الخليج الأخرى. أو حتى بمقارنتها  بأحوال ونفوذ الوجهاء قبل العهد الملكي. 

كان لشريحة الوجهاء في الماضي دورٌ أساسي في ضمان إستقرار حكم العائلة الحاكمة في البحرين. فلقد  كانت العائلة الحاكمة تتتعاطى في غالب الأحوال مع الرعية عبر وســطاء ’معجومين‘ موثوقين في كل طائفة وقبيلة ومنطقة.  وكان للوجهاء مراتب مختلفة حسب قربهم من كبار العائلة الحاكمة وأصحاب القرار فيها. وكان كل وجيه يعرف مرتبته ومجاله وحدوده فلا يتعداها.  كما كان يعرف إن وجاهته مؤقتة ومشروطة برضا العائلة الحاكمة وبمقدار حاجتها لدوره في خدمتها. 

ومع ذلك كان للوجيه هيبة في نظر الناس الذين ينتظرون منه السعي للإهتمام بشئونهم وتخفيف معاناتهم.  فكان متاحاً للوجيه أن يتوسط لدى هذا المسئول أو ذاك لصالح جماعته لتوفيرمكرمة في شكل وظيفة أو سكن أو تأجيل ديْن وما إلى ذلك مما يحتاجونه من خدمات.  مقابل ذلك على الوجيه ضبط تابعيه وتصبيرهم بمختلف الطرق بمافيها أن يبشرهم بين الحين والآخر إن الشيوخ أبلغوه السلام وقالوا  “يصير خير”. وحين تفلت الأمور من يد وجيهٍ  لأيِ سبب من الأسباب يستبدله ولاة الأمر بأحد إخوانه أو بأحد أبناء عمومته، وأحيانا  بغيره من طائفته أو قبيلته أو منطقته. 

كان “تدوير الوجهاء” أحد أبرز سمات الحكم لفترة إمتدت منذ 1869  أي منذ أن فرض البريطانيون الإستقرار في البلاد بعد إستدعائهم عيسى بن علي من الزبارة لتعيينه حاكماً على البحرين. بعدها وطيلة مايقارب القرن ونصف القرن كان “تدوير الوجهاء” أحد وسائل إستعادة الإستقرار وتثبيته كلما حصل تذمر بين أفراد طائفة أو قبيلة أو منطقة.  وطيلة تلك الفترة أيضاً تعوَّد الوجهاء، من كل طائفة وقبيلة ومنطقة، على قبول حق العائلة الحاكمة في إستبدالهم بآخرين. وما كان لهم ألا يقبلوا  بعد أن أخذوا العبرة تلو الأخرى مما أصاب وجهاءً تمرَّدوا فجُرِّدوا من أملاكهم وتم تهجيرهم من البلاد إما طوعاً أو بمساعدة سلطة الحماية البريطانية.  

مع بداية العهد الملكي وخاصة في أثناء فترة تحضير ميثاق العمل الوطني برزت مؤشرات لتغييرات ستطال دور الوجهاء التقليديين بإتجاه تقليصه وليس إلغائه تماماً.  وأخذت تلك المؤشرات تتبلور شيئاً فشيئاً  بعد الإستفتاء على الميثاق وخاصة بعد إنتظام دورات المجلس النيابي منذ 2002.  فمنذ ذاك  تبيّن الوجهاء التقليديون أن أجزاءً معتبرة من مبررات وجاهتهم قد بدأت  تتسرب من أيديهم لصالح فئات صاعدة من الوجهاء الجدد بمن فيهم أعضاء في مجلسيْ  النواب والشورى ونشطاء وناشطات المجتمع المدني وعدد متزايد ممن درجت تسميتهم/تسميتهن بـ “المؤثرين/المؤثرات” في المجتمع.  

وجد الوجهاء الجدد  في الجمعيات السياسية ومكونات المجتمع المدني بما فيها جمعيات حقوق الإنسان قاعدة ينطلق نشاطهم منها ويوفر لكثيرين منهم عزوة يفتقدونها.  خلال تلك الفترة إزداد إهتمام ثلاثي “القيادة السياسية” بتكليف عناصرمنتقاة من بين هؤلاء لأداء مهمات كانت مخصصة  في السابق للوجهاء التقليديين. 

تكررت في تلك الفترة الأمثلة على مكرمات قدمها الملك أو رئيس الوزراء أو ولي العهد  إلى مواطنين من خلال الوجهاء الجدد. ففي السنتيْن 2000-2002 تكفل الديوان الأميري، مثلاً،  بتمويل عدد من المؤتمرات والندوات وحتى الحفلات الموسيقية التي تولى الوجهاء الجدد تنظيمها عبر جمعياتهم السياسية وغير السياسية.     وبعد تدشين العهد الملكي في  2002  إزدادت المكرمات التي عُهد لبعض النواب من الطائفتيْن وغيرهم من الوجهاء الجدد توفيرها للرعية.  وصار متاحاً لهم أن يتوسطوا لدى القيادة السياسية  الجدد  لتوفير ما يحتاجه الناس من خدمات كتوفير سكن لمواطنٍ أو وظيفة أو مصروف علاج في الخارج. بل و حتى تمويل حفلات الزفاف الجماعي لمئات الأفراد في مختلف مناطق البلاد.

سوق الوجاهة: عرض وطلب

تدريجيا ولكن بثبات أخذت قوانين السوق تلعب دورها الإعتيادي.  فلقد إزداد المعروض في سوق الوجاهات وإزداد عدد الطامحين إلى دخولها وتعددت فئاتهم ومؤهلاتهم. فوجدت العائلة الحاكمة إنها غير مضطرة لحصر خياراتها في أبناء وبنات العوائل التجارية ولا حتى أبناء وبنات القبائل التي شاركتها غنائم فتح البحرين في 1783. 

أضاف العهد الملكي إلى سوق الوجاهة مئات الوجهاءالجدد بمن فيهم أصحاب أعمال عصاميين وأبناء وبنات الطبقة الوسطى في المدن والقرى ممن حصلوا على شهادات عليا من جامعات معتبرة في الخارج. ساهم هؤلاء في توسيع سوق الوجاهة وتعديد أبواب دخولها.  وهم وفروا أيضاً للعهد الملكي  مخزوناً لا ينضب من الكوادر الطموحة والأكثر تأهيلاً لتشغيل المؤسسات الجديدة التي تطلبَّها تدشين “العهد الإصلاحي”.  ومن بين العديد من  المؤسسات التي أوجدها العهد الملكي يبرز المجلس النيابي ومجلس الشورى بالإضافة إلى إمتدادات السلطة في المجتمع المدني والتنظيمات السياسية.

 رغم ذلك، ما كان البحرُ رهْواً، حسب عنوان كتاب مهم وثّق بعض بدايات تلك الفترة.  فالبحرين صغيرة ولسوق الوجاهة فيها حدود لا تتسع لجميع  الطامحين في الدخول إليها. وفوق ذلك تتقلص الموارد المالية  ومجالات النفوذ التي تستطيع السلطة إستثمارها فيهم أو تخصيصها لهم.   فخلال الدورات النيابية المتتالية منذ 2002 ، وحدها، دخل سوق الوجاهة  العشرات عبرعضوية مجلس النواب ومجلس الشورى. كما دخلها المئات ممن تم تجنيسهم وخاصة من ذوي المهارات الفنية والأمنية والعسكرية.

الحاصل إن سوق الوجاهة صارت تشهد تزاحماً بين الطامحين في دخولها  وتزاحماً أشد بين المتكالبين على البقاء في الصدارة  فيها.   بدورها تبيَّنت  السلطة أن من مصلحتها أن  تشجع التزاحم بين وجهائها بل وأن تؤججه  لما يتيحه لها من حرية أكبر في تدوير الوجهاء.  كما أن إشتداد التزاحم يعطي السلطة، رغم تناقص مواردها المالية،  قدرة أكبر على منع أي وجيه/وجيهة مهما إرتفعت مكانتهما من نسيان أنها صاحبة الفضل، وأن الأمر لها أولاً وأخيراً.   فليس مسموحاً لوجيه/وجيهة أن ينسيا إنهما  ما وصلا إلى ما وصلا إليه  إلا برضاها ولن  تبقى وجاهتهما إلا برضاها.

  ثم جاءت إنتفاضة دوار اللؤلؤة في 2011  وتبعتها تداعياتها المأساوية بما فيها ما حلّ بالبلاد وأهلها بعد إستدعاء القوات السعودية وإعلان حالة الطوارئ.  

وهنا لن أتعرض للأحداث الفظيعة التي شهدتها البحرين في فترة قمع إنتفاضة الدوار وما تلاها.  وهي فظائع تم توثيقها في كتبٍ وتقارير بحثية وإطروحات جامعية  كما وثّقها تقرير البسيوني الذي إستدعاه الملك نفسه فجاء تقريره بمثابة لائحة إتهام للسلطة.  عوضاً عن ذلك سأكتفي بالإشارة إلى أن من أبرز تداعيات إندلاع الإنتفاضة وتداعيات قمعها هو إقتناع ثلاثي “القيادة السياسية” بإنحسار تأثير الوجهاء القدامى والجدد على الشارع.   

ويبدو أن ذلك الإقتناع تطلب تشديد شروط القبول لدخول حظيرة الوجهاء.  فمنذ منتصف 2011  لم يعدْ كافياً لكسب رضا العائلة الحاكمة رفع شعارات “طاعة ولاة الأمر” أو “درء المفاسد” أو “وحدة إرادة الملك والشعب”.  

 يمكن الإشارة هنا إلى عددٍ من الإجراءات، غير المباشرة، التي إتخذتها السلطة لإبلاغ  الوجهاء بالشروط الجديدة التي يتطلبها إستمرار وجاهتهم.   فعلاوة على  إصدار الأحكام القضائية القاسية بحق عددٍ كبير من قادة المعارضة ورموزها ونشطائها بما فيها السجن لمدد طويلة  قامت السلطة بنفي وتهجير آخرين علاوة على  تجريد المئات  من جنسيتهم البحرينية.   كما قامت بفصل نشطاء المعارضة من وظائفهم وضيّقت على أصحاب الأعمال منهم.  ثم أتبعت ذلك بحل عددٍ من أهم الجمعيات السياسية.  ثم أدخلت تعديلات على القوانين السارية منعت بموجبها “قيادات وأعضاء الجمعيات السياسية المحظورة” من ممارسة حقوقهم المدنية. لا فرق هنا بين الترشح في إنتخابات نيابية أو المشاركة في ندوة متخصصة.  بإختصار صار على من أراد أن تقبله السلطة وجيهاً أن يقبل بشروطها المستندة على شعار “من هو ليس معنا هو ضدنا”. 

 لقد وجد الوجهاء الجدد خلال السنوات العشر الأولى من حكم حمد في الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني قاعدة ينطلق نشاطهم منها ويوفر لهم عزوة يفتقدونها.   إلا أن الأحوال تغيرت بعد 2011  حين أصبح  كل نشاط سياسي وإجتماعي مهما كان نوعه موضوعاً أمنياً يستوجب المواففة عليه وتحمل تبعاته.  وفوق ذلك فإن الأوضاع التي إستجدت بعد إنتفاضة دوار اللؤلؤة وإعلان حالة الطوارئ في 2011  فرضت على الوجهاء وخاصة الجدد منهم التنافس بأشكال أكثر فجاجة عما قبل.  وهنا تبرز أهمية مهارات الوقاحة والإبتذال والتزلف ويزداد التنافس على ما تسمح لهم “القيادة السياسية” أن يتنافسوا عليه.

أربع دندنات حول إلتماسات الوجهاء ومناشدات النواب – 1

دندنة أولى:

صحيفة الإلتماس

في نهاية الشهر الماضي نشرت الصحف المحلية تقاريراً تناقلتها وسائل الإعلام الأخرى عن قيام 150 شخصية برفع  ما سموها “صحيفة التماس” إلى الملك  يلتمسون فيها استمرار حزمة الدعم الاقتصادي التي طرحتها الدولة خلال الثلاثة أشهر الماضية. وكرر موقعو الإلتماس “أن توجيهات جلالة الملك والقيادة السياسية قد أثمرت تحقيق مزيد من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تسببت فيها جائحة كورونا”.

وإهتمت التقاريرالإعلامية بتكرار الإشارة إلى أن موقعي “صحيفة الإلتماس” هم  “نخب اقتصادية وأكاديمية  ومجتمعية ونواب وشوريون سابقون وقيادات رأي وقيادات مدنية وأعضاء مؤثرون في الشارع التجاري والمصرفي في البحرين”.

لم تُنشر قاائمة كاملة بأسماء الشخصيات التي وقعت ذلك الإلتماس. ولكن ما نُشر منها يضم بالفعل مجموعة من الشخصيات المعتبرة وذات الحيثية.  أعرف منهم عدداً وأعرف عن آخرين وعلى أساس هذه المعرفة لا أشك في أن حب الخير للبحرين وأهلها هو ما دفع غالبيتهم للمشاركة في توقيع ذلك الإلتماس.   إلا إن هذا القول لا يمنعني من النظر إلى تقديم “إلتماس” كأحد علامات درجة الإنحدار التي وصلت  البحرين إليه في العشر سنوات الأخيرة.  هم يعرفون إن العائلة الحاكمة تريد تعويد الناس على التخلي عن  المطالبة بالحقوق. وتريد تعويدهم بدلاً من ذلك على إلتماس المكرمات بإعتباره أسفل درجات الخنوع. ولكن ماذا تفعل نخبٌ موالية حين تجد أن  البرلمان ليس قادراً أو مؤهلاً وحين تجد تنظيمات المعارضة محظورة وجمعيات المجتمع المدني مكبلّة بقرارات  وإجراءات أمنية؟ في نهاية الشهر الماضي وجد هؤلاء أن لا حول لهم سوى توجيه رسالة إسترحام يلتمسون فيها أن تقوم “الدولة” بواجباتها.

في القائمة المنشورة أسماء عشرات الأكاديميين من العاملين في الجامعات ومن المحامين وغيرهم من “النخب المؤثرة”.   بل أن من بينهم الأمين العام للمنبر التقدمي الذي تمثله في البرلمان الحالي كتلة برلمانية من شخصين أحدهما في منصب نائب رئيسة المجلس.  

كشف تقديم “صحيفة الإلتماس”  مدى سوء الأوضاع في البحرين.  فها نحن نشهد كيف تُضطر النخب في 2020  إلى  العودة مائة سنة إلى الوراء بلجوئها إلى تقليدٍ إستخدمه أسلافنا في عشرينيات القرن الماضي.  وقتها كان الناس جميعاً “رعايا” لحاكمٍ خليفي تحميه سلطات الحماية البريطانية.  ولم يكن أمام قيادات المجتمع وسيلة لرفع الضيْم سوى تدبيج  الإلتماسات إما  لتخفيف عَسَـف سلطة الإستعمار أو لتخفيف عَسَـف الحاكم الخليفي.  

تغيرت الأوضاع في البلاد بعد أن وضعت أنشطة هيئة الإتحاد الوطني (1954-1956)  حداً لذلك التقليد.   ثم سارعلى نهجها جميع الأنشطة والتحركات التي قادتها فصائل الحركة الوطنية. وهي تحركات أسهمت في حدوث التغييرات السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي شهدتها البحرين طيلة السبعين سنة الماضية.       

إلا إن من الإنصاف أن ننظر إلى  إضطرار  النخب إلى العودة إلى تقليد “الإلتماسات” بإعتباره واحداً من تداعيات الأزمة السياسة/الأمنية التي تفاقمت منذ بدء العهد الملكي في 2002.  وهو مؤشر أيضاً على إنسداد كل المنافذ الأخرى لإصلاح الأوضاع في البلاد.  وإلا لمَ لمْ  يجد مائة (أو مائة وخمسون) من غير المعارضين ومن غير المشكوك في ولائهم وسيلة سوى  تقديم “صحيفة إلتماس” إلى الملك ” يلتمسون فيها مجموعة من الرغبات الوطنية التي من شأنها تخفيف العبء على عامة الناس والمؤسسات الغيرة والمتوسطة”.

من جهة أخرى، لا يمكن التقليل من مغزى سماح السلطة بتقديم ذلك الإلتماس ولا من معاني ضجة الترويج له في أجهزة الإعلام الرسمية.  فهو فعلاً  حدثٌ غير إعتيادي بسبب عدد موقعيه وخلفياتهم.  وفوق ذلك،  يأتي ذلك الإلتماس بعد تسع سنوات من قمع إنتفاضة الدوار في 2011 . فطيلة تلك السنوات الماضية تحاشي أفراد هذه النخب وخاصة “المؤثرون في الشارع التجاري والمصرفي في البحرين”  شبهات المشاركة في جهد جماعي يتوجه إلى السلطة مطالباً اً أو حتى مناشداً أو ملتمساً. 

سبق نشر ذلك الإلتماس وترافق معه قيام الإعلام الرسمي بنشر أخبار عن قيام أعضاء في المجلس النيابي بمناشدة “القيادة السياسية”  كي تتكرم بإعطاء توجيهاتها إلى هذا الوزير أو تلك الوزيرة لحلحلة معيشيةعالقة.  وتكرر أغلب المناشدات المديح التقليدي للتوجيهات التي تكرمت بها “القيادة السياسية” التي “لا تتوانى عن دعم المواطنين والإهتمام بقضاياهم المعيشية”.  وأحياناً يبالغ  النأئب المنافق في تزلفه  فيضيف أنه يستشعر “إهتماما مستمرا ومخلصا من قبل سمو رئيس الوزراء بكل ما يخص المواطنين ….على الرغم من عدم جدية وفاعلية بعض المسؤولين في أكثر من وزارة”.

لسوء  حظ من تفاءلوا وظنوا بالملك خيراً لم يتأخر رد “القيادة السياسية”  على إلتماس الوجهاء وعلى مناشدات النواب. فبعد أقل من ثلاثة أسابيع على تقديم ذلك الإلتماس وما رافقه من ضجيج المناشدات أعادت “القيادة السياسية” تأكيد ما ينكره الموالون لها.  أي أنها سلطة إستبدادية لا تقبل أن يتدخل أحدٌ من الرعية في شئونها.    

لا يستغرب من يعرفون شخصية الملك ألا يتعاطى  مباشرة مع مقدمي الإلتماس رغم أنهم من النخب التي لا يمكن إتهامها بمعارضة النظام.  ولا يستغرب  أيضاً  من يعرف التقاليد التي أُبتدعت خلال العقديْن الماضييْن  أن يكون الشحص الذي يخاطب  “النخب” في البلاط الملكي ليس الملك أو ولي عهدهأو عمه رئيس الوزراء  أو حتى وزير الديوان بل أحد موظفي ذلك الوزير.

بعد أيام من إستلامه إلتماسهم  إتصل الموظف بهم لطمأنتهم إنه أوصل  الإلتماس إلى وزير الديوان وإنه، أي الوزير، طلب منه إبلاغهم بأن “يصير خير”.  

لم تدم فرحة مقدمي الإلتماس طويلا.  فبعد أقل من ثلاث أسابيع على تسليم “صحيفة الإلتماس” و خلال أيام متتالية أتخذت “القيادة السياسية” ثلاثة قرارات ظالمة كان يمكن أن تستثير على الأقل غضب أولئك الوجهاء بشرّوا الناس بتكرارهم  وعوداً نقلها لهم موظفو الديوان الملكي.  

في 13 يولي أصدر الملكُ مرسوماً (21/2020 )  سيتم بموجبه تحميل المتقاعدين أعباء إضافية علاوة على إيقاف بعض حقوقهم المكتســبة بما فيها الزيادة السنوية على معاشات تقاعدهم.   وفي نفس اليوم أصدر الملك مرســوماً آخر(23\2020) سيتم  بموجبه إيقاف “الاقتطاع من إيرادات النفط المرصود لصالح حساب احتياطي الأجيال القادمة” علاوة على سحب  450 مليون دولار من ذلك الحساب لدعم الميزانية العامة”.  وفي 17 يوليو صدرت تعديلات على قانون ديوان الخدمة المدنية تمنع  الموظف الحكومي من ممارسة حقوقه في التعبير عن الرأي بما فيها أن “يوجّه النقد لسياسة الحكومة وقراراتها بأي وسيلة من الوسائل”.

لن  يجد الوجهاء غضاضة في تأخير رد السلطة على إلتماسهم. وقد لا يجدون غضاصة في تجاهلها الموضوع برمته.  فما حدث لهم لا يختلف عن الهوان الذي إرتضاه ويرتضيه زملاؤهم في مجلس النواب. وعلى أية حال فللوجهاء كما يفعل النواب دائماً  أن يشكروا “القيادة السياسية”، بعد شكر الله،  التي سمحت  لهم بالتقدم نحوها بإلتماسهم في وقتٍ تحرم فيه بقية الناس من الشكوى.    

 

نيوم: حلمُ الأمير.. كابوسُ الرعية

في أواخر نيسان/أبريل الماضي تناقلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية أخبار المواجهات في المناطق التي تسكنها قبيلة الحويطات في محافظة تبوك في السعودية، جراء إحتجاج المواطنين على تهجيرهم القسري منها. وتبين لاحقاً وصول تلك المواجهات بين الأجهزة الأمنية والسكان إلى أوجها في قرية الخريبة، مما أدى إلى إعتقال كثيرين كما أدى إلى مقتل عبدالرحيم الحويطي الذي إعتصم في منزله.

كان يمكن، كما يحدث غالباً، ألاّ يهتم الإعلام بتلك المواجهات ولا بمعرفة أسبابها. فمثلها يحدث في الرياض نفسها كما يحدث في مناطق أخرى غيرها، وأغلبها لا يثير إهتمام الإعلام في منطقتنا العربية المتشبعة بالمآسي الإنسانية. ما حدث هذه المرة إن القتيل، عبدالرحيم الحويطي،قام بتوثيق تلك الفترة القصيرة التي سبقت مقتله. ولولا نجاحه في بث ذلك التوثيق بالصوت والصورة عبر وسائل الإتصال الإجتماعي لما إنكشفت بعض تفاصيل التدمير المتواصل الذي تتعرض له البيئة والتراث الثقافي في تلك المنطقة تحت غطاء “رؤية 2030”. ولولا ذلك التوثيق لسادت رواية الإعلام الرسمي عمّا حدث في قرية الخريبة بإعتباره “إنجازاً أمنياً يضاف إلى السجلات المتواصلة في كسر مجاديف الإرهاب”. إذ لا تختلف هذه الكلمات عما ورد في الرواية الرسمية التي نشرها الإعلام الرسمي في أواخر شهر تموز/يوليو 2017 بعد أن حاصرت قوات الأمن السعودي مدينة العوامية في المنطقة الشرقية وأغلقتها قبل هدم حي العوامية التاريخي وتسوية مبانيه بالأرض رداً على إحتجاج سكانه على قرار إجلائهم من بيوتهم إلى منطقة أخرى.

تُضطر دولٌ بين حين وآخر إلى إجلاء سكان مناطق معينة لمواجهة إحتياجات أمنية/عسكرية أو لتنفيذ مشاريع تنموية ذات أهمية إستراتيجية كبرى. وفي أغلب الأحوال، تنجم عن إجراءات الإجلاء توترات إجتماعية وسياسية بل ومأسٍ قد يطول أمد معالجتها والتخلص من آثارها. ولهذه الأسباب لا تلجأ الدول غير الاستبدادية إلى إجلاء السكان من مناطقهم إلا للضرورات القصوى. وفي جميع الأحوال لا يحدث ذلك إلا بعد دراسات تحدد النتائج المحتملة للإجلاء على حقوق الجماعات المحلية وعلى البيئة الطبيعية والثقافية. وبطبيعة الحال لا يتم إتخاذ القرار بدون التداول مع ممثلين معتمدين للسكان المنوي تهجيرهم. أما في الدول الإستبدادية فيحدث مثل الذي عانى منه أفراد قبيلة الحويطات في محافظة العُلا في شمال غربي السعودية، وسكان مدينة العوامية في محافظة القطيف في شرقها.

 

رؤية 2030: تلازم الهدْر والتدمير

حين أعلن محمد بن سلمان في 25/4/2016 عن “رؤية 2030” لم تكن مضامين تلك الرؤية جاهزة، فيما عدا الإرتكازعلى ثلاثة شعارات كبرى:”إقتصاد مزدهر – مجتمع حيوي – وطن طموح”. ولقد تبين لاحقاً إن “الرؤية” لم تكن حتى بالنسبة لولي العهد نفسه وبطانته أكثر من تلك الشعارات. بعد ذلك بسنة ونصف السنة، دعا محمد بن سلمان، أمام 2500 من كبار شخصيات الأعمال والسياسة في الرياض لتدشين مشروع “مدينة نيوم” بكلفة 500 مليا ر دولار. وفي كلمته أعلن الأمير إنها ستكون مخصصة حصراً لاستثمارات “الحالمين وموقعاً للحالمين الذين يريدون خلق شيء جديد في هذا العالم، ولا مكان فيها للاستثمارات التقليدية”. وكان لافتاً أن يستعير الأمير في كلمته ذلك اليوم عبارات إستخدمها الغرب في الماضي لتبرير التوسع الإستعماري وتهجير السكان المحليين. فلقد ركز الأمير على أن من ميزات المنطقة المخصصة لإنشاء مدينته “إنها شبه خالية من السكان“. بطبيعة الحال، لم تكن الأرض المخصصة لمشروع “مدينة نيوم” خالية أوحتى شبه خالية من السكان، وإلا لما إحتاجت السلطات السعودية إلى إستعمال مختلف وسائل الترغيب والترهيب لإجلاء السكان عن مناطقهم. بل إن قرى المنطقة ومدنها شهدت منذ إختيارها موقعاً لمشروع “نيوم” تحركات قام بها الأهالي يطالبون السلطات بتوفير خدمات أساسية لمواجهة النمو السكاني في السنوات الأخيرة.

تكرار سفاهات الطفرة النفطية

بعد إعلان الرؤية وبعد تدشين مشروع “نيوم”، إحتاج الخبراء المحليون والأجانب الذين تمت الإستعانة بهم إلى وقت طويل لإجتراح ملامح عددٍ من المشاريع والبرامج التي يمكن البدء في التخطيط لتنفيذها. خلال سنوات البحث والتقصي التالية تكررت بعض المهازل التي شهدتها بلاده وبقية بلدان الخليج في السنوات الأولى من الطفرة النفطية في منتصف سبعينيات القرن الماضي

من بين العديد من مشاريع السَفَه الرسمي في سبعينيات القرن الماضي كان مشروعٌ تولاه الأمير السعودي محمد الفيصل بصفته محافظاً لمؤسسة تحلية المياه المالحة. إستمر المشروع لأكثر من عشر سنوات بهدف نقل جبال جليدية من القطب الجنوبي إلى السعودية حسب “خطة وطنية طموحة لتوفير الحلول الجذرية لمشاكل المياه فيها”. وحسبما يذكر أحد معاونيه، شكل الأمير فريقاً دولياً لدراسة إمكانية تنفيذ المشروع وإنشاء “بنك من المعلومات عن الجبال الجليدية لحصر أماكن تواجدها” وتنظيم مؤتمرات علمية دولية حضرها مئات العلماء لدراسة “إمكانية نقل الجبال الجليدية إلى المناطق التي تعاني من الفقر المائي”. إلا إن مظاهر السـفه في عهد إبن سلمان فاقت ما ظهر في عهود من سبقوه من أعمامه في حكم السعودية.

بعد إعلان “رؤية 2030” صارت الرياض، مرة أخرى، قبلة لوفود تترى من أصحاب الأعمال وممثلي كبريات الشركات وبيوت الخبرة العالمية لعرض مشاريعهم وبرامجهم وإختراعاتهم. جميع هؤلاء يعرفون إن صاحب الرؤية هو صاحب القرار وإنه في عجلة من أمره ولا وقت لديه ولا قدرة على دراسة وتمحيص ما يُعرض عليه.كان واضحاً إن جهل م ب س بمتطلبات التخطيط لتغييرٍإقتصادي/إجتماعي كالذي رفع شعاراته ستجعل من “رؤية 2030” مصَّباً مفتوحاً لهدر ثروات السعودية وإرتهان مستقبلها.

فمن بين الشواهد الكثيرة على ذلك نجد جملة الإتفاقيات والعقود التي تمت خلال السنوات الأربع الماضية من عمر الرؤية. أحدها تنسبه وكالة بلومبرغ للملياردير الياباني ماسايوشي سون الذي إلتقى في طوكيو بمحمد بن سلمان حين كان، ولياً لولي العهد، في أيلول/سبتمبر 2016 وإستطاع في 45 دقيقة أن يقنعه بأن تستثمر السعودية مبلغ 45 مليار دولار لتدشين أحد مشاريعه في 17/5/2020 أي بعد أقل من أربع سنوات،أعلنت تلك الشركة اليابانية عن خسائر تكبدتها تصل إلى 16.8 مليار دولار.

إعادة صياغة “الرؤية”

تزامن انتشار خبر مقتل عبد الرحيم الحويطي وأخبار المواجهات في الخريبة وجوارها مع عدد من الأخبار السلبية عن الوضع الداخلي في السعودية. فبجانب كلفة الحرب الدائرة في اليمن وكلفة تمويل حلفاء السعودية في مختلف البلدان، تعاني السعودية من آثار تدهور أسعار النفط وإنخفاض عائداته. وتضيف تقلبات الأسواق النفطية والمالية العالمية والخسائر الناجمة عن جائحة كورونا أعباءً إضافية على الخزانة السعودية. فرض كل ذلك على السلطة تقليص الميزانية الإنفاقية، وخاصة في مجال الخدمات ألاساسية، علاوة على تحميل المواطنين جزءً من هذه الأعباء عن طريق رفع الرسوم والضرائب

هذه الأسباب مجتمعة لن تجعل من الممكن أن تتحقق الأحلام التي راودت الأمير حين أعلن “رؤية 2030”. وإذا ما إستمرت هذه الأوضاع، فليس أمامه من خيارات سوى إعادة صياغة “الرؤية” بتأجيل بعض أحلامها وبالتنازل عن البعض الآخر. وقتها قد يتمكن من التركيز على ما يستطيع تنفيذه في ظل شروط قاسية يفرضها تدهور الوضع المالي للسعودية، كما يفرضها إحتمال تزايد الإبتزاز التي يمارسه الرئيس الأمريكي مقابل إستمرار الحماية التي توفرها بلاده للرياض.

“نيوم”صارت أكبر من الرؤية

يستطيع ولي العهد وقتما يشاء أن يعلن تأجيل أو إلغاء أيٍ من المشاريع التي أعلنها ضمن “رؤية 2030” سواء تلك التي في طور التخطيط أو تلك التي بدأ بالفعل تنفيذها. وهو يستطيع أن يعتمد على أجهزة أمن لا حدود لسلطاتها لردع من يعترض. ويستطيع أن يحرك آلة إعلامية متعددة الآذرع لتسويق مبررات التأجيل أو الإلغاء. بل هو يستطيع بفضل هذه الآلة الإعلامية أن يعلن “انتصارات” باهرة في اليمن تبرر وقتما يريد إنسحاب بلاده من حربهاعليها. لكنه لن يستطيع التخلي عن تنفيذ مشروع “نيوم”. فهذا خرج من يديْه، وأصبح بعد إعلان الرئيس الأمريكي عن “صفقة القرن” من مستلزمات إعادة تشكيل المنطقة

نعم، لقد بدأ المشروع سعودياً. ونعم، خصصت المملكة له منطقة تبلغ مساحتها ستة وعشرين ألف كيلومتر مربع، بما فيها جزر في البحر الأحمر من بينها جزيرتي تيران وصنافير اللتيْن تنازلت مصر عنهما لصالح السعودية. إلا إن الوضع تغير خلال السنوات الأربع التالية لإعلان المشروع. فمن جهة إزداد إرتهان السعودية لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية وإزدادت حاجة محمد بن سلمان لها كيْ تضمن مستقبله. ومن الجهة الأخرى تقلصت قدرة السعودية على التأثير في سوق الطاقة والمال. فلم يعد ممكناً الحديث بجدية عن “مشروع نيوم” كمشروع تنموي يسهم في نقل السعودية عمرانياً وتقنياً وإقتصادياً إلى مصاف الدول الكبرى، كما روجت لذلك مطويات شركات العلاقات العامة وملصقاتها. فلقد إصبح مشروعاً يضع حجر الأساس لبناء تجمع إقليمي يضم أربعة دول متجاورة وحليفة للولايات المتحدة الأمريكية هي السعودية والأردن ومصر وإسرائيل.

سيبقى المجال مفتوحاً للتكهنات المتعلقة بالإحتمالات الجيوسياسية لقيام ذلك التجمع الرباعي تحت إمرة الولايات المتحدة الأمريكية. أما في المجال الإقتصادي فقد يعتمد ذلك التجمع الإقليمي على تعديلات مناسبة لـ”النموذج التنموي” الذي وضعته الولايات المتحدة الأمريكية تحت مسمى “المناطق الحرة المؤهلة” (أو ما يسمي بـ”الكويز”) في كلٍ من الأردن ومصر لتسهيل إقامة مشاريع إسرائيلية في البلدين تؤهلهما للاستفادة من الإعفاءات الجمركية والتسهيلات الأخرى التي توفرها اتفاقيات التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ستوفر منطقة “نيوم” لقادة التجمع الإقليمي الرباعي و لمشاريع “الكويز” المقبلة أراضٍ شاسعة تقارب مساحتها مساحة كل فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر. (أو مرتيْن ونصف مساحة لبنان). فإن حدث ذلك يستطيع ولي العهد السعودي الإدعاء إن بعض أحلامه قد تحققت.

.

http://assafirarabi.com/ar/31473/2020/05/29/%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%ad%d9%84%d9%85%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d9%83%d8%a7%d8%a8%d9%88%d8%b3%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9/.

.

خيبة م ب س الاقتصادية

في بداية هذا الشهر، خفضت “وكالة موديز للتصنيف الائتماني” تصنيف السعودية من مستقر إلى سلبي. وأرجعت الوكالة ذلك التخفيض إلى ارتفاع المخاطر المالية التي تواجهها السعودية، بسبب انهيار أسعار النفط، والغموض بشأن قدرة الحكومة على تعويض خسائر عائدات النفط، واستقرار ديونها على المدى المتوسط. ربطت الوكالة هذا التصنيف السلبي بأمرين: أولهما المخاطر التي تحيط بالأوضاع المالية السعودية جراء تزامن الهزة الناجمة عن انخفاض الطلب على النفط وتدهور أسعاره مع تداعيات جائحة كورونا. وثانيهما الشك في قدرة الحكومة السعودية على معالجة تداعيات خسائرها في سوق النفط وعجزها عن ضبط أعباء ديونها.

يضيف تقرير وكالة “موديز” الأخير خطوطاً حالكة إلى الصورة المظلمة التي يتداولها دارسو الوضع الاقتصادي السعودي. وهو وضعٌ تدفعه عوامل كثيرة، منها سوء الإدارة والارتهان إلى الخارج، نحو أزمة اقتصادية لم تعهدها البلاد منذ دخولها عصر النفط. فقرار السعودية الأخير بالالتزام بخفض إنتاجها من النفط يعني – حسب تقديرات متفائلة – أن عوائدها ستنخفض بنسبة 33 في المئة في هذه السنة، وبنسبة 25 في المئة في السنة القادمة مقارنة بعائداتها النفطية في 2019. سيتبع ذلك انخفاض إجمالي الناتج القومي، وتسارع إنكماش عوائد قطاعات الإنتاج غير النفطية التي يعتمد نشاطها ونموها في السعودية، كما في بقية بلدان الخليج، على الإنفاق الحكومي.

“إجراءات صارمة… شديدة ومؤلمة لكنها ضرورية”

في الثاني من هذا الشهر (أيار/ مايو) أعلن وزير المالية السعودي أن حكومته “ستتخذ إجراءات صارمة جداً، وأن هذه الإجراءات قد تكون مؤلمة”. فالسعودية، حسب الوزير، تواجه أزمة لم تواجهها من قبل. فإيراداتها النفطية انخفضت إلى النصف، ويتوجب عليها أن تقوم بتخفيض نفقاتها. وكان الوزير قد أعلن في تصريح سابق عن خفض ميزانية العام الحالي بمقدار 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار)، أي ما يمثل 5 في المئة من الميزانية الإنفاقية. لم يحدد الوزير نوعية وتفاصيل تلك الإجراءات الصارمة والمؤلمة، إلا أنه أشار، دون تفاصيل، إلى تخفيض شديد في بند النفقات في الميزانية

اعتمدت السلطات السعودية تقليدياً على ثلاثة مصادر تمويل أساسية لتعويض النقص في عوائد النفط جراء تقلبات السوق. وهذه المصادر هي الاستدانة، والسحب من الاحتياطي، وخفض الإنفاق الحكومي في انتظار عودة عوائد النفط إلى الارتفاع. ويبدو أن السلطات هناك تتصرف كما تصرفت في السابق، دون أن تأخذ بعين الاعتبار أن وضع السعودية الآن ليس كوضعها الماضي.

ستأتي الإجراءات “الشديدة والمؤلمة” التي ستتخذها الحكومة السعودية منسجمة مع السياسة الاقتصادية التي اعتمدها محمد بن سلمان منذ وصوله إلى السلطة. إلا أنها لن تؤدي إلى معالجة مكامن الخلل البنيوية في الاقتصادالسعودي. بل هي قد تفاقم تداعيات ذلك الخلل وتزيد من معاناة الناس.

 يستسهل ل وزير المالية وغيره من المسؤولين السعوديين تبرير اللجوء إلى فرض إجراءات شديدة ومؤلمة، كما يستسهلون دعوة الناس إلى شد الأحزمة، بالإشارة إلى”الظروف الاقتصادية والعالمية الناتجة عن تبعات تفشي الوباء العالمي كوفيد – 19وانخفاض سعر النفط”. وبهذا يتحاشون التعاطي مع الواقع، ومعالجة أخطاء السياسة الاقتصادية المعتمدة وتخبطها. ولعل آخر تلك الأخطاء القراراتُ التي أشعلت النزاع المدمر في سوق النفط، ودور السعودية، وبخاصة محمد بن سلمان، في تأجيج ذلك النزاع الذي أدى إلى إغراق سوق النفط وتدني سعره وانخفاض عوائده.

لقد كان ذلك النزاع مقامرة وحماقة في آن. فلم تحقق السعودية أهدافها السياسية من قراريها في 8/3/2020 برفع إنتاجها النفطي إلى أكثر من 12 مليون برميل يومياً، وإعطاء حسومات معتبرة لزبائنها في سوق النفط. لقد غامرت السعودية وخسرت كما خسر غيرها من منتجي النفط. إلا أن خسائرها أكبر بكثير من خسائر غيرها بحكم أنها أكثر أعضاء “الأوبك” إنتاجاً وتصديراً للنفط. وتتفاقم آثار تلك الخسائر في السعودية بسبب أن عائدات النفط هي موردها المالي الرئيس. فلقد كانت تخسر 12 مليون دولار يومياً مقابل كل دولار ينخفض من سعر برميل النفط، فما بالك حين ينخفض سعر البرميل من 80 دولاراً فما فوق إلى 20 دولاراً فما دون.

مضاعفة الدين واستنزاف الصندوق السيادي

لقد تضاعفت ديون السعودية في السنوات الأربع الماضية، أي منذ بداية تولي محمد بن سلمان ولاية العهد. ففي 2016 كانت ديون السعودية في حدود 23 مليار دولار أمريكي. وفي 2019 بلغ إجمالي الديون المستحقة على الحكومة السعودية 149 مليار دولار، نصفها ديون خارجية. وسيستمر هذا التوجه في 2020 طبقاً لمصادر وزارة المالية السعودية، التي تشير إلى استدانة ما قد يزيد على خمسين مليار دولار إضافية. علاوة على ذلك، تعتمد السياسة المالية السعودية على اللجوء أيضاً إلى السحب من الاحتياطيات المالية المتمثلة في الصناديق السيادية.

أهم صناديق الثروة السعودية هو “صندوق الاستثمارات العامة” الذي أصبح أحد الأذرع التنفيذية، التي وضع محمد بن سلمان يده عليها مباشرة بعد وصوله إلى ولاية العهد. سارت الأمور في البداية بشكل إيجابي. فلقد خطط الصندوق لنمو سنوي ليصل إلى 400 مليار دولار بحلول عام 2020. وبالفعل ازدادت أصول الصندوق خلال سنتين (كانون الأول/ ديسمبر 2015 وأيلول/ سبتمبر 2017). إلا أن تلك الصورة الزاهية والمبشرة بالخير كانت مضللة في الوقت نفسه. إذ لم تشكل أرباح الاستثمارات التي يديرها الصندوق سوى جزءٍ محدودٍ من نموه. بل كان نموه ذاك معتمداً بالأساس على ضخ رأس المال من قبل الحكومة إلى الصندوق وتحويل بعض الأصول الحكومية إليه. ولهذا أصبح الصندوق حسب دراسة الباحث الألماني ستيفان رول “صندوق ثروة سيادي خاص بالأمير“. فبدلاً من أن يقوم بما يُفترض بالصناديق السيادية أن تقوم به كاحتياطي للأجيال القادمة، وكأداة لتحريك مشروعات التنمية الاستراتيجية، وكأداةللاستثمار، أصبح خزنة خاصة يستطيع محمد بن سلمان أن يسحب منها ما يشاء لتغطية احتياجات طارئة. ولهذا لم يستغرب أحدٌ في الإعلام السعودي حين كشف وزير المالية أن الحكومة السعودية سحبت تريليون ريال (أي ما يزيد على 266 مليار دولار) من احتياطي الصناديق السيادية خلالالسنوات الأربع الماضية
2020-05-10.

 

 

خيبة م ب س الاقتصادية

 

.

برلمان الأطفال ومهزلة التمثيل الشعبي في الإمارات

الإمارات دولة اتحادية من طراز خاص. ففي كل واحدة من إماراتها السبع عائلة حاكمة، وعلى رأس كل عائلة حاكمة منها شيخٌ يحكم شعب إمارته ويتمتع بحقٍ مطلق في إدارة شؤونها. وحسب الدستور الاتحادي، يتشارك حكام الإمارات السبع في عضوية “مجلس أعلى” يقوم بإدارة شؤون الدولة، أي رسم السياسة العامة والتصديق على المعاهدات الدولية والقوانين الاتحادية، بما فيها الميزانية العامة للدولة. وبحسب الترتيبات الدستورية السارية، تتساوى أصوات الإمارات السبع في “المجلس الأعلى”. إلا أن تلك الترتيبات ذاتها منحت حق الفيتو في “المسائل الموضوعية” لمشيختَي أبو ظبي ودبي بحجة حجمهما السكاني وبحكم قوتهما المالية.

قبل تأسيس الاتحاد، كان حكام الإمارات يعيشون في كنف الحماية البريطانية إلى أن اضطُرت بريطانيا إلى الانسحاب من الخليج ومن بقية مستعمراتها شرقي السويس. وقبل إتمام الانسحاب نجحت بريطانيا في إقامة اتحاد يجمع الإمارات السبع في كيان سياسي دون أن تتخلى العوائل الحاكمة في كل إمارة عن امتيازاتها ضمن حدودها التي قررتها بريطانيا.

لم تكن المسائل المتعلقة بالتمثيل الشعبي، ناهيك عن الديمقراطية، تؤرق حكام الإمارات السبع عند إعلانهم تأسيس دولة الإمارات في 1972. فلقد كان أغلب اهتمامهم يتمحور حول أمرين، أولهما ضمان استمرار سيطرة كل عائلة حاكمة على إمارتها. وثانيهما درء الأخطار الخارجية بما فيها أطماع الجارتين الكبيرتين، المملكة السعودية وإيران الشاهنشاهية، علاوة على درء تأثيرات كل من الثورة العُمانية وجمهورية اليمن الجنوبي والتحركات الشعبية والعمالية في البحرين والكويت.

الحل المؤقت الذي توصل إليه الحكام السبعة في 1972 هو تشكيل مجلس استشاري وطني ليقوم بملء خانة التمثيل الشعبي أو بدور البرلمان في الدول الحديثة. عيَّن حاكم كل إمارة من الإمارات السبع ممثلي إمارته في المجلس الاستشاري طبقاً لمعادلة الثقل السكاني والمالي لكل إمارة. وعلى نسق البرلمانات الحقيقية أصبح لدى المجلس الاستشاري لجانه المتخصصة، ولائحة داخلية تنظم مداولاته وتضبط إجراءات التصويت فيه. إلا أن هذا المجلس لم تكن لديه الصلاحية لممارسة سلطات تقارب تلك التي تمارسها البرلمانات الحقيقية. فأقصى ما يستطيع أعضاءه منذ تأسيسه وحتى الآن، هو مناقشة ما تحيله لهم الحكومة من أمور. بل هم لا يستطيعون حتى اقتراح القوانين أو رفض القوانين التي يصدرها مجلس الحكام.

تغيرت تركيبة المجلس الاستشاري بعد 2006 بتغيير طريقة تعيين مندوبي الإمارات فيه وذلك بالمزج بين الانتخاب والتعيين، بحيث يقوم حكام الإمارات بتعيين نصف أعضاء المجلس، بينما يتم انتخاب النصف الآخر عن طريق “الهيئات الانتخابية”. رافق ذلك الإعلان ضجيجٌ إعلامي عن توجه لـ”إعطاء فرصة لمواطني الدولة لاختيار ممثليهم في المجلس الوطني من أجل تعزيز الانتماء الوطني، وتغليب المصالح العامة للشعب، وإتاحة الفرصة للمشاركات المحلية من قبل الفئات الشابة والمتعلمة، فضلاً عن تمكين المرأة”. إلا أن ذلك التغيير كان أقل بكثير من الضجة التي أثيرت حوله. إذ أن حاكم كل إمارة هو من يختار أعضاء “الهيئة الانتخابية” من بين مواطني إمارته. وحاكم الإمارة هو الذي يحدد “طبيعة وصفات وشروط الناخب، ويمكنه وفقاً لتقديره تخصيص نسبة للإناث أو البالغين أو كبار السن”.

العدد الرسمي لمن يتم اختيارهم لعضوية “الهيئات الانتخابية” في جميع الإمارات السبع كان وما زال فضائحياً. فهو لم يزد على 6595 شخص في 2006 أي أقل من 1 في المئة من مواطني الدولة. ثم ارتفع العدد في عام الربيع العربي (2011) ليزيد قليلاً على 135 ألف شخص، وعاد فارتفع في 2015 ليصل إلى 224 ألف شخص. وفي الانتخابات الأخيرة (2019) وصل عدد المواطنين الذين تم اختيارهم لعضوية الهيئات الإنتخابية إلى 338 ألف شخص.

حين يتزين الاستبداد

لا يجد المسؤولون الإماراتيون نقيصة في أعداد من يتاح لهم/ لهن المشاركة في الهيئات الانتخابية. بل يرونها تمثل “نقلة نوعية، ومؤشراً واضحاً على حرص القيادة الرشيدة على استكمال مسيرة التمكين السياسي”، وأنها تؤكد “الخطى الثابتة والمدروسة التي تسير بها الدولة نحو تحقيق خططها الاستراتيجية الطموحة لإرساء النموذج الإماراتي المتميز في العمل البرلماني”.

لا غَرْوَ أن يعتبر حكام الإمارات نموذجهم المتميز في العمل البرلماني “استثماراً جيداً”. شيئاً فشيئاً يتيقن أكثرهم استبداداً وعنجهية أن الدور التزييني الذي يلعبه تنظيم “انتخابات” دورية لبرلمان صوري يبرر كلفة إقامته وإدامته. فعلى الرغم من صورية “المجلس الاستشاري” وهشاشة شرعيته الانتخابية، إلا أنه يواصل تمثيل نظام بلاده في الاتحاد البرلماني العالمي، وفي الاتحاد البرلماني العربي. مثله في ذلك مثل برلمانات حقيقية.

برلمان الأطفال: زينة إضافية

في أواخر شباط/ فبراير الماضي نشرت وكالة الأنباء الإماراتية تفاصيل مؤتمر صحافي تحت رعاية الشيخة فاطمة بنت مبارك – أم محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي (ورئيسة الاتحاد النسائي العام، ورئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة والرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية). في ذاك المؤتمر الذي سبقه وتلاه ضجيج إعلامي يتناسب ومركز الشيخة، كُشف النقاب عن إنشاء “برلمان الطفل الإماراتي”. وحسبما ذكرت وكالة الأنباء، فمن المقرر أن يبدأ برلمان الأطفال أعماله في منتصف هذا الشهر (آذار / مارس) لتأكيد اهتمام الدولة ومؤسساتها بدور الأطفال والناشئة ليكونوا “اللبنة الفاعلة في بناء الدولة الحديثة في مختلف مجالات الحياة”. أظهرت وكالة أنباء الإمارات خبر إنشاء برلمان الأطفال في صيغة جادة. واحتفت وسائل الإعلام الرسمية بالخبر وتفاصيله، ولم تهتم بالتوقف عند المفارقة الواضحة بين الخبر وواقع الحال في الإمارات التي تعاني من نظام حكمٍ استبدادي متعدد الرؤوس. وإلا كيف يكون للأطفال برلمان، في حين لا يتوفر مثله لآبائهم وأمهاتهم؟

ليس الهدف من برلمان أطفال الإمارات ترسيخ الوعي بينهم بقيم الديمقراطية وممارسة حقوقها، بما فيها حق الاختيار عبر انتخابات فعلية حرة ونزيهة، وحق الناخبين في مساءلة “نوابهم” والمسؤولين عن تسيير شؤون البلاد. بل هم يأملون أن يوفر لهم برلمان الأطفال زينة لم يوفَّق في توفيرها لهم “برلمان الكبار”ا

 

 

برلمان الأطفال ومعضلة التمثيل الشعبي في الإمارات

 

 

بومبيو و”حاجة السعودية المستمرة للوقوف معها” ا

في زيارته الأخيرة للرياض (2020/02/19)، أجرى وزير الخارجية الأمريكي مباحثاتٍ متتالية مع الملك السعودي وولي عهده. جاءت الزيارة، حسبما نشر الوزير في تغريدة له في موقع تويتر، تلبيةً لـ “حاجة مستمرة للوقوف مع السعودية في مواجهة سلوك إيران الخبيث في المنطقة”. ولتأكيد وصول هذه الرسالة إلى كلّ من الطرف الإيراني وإلى الجمهور السعودي، اهتمت وسائل الإعلام السعودية بتفاصيل التصريحات التي أدلى بها المسؤول الأمريكي، والمقابلات التي قام بها في أثناء زيارته القصيرة للسعودية، وخاصة قيامه بتفقد قاعدة الأمير سلطان الجوية قرب الرياض. وهي القاعدة التي “تستضيف” 2500 عنصرٍ من القوات الأمريكية، وسرباً من طائرات ف-15 التابعة لسلاح الجو الأمريكي وإحدى منظومات صواريخ “باتريوت” التي تديرها تلك القوات.

خمسة وسبعون سنة من التبعية

وصل بومبيو إلى الرياض بعد أيام من احتفالات واسعة شهدتها الرياض في الذكرى الخامسة والسبعين لما يسمّيه الإعلام السعودي ب “اللقاء التاريخي” بين الملك عبد العزيز، والرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت، على متن السفينة الأمريكية “كوينسي” في 1945/02/14. وهو اللقاءُ الذي وضع أسس و شروط ضمان توفير الحماية الأمريكية للنظام السعودي.

قبل 75 سنة، كانت أغلب كلفة توفير تلك الحماية تتمثل في حصول الشركات الأمريكية على امتيازاتِ التنقيب عن النفط، وإقامة قاعدة عسكرية أمريكية في الظهران بالقرب من أكبر حقول النفط السعودية. شيئاً فشيئاً تصاعدت كلفة تلك الحماية لتصل إلى ما وصلت إليه في عهد ترامب. ومعلومٌ أن الرئيس الأمريكي في مقابلة له بثتها قناة فوكس نيوز (2020/01/14) أكد أن السعوديين “أودعوا مليار دولار في البنك” لتغطية مصاريف القوات التي أرسلهاإلى السعودية لحمايتها.

كانت الطفرة النفطية في منتصف سبعينيات القرن الماضي،هي المعْبر الذي استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية لإبقاء بلدان الخليج تابعةً لها، على الرغم من التغييرات في شروط تلك التبعية وأسسها. فمنذ بداية تلك الطفرة، برز سباق تسلح إقليمي شجعته الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الغربية المصدرة للسلاح. ولم يكن مستغرباً أن يكون أشرس المشاركين في ذلك السباق هما السعودية وإيران الشاهنشاهية – أكثر دول المنطقة تبعية للغرب. وقد أصبح سباق التسلح، ومازال، أهم أدوات ما يُعرف بعمليات “تدوير البترودولار”. أي استعادة الدول الغربية للأموال التي دفعتها مقابل شراء النفط. وقتها كان الخليج على ضفتيه سوقاً مفتوحة لسماسرة السلاح، الرسميين وغير الرسميين، وفي معيّتهم خبراء استراتيجيون يحملون تقاريراً ودراسات مفصلة عمّا “تحتاجه” دول المنطقة من أنظمة تسليح وعتاد وتدريب.

في ظل الطفرة النفطية، شهدت المنطقة هوساً جماعياً بين حكام الخليج بالتسوق في أسواق السلاح. بل صارت معارض شركات السلاح تنعقد دورياً في بلدان الخليج. ودخلت هذه الدول في قوائم كبار مستوردي السلاح، وقوائم أكثر الدول إنفاقاً في المجال العسكري.

بعد ما يقارب من أربعة عقود من هوس الهدر العسكري، صار بإمكان الإعلام السعودي في 2018 أن يتباهى مبشراً أن”السعودية تتقدم على روسيا وفرنسا بأكبر ميزانية دفاعية في العالم”،وأنها أصبحت ثالثَ دولة في الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين. ولا شك أن التباهي قد ازداد بعد أن زادت الميزانية العسكرية في السعودية في العام 2019،وتجاوزت ميزانياتِ دول كبرى مثل روسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والهند.

نتائج الهدر: القوة البحرية السعودية مثالاً

في أواخر خمسينيات القرن الماضي، تشكلت نواة القوات البحرية السعودية من بضعِ قوارب صيد كقوة خفر سواحل. شهدت تلك القوة منذ منتصف السبعينيات نمواً ملحوظاً، إلا أنها ظلت قوة هامشية في المنظومة العسكرية السعودية، ولم تتجاوز مهماتها كقوة لخفر السواحل. وبطبيعة الحال، لم يكن لتلك القوة المتواضعة تأثيرٌ يذكر خارج المياه الإقليمية السعودية

لعبت عوامل تاريخية، وخاصة شروط الوضع الإقليمي وتقاليد الحكم في المملكة منذ تأسيسها في 1932 دوراً في تكريس عدم الاهتمام الرسمي السعودي ببناء القوات البحرية. فهذه مهمات محظورة على المملكة بحكم الوضع القائم في الخليج العربي منذ بداية القرن التاسع عشر. وقد اختصت بها أساطيلُ بريطانيا ومن بعدها الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا ركز حكام السعودية على بناء قدراتهم العسكرية (الجيش والطيران والحرس الوطني والداخلية) لمواجهة الأخطار الداخلية، وحماية الحدود البرية من اعتدءات أشقائهم في دول الخليج الأخرى.

ينسجم ذلك التوجّه مع ما كان يقدمه المستشارون والخبراء الاستراتيجيون في الغرب، لأصحاب القرار في العائلة الحاكمة في السعودية وغيرها من دول الخليج. فما الداعي، حسب أولئك الخبراء، لهدر الأموال على تطوير القوات البحرية طالما أن دولة عظمى ستتولى حماية الملاحة في الخليج؟ لم تسمح الولايات المتحدة لأيّ من زبائنها في ضفتي الخليج ببناء قواتٍ بحرية، عدا التزود بقوارب الدوريات. وعلى عكس موقف دول الخليج العربية، لم يقبل شاه إيران وقتها بذلك الحظر. بل استفاد من علاقاته الإقليمية لتوسيع هامش حركته في المجال التسليحي، وخاصة في القوة البحرية والتكنولوجيا النووية. وبذلك فتح طريقاً سار عليها من جاؤوا بعده إلى سدّة الحكم في طهران.

على الورق، تتكون القوة البحرية السعودية من إسطولين: إسطولٍ شرقي في “قاعدة الملك عبد العزيز” على ساحل الخليج، وأسطولٍ غربي في “قاعدة الملك فيصل” على ساحل البحر الأحمر. يبالغ بعض الإعلام السعودي حين يعتبر أن القوات البحرية السعودية تُظهِر “سيطرتها على أهم مدخلين مائيين في منطقة الشرق الأوسط” (الرياض، 2015/04/03). إذ لا تزيد معدات الإسطولين عما تملكه القوات البحرية في دول إقليمية أصغر، ويقل إنفاقها العسكري بكثير عمّا تنفقه السعودية. بل ليس لدى البحرية السعودية ما يمكن مقارنته بما في حوزة البحرية الإيرانية من عتاد ومعدات

لم تصبح القوات البحرية كغيرها من أفرع القوات العسكرية والأمنية في السعودية (الجيش والطيران والحرس الوطني والداخلية) مجالاً لتقاسم السلطة بين أجنحة العائلة الحاكمة. ولم يهتم أحدٌ من أولاد الملك عبدالعزيز، وأحفاده بالاستحواذ على القوات البحرية أو أن يصبح قائداً فيها. ترسخت هامشية القوات البحرية التي لم تتجاوز مهماتها القيام بدوريات الحراسة حول الموانئ الرئيسة المطلة على الخليج والبحر الأحمر، بالإضافة إلى المشاركة في المهرجانات والاحتفالات الرسمية وخصوصاً عند زيارة الملك لأحد تلك الموانئ.

غداة زيارة وزير الخارجية الأمريكي مارك بومبيو إلى الرياض، أعلنت السعودية أن قاعدة الملك عبد العزيز البحرية على ساحل الخليج العربي ستشهد انطلاق تمارين بحريةٍ تشارك فيها قواتٌ أمريكية وسعودية. وأكد الإعلان أن “المناورة التمرينية السعودية – الأمريكية هي جزءٌ من سلسلة مناورات وتدريبات مشتركة، تهدف إلى رفع الجاهزية القتالية للحفاظ على حرية الملاحة البحرية. يتضمن التمرين عدداً من المناورات والتدريبات التي تعزز إجراءات الأمن البحري بالمنطقة، وتوحيد مفاهيم أعمال قتال القوات البحرية” (الشرق الأوسط 2020/02/19). تؤكد متابعة وسائل الإعلام السعودية لأخبار المناورة أمرين. أولهما اهتمام القيادة السعودية بتطوير “الجاهزية القتالية” لقواتها المسلحة بما فيها قواتها البحرية. وثانيهما إعلان صمود “الشراكة التاريخية بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية” بعد 75 سنة على قيامها.

لا يتوقع أحدٌ خارج أُطر الإعلام السعودي أن يكون للمناورات التمرينية السعودية – الأمريكية آثارٌ ملموسة أو محتملة على التوازن العسكري في مياه الخليج. فلا تزيد قوة “الإسطول الشرقي” السعودي عن ثلاثة فرقاطات، وعدد محدود من قوارب الدورية يزيد عمر بعضها على عشرين سنة. إلا أن المناورات قد توفر للأمريكيين فرصة إضافية لترويج أنظمة تسليح جديدة، وبرنامج تدريب لم يكن السعوديون على علمٍ بحاجتهم لها. وفي حال تمخضت المناورات المشتركة عن صفقات أسلحة وتدريب جديدة، فلن يعني ذلك تأهيل السعودية للقيام بدورٍ أكبر مما هو منوط بها.

هل يتجه عصر النفط إلى الغروب؟

في العام 2017، عقدت الولايات المتحدة الأمريكية صفقةً بقيمة 250 مليون دولارٍ أمريكي ل”تجهيز وتدريب سلاح البحرية السعودي”. كعادته، هلّل الإعلام السعودي لتلك الصفقة، إلا أن البيان الرسمي الأمريكي عن تلك الصفقة، حسب العادة أيضاً، شدّد على أن”التدريبَ الذي ستوفره هذه الصفقة لن يؤثر على التوازن العسكري في المنطقة”. لا تخفي الولايات المتحدة الأمريكية أن صفقاتِ التسليح، وبرامج التدريب التي تقدمها للسعودية، أو غيرها من دول الخليج هي صفقاتٌ سياسية وتجارية لا تهدف إلى تغيير موازين القوى في منطقة الخليج خصوصاً، ومنطقة الشرق الأوسط عموماً. وهذا من ثوابت السياسة الأمريكية تجاه هذه المنطقة، والتي يحرص المسؤولون الأمريكيون على تأكيدها في جلسات الاستماع التي تعقدها اللجان المختصة في الكونغرس الأمريكي منذ منتصف السبعينيات الفائتة وحتى الآن. وبسبب تكرارها، فلم تعد تلك التأكيدات تثير اهتماماً أو استغراباً!

قرنان على “معاهدة السلام العامة” في الخليج

في الثامن من هذا الشهر، كانون الثاني /يناير، مرّت مناسبة لم يحتفل بها أطرافها. ففي مثل ذلك اليوم قبل قرنيْن، تمّ تدشين “معاهدة السلام العامة” بين ممثلي بريطانيا وشيوخ قبائل عربية، في ما كان يُعرف آنذاك بـ “ساحل القراصنة” قبل أن يغيّر البريطانيون تسميته إلى “الساحل المتهادن” (دولة الإمارات العربية في الوقت الحاضر). بعد تلك المعاهدة الأم جاءت سلسلة اتفاقيات جماعية وفردية بين بريطانيا وشيوخ قبائل خليجية.

أسست معاهدة 1820 لحقبة الهيمنة البريطانية على بلدان الخليج العربي التي امتدت لقرنٍ ونصف القرن والتي مهدت بدورها لحقبة الهيمنة الأمريكية الراهنة على المنطقة. كما أسهمت تلك المعاهدة وما تلاها في تحويل شيوخ تلك القبائل المتهادنة إلى حكام دولٍ رعت بريطانيا إقامتها وأشرفت على رسم حدودها. ولعل في هذا ما يُفسر التجاهل الملحوظ لهذه الذكرى السوداء في تاريخ المنطقة التي قد يشكل التذكير بها تشكيكاً في المحاولات التي تبذلها العوائل الحاكمة لتوثيق سرديات ملفقة لتاريخ المنطقة.

من ساحل قراصنة إلى ساحل متهادن

في بداية كانون الثاني /يناير 1820، انتقل الميجور جنرال البريطاني “وليام جرانت كير” مع معاونيه من مقره في جزيرة قشـم على الجانب الفارسي من الخليج، إلى ميناء رأس الخيمة في الجانب العربي، ليأخذ هناك تواقيع شيوخ الساحل العُماني على “معاهدة السلام العامة” بينهم وبين بريطانيا.

أول من وضع بصمته على تلك الوثيقة بتاريخ 8/1/1820 كان شيخ رأس الخيمة الذي قاومت قبيلته القواسم وحلفاؤها ببسالة المحاولات البريطانية لإخضاعهم (1). صمد تحالف القواسم أمام حصار بحري وأمام حملات عسكرية متتالية شنتها بريطانيا في 1800 و1805 و1809 و1819، تحت حجج مكافحة القرصنة وتجارة الرقيق. آخر تلك الحملات أسفرت عن سقوط رأس الخيمة وتدميرها، ثم تدمير الموانئ الأخرى والحصون الساحلية التابعة للقواسم في الشارقة وأم القيوين وعجمان. وبعد قبول شيخ القواسم شروط تلك المعاهدة، استمر استدعاء رؤساء بقية قبائل المنطقة على التوالي إلى مقر إقامة الجنرال البريطاني لوضع بصماتهم على تلك الوثيقة… ووافقت بريطانيا لاحقاً على طلبات قدمها شيوخ قبائل أخرى، ومن بينهم حاكم البحرين، للانضمام إلى تلك المعاهدة

أظهرت بنود المعاهدة أن الاهتمام البريطاني كان محصوراً بتأمين الملاحة عن طريق فرض هيمنة إسطولها على مياه الخليج العربي ومداخله، ومنع أي طرف محلي من محاولة منافستها. ولهذا الغرض ألزمت بريطانيا الشيوخ المتصالحين بعدم السعي لبناء السفن الكبيرة أو محاولة إعادة بناء قواهم البحرية الخاصة، وبعدم تشييد التحصينات في المناطق التي يتواجدون فيها. مقابل ذلك حصل شيخ كل قبيلة من القبائل المتعاهدة على الأمان لنفسه ولقبيلته، كما ضمن حماية بريطانيا له من جيرانه بل ومن منافسيه داخل قبيلته ذاتها. وفيما يمكن اعتباره سابق لما يُسمى الآن بـ”التحالف الدولي ضد الإرهاب”، أعطت المادة السابعة من المعاهدة لبريطانيا الحق في دعوة جميع القبائل المتهادنة للمشاركة في “تحالف ضد القرصنة” والعمل وفق قابلياتهم ضد أي طرف لا يلتزم بنصوص المعاهدة
مقابل تركيز بريطانيا على تثبيت حقها المطلق في القيام بمهمات شرطي المنطقة الذي يحمي الملاحة التجارية في البحر العربي والخليج، فهي تركت ولفترة طويلة بعد 1820 لشيوخ القبائل المتهادنين مهمات تسوية أمورهم الداخلية، بما فيها تسوية النزاعات المزمنة بين تلك القبائل حول الزعامة وحول الحدود وآبار المياه ومناطق الرعي والصيد. لم يكن ذلك عبثاً بل على العكس. فمن جهة انشغلت تلك القبائل بنزاعاتها مع بعضها البعض، ومن جهة أخرى أتاحت تلك النزاعات لبريطانيا أن تتدخل وقتما تشاء لتقوية قبيلة ضد أخرى أو لتنصيب شيخٍ مكان آخر.

من اللورد كرزون إلى الرئيس ترامب

بعد مرور تسعين سنة على معاهدة 1820، قام اللورد “كرزون” بصفته نائب الملك البريطاني والحاكم العام في الهند، التي تخضع منطقة الخليج لإداراتها، بزيارة تفقدية لبلدان المنطقة. وفي الشارقة، على الساحل المتهادن، استقبل اللورد في سفينته وفداً من شيوخ القبائل، ضم شيوخ أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين، ليؤكد لهم أن الهيمنة البريطانية هي ضمانة السلم في المنطقة مثلما هي ضمانة استمرار حكم الشيوخ. فلا شك إنهم يتذكرون، قال اللورد، بأن الخليج كان منطقة “حرب ونزاع، وكان كل إنسان على الأغلب إما قرصاناً أو قاطع طريق…”. شدد اللورد على أن الأحوال قد تغيرت في المنطقة بعد أن “أقامت الحكومة البريطانية، وبرضاكم أنتم، وصايتها على السلم بين القبائل، ونمت روابط سياسية بين حكومة الهند وبينكم، وأصبحت الحكومة البريطانية بمقتضاها سيدة عليكم وحامية لكم (…) ولذا يجب أن يستمر السلم في هذه المياه وعندها يمكن ضمان استقلالكم وبقاء نفوذ الحكومة البريطانية فوق كل نفوذ” (2

إثر الانسحاب البريطاني من الخليج في نهاية ستينيات القرن الماضي، انتهت عملياً الهيمنة البريطانية على المنطقة لتحل محلها هيمنة أمريكية استفادت كثيراً من خبرات الاستعمار البريطاني، لكنها لم تستنسخها جميعاً. فقد تغيرت أحوال الخليج كثيراً عما كانت عليه. فمنذ اكتشاف النفط، وخاصة بعد الطفرة النفطية، لم يعد الخليج مجرد ممر للتجارة البحرية في الطريق إلى الهند والمستعمرات الآسيوية. وشيوخ الخليج، الذين كان بعضهم يعتمد على القرصنة وتجارة الرقيق وتهريب الأسلحة، أصبحوا حكاماً لدولٍ معترف بها، لها جيوشها ومواردها وعلاقاتها الإقليمية والدولية. إلا أنهم وعلى الرغم من ذلك كله لم يتخلوا عن موروث تراكمت تداعياته طيلة أكثر من قرنين من الخضوع لهيمنة الاستعمار البريطاني. وهذا بالضبط ما استوعبه الرئيس الأمريكي

يمكن إنكار أن الخليج قد تغير كثيراً عما كان عليه تحت الهيمنة البريطانية. وإن حكام المنطقة قد تغيروا عما كان عليه أسلافهم في زمن الجنرال كير في 1820 وزمن اللورد كرزون في 1903. إلا إن أمراً أساسياً لم يتغير، ألا وهو اقتناع حكام الخليج العربي بأن أنظمتهم لا يمكن أن تستمر بدون حماية خارجية. وإن عليهم قبول دفع لأكلاف السياسية والمالية التي مقابل استجلاب تلك الحماية والخضوع لها
ربما لم يسمع ترامب بالجنرال كير أو باللورد كرزون. إلا إنه هو يستعيد بعضاً من خبراتهما حين يكرر في الفينة والأخرى إن دول الخليج “لن تبقى لأسبوع واحد دون حمايتنا وإن عليهم دفع ثمن لذلك”. لقد رهن الجنرال كير واللورد كرزون استقلال شيوخ القبائل المتهادنة مقابل اعترافهم بهيمنة بريطانيا عليهم وبقاء نفوذها فوق كل نفوذ. أما ترامب فأضاف على ذلك إن على حكام الخليج أن يدفعوا لبلاده ثمن حمايتهم وضمان استمرار أنظمتهم واستقلالها.

________________
1 – للتفاصيل، صالح العابد ” دور القواسم في الخليج العربي”، جامعة بغداد 1976
2 – حسين البحارنة “الوضع القانوني لبلدان الخليج العربية”، جامعة مانشستر 1968

مقال منشور في السفير العربي

قرنان على “معاهدة السلام العامة” في الخليج