الأزمة الخليجية.. المهزلة الخليجية

أكدت الأحداث التي تلت لقاء أمير الكويت بالرئيس الأميركي في البيت الأبيض في السابع من ايلول/ سبتمبر الجاري، أن الخليج العربي هو شأن أميركي بالدرجة الأولى. ولا غرابة في ذلك، فمن يعرف شيئاً عن تاريخ المنطقة يدرك أن حكام الخليج يكرّرون في العام 2017 ما كان يفعله أسلافهم منذ بداية القرن التاسع عشر، حين كان الخليج العربي بحيرة بريطانية. وقتها، كانت بريطانيا تشرف على الأمن في المنطقة وتفصل في النزاعات بين شيوخ القبائل، حتى ولو تطلّب ذلك إزاحة شيخ وتعيين آخر مكانه، أو فرض غرامات مالية على قبائل متنازعة، أو تهجير قبيلة من منطقة إلى أخرى.
لم يختلف المشهد حين وقف أمير الكويت أمام الرئيس الأميركي ليعلن أن جهود الوساطة التي قام بها نجحت في منع اللجوء إلى الحل العسكري في الأزمة الأخيرة. ولم يختلف حين أبدى الرئيس الأميركي استعداده للتوسّط بين قطر والإمارات والسعودية، وأعلن إقتناعه بأن التوصّل إلى تسوية “سيتم على نحو سريع للغاية”. (وكان لافتاً عدم إشارة الرئيس الأميركي لكلٍ من البحرين ومصر المشاركتين في الحلف الرباعي ضد قطر).

عرقلة التسوية

تسارعت الأحداث بعد ذلك المؤتمر الصحافي، وبدت متّسقة مع ما أعلنه الرئيس ترامب. فبعد اتصالات تمهيدية قام بها الراعي الأميركي، نشرت وكالة الأنباء السعودية خبراً عن تلقي ولي العهد السعودي اتصالاً هاتفياً من أمير قطر “أبدى خلاله رغبته بالجلوس حول طاولة الحوار، ومناقشة مطالب الدول الأربع بما يضمن مصالح الجميع”. وأضافت الوكالة أن ولي العهد السعودي رحب بذلك. وقامت وكالة الأنباء القطرية بنشر نصٍ مماثل حول المكالمة الهاتفية وغرضها.
كانت الأمور تسير في طريق التسوية. إلا أن “شيئاً ما” جعل وكالة الأنباء السعودية تسارع إلى نشر بيان جديد يعلن عن “تعطيل أيّ حوار أو تواصل مع السلطة في قطر، حتى يصدر منها تصريح توضح فيه موقفها بشكل علني”. أضاف البيان أن السلطات القطرية لم تستوعب بعد “أن المملكة العربية السعودية ليس لديها أي استعداد للتسامح مع تحوير السلطة القطرية للاتفاقات والحقائق”.
لم يكن واضحاً في البداية ما المقصود بالتحوير المشار إليه، ولم يتضح ما الأمر الذي قامت وكالة الأنباء القطرية بتحويره. لكن سرعان ما تبيّن أن الغضب الواضح في البيان السعودي وإعلان تراجع محمد بن سلمان عن ترحيبه بالعرض القطري يعود إلى ذكر وكالة الأنباء القطرية أن الإتصال بين الأميريَن جاء “إثر تنسيق أميركي ومبادرة من قبَل الرئيس الأميركي دونالد ترامب” (الوطن البحرينية 9/9/2017).

حفظ ماء وجه ابن سلمان

هي مهزلة حقاً إذا كان سبب تأخير الدخول في التسوية هو الرغبة في حفظ ماء وجه ولي العهد السعودي، الذي لا يرضى أن يُقال عنه إنه يتلقى التوجيهات من أحد، حتى ولو كان رئيس الولايات المتحدة الأميركية.  فمنذ تولى محمد بن سلمان منصب ولي ولي العهد، بذل الإعلام الرسمي السعودي والتابع له جهوداً حثيثة لإبرازه كقائدٍ يملك قراره. وليس ثمة ما يشوّه تلك الهالة أكثر من أن يعرف الناس أن قائد مملكة الحزم قد تلقّى توجيهات من الرئيس الأميركي بالدخول في تسوية مثل تلك التي تلّقاها حاكم قطر. وأسوأ من ذلك، أن يُقال إنه امتثل لتلك التوجيهات.
من المحتمل أيضاً أن يكون السبب الأهم لتأخير الدخول في تسوية يكمن في فشل محمد بن سلمان في إقناع حلفائه في مصر والبحرين والإمارات بجديّة العرض القطري. يضاف إلى ذلك ــ ربما ــ عنجهية الرئيس الأميركي واستخفافه بقادة الأمارات والبحرين ومصر، إلى درجة عدم إشراكهم في الاتصالات التي مهدت للمكالمة الهاتفية بين أمير قطر وولي عهد السعودية.

ومهما يكن السبب، أو الأسباب الحقيقية، فمن المؤكد أن مفتاح تسوية الأزمة الخليجية الراهنة باقٍ في يد الرئيس ترامب. وهو لا يجد الآن ما يجعله يستعجل التوصّل إلى تسوية أزمة توفّر له شخصياً مكاسب سياسية، كما توفّر لبلاده مكاسب إقتصادية وسياسية إضافية.

الأزمة المهزلة

بعد أكثر من مئة يوم على اندلاع الأزمة، لا يبدو أن أحداً من أطرافها قادرٌ على تسويتها أو الخروج منها. فبعد أن نجحت الوساطة الكويتية، حسبما أعلن أمير الكويت في مؤتمره الصحافي في البيت الأبيض، في منع خيار التدخل العسكري، لم يعد ممكناً بعد إعادة التموضع الإقليمي أن تغامر قوات “درع الجزيرة” بغزو قطر لإستبدال حاكمها. ولهذا كله توقف الحديث عن إنشاء قاعدة عسكرية مصرية في البحرين، كما توقف التهديد بـ”تدخل إقليمي” كما لوَّح وزير الخارجية البحريني في إحدى تغريداته المتسرعة (25/6/2017).ا

بعد اندلاع الأزمة الخليجية الأخيرة كتب كثيرون من صنَاع الرأي في منطقة الخليج معبّرين عن مخاوفهم من تداعيات الأزمة على مستقبل المنطقة وعلى العلاقات بين شعوبها. وعلى الرغم من ذلك، ظلّ الأمل يراود كثيرين بأن تتغلب الحكمة، وأن تقود – كما كتب الأكاديمي الكويتي محمد الرميحي في مدونته – إلى “إصلاحات في الدولة الخليجية أزف زمانها، وتطوير منظومة تعاونية تحلّ فيها الثقة والاطمئنان محل الشك، والشفافية محل التعتيم، والمؤسسية بدلاً من الفردية، مع وضع آلية واضحة لحلّ الخلافات قبل أن تستفحل”. إلا إن فرص التعبير عن تلك الآمال وعن تلك المخاوف تقلصت كثيراً، بعد أن أعلنت السلطات المختصة في الإمارات والبحرين والسعودية عن “تجريم التعاطف مع قطر”، بما في ذلك مناقشة ما تسببه قرارات المقاطعة الشاملة من معاناة. فصار جرماً يستحق الملاحقة أن يحذّر أهل الرأي من عواقب سيادة عقليّة المعاداة بالجملة، أو أن يطالبوا بالتفريق بين معاداة حاكم من الحكام وبين معاداة شعبه.

الفجور في الخصومة

بجانب عجز أطراف الأزمة عن إنهائها بهذا الاتجاه أو ذاك من دون توجيه أميركي، نراهم عاجزين أيضاً حتى على إبقائها في حدودها الراهنة.  فهي تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبثِ صبية يملك كلّ واحدٍ منهم جيشاً وأموالاً يجنّد بها أنصاراً وحلفاء وأجهزة إعلام في الداخل والخارج. ويمكن توثيق أشكال العبث والإسفاف فيما نشرته في الأسابيع الأخيرة أجهزة الإعلام في قطر والسعودية والإمارات والبحرين. ففي غياب خيارات التسوية لدى الأطراف الخليجية من دون تدخل أميركي مباشر، يتجه إعلامها وكبار مسؤوليها إلى تبادل السباب والبذاءات.
أحد آخر أمثلة الإنحدار المتسارع في الإسفاف ظهر في عطلة عيد الأضحى، حين نشرت شركة “روتانا” المملوكة للأمير السعودي الوليد بن طلال أغنية بعنوان “علّم قطر” على حسابها في موقع يوتيوب. وضع كلمات الأغنية مستشار في ديوان ولي العهد السعودي. قام بأدائها سبعة من أشهر المطربين في السعودية، أرادوا تعليم قطر ومن خلفها “ان البلد هذه طويلٌ بالها، بس المسايل لين وصلت للخطر لا والله ان تشوف فعل رجالها”.
حتى وقت كتابة هذا النص، شاهد تلك الأغنية التي تبلغ مدتها خمس دقائق أكثر من خمسة ملايين شخص! (مع ملاحظة وجود بصيص أمل في كمّ التعليقات في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي التي استهجنت هذا الإسفاف الإعلامي والفجور في الخصومة). من جهتها، بادرت وسائل الإعلام القطرية والتابعة لها بنشر بذاءات مضادة، كما قامت بإعادة إذاعة أغانٍ في حب قطر ومدح أميرها كان أدّاها عددٌ من المطربين المشاركين في شريط “علّم قطر”…ا

كشف التقاذف بالأغاني أن إسفاف الإعلام الرسمي السعودي وبذاءاته لا يختلف عن مثيله القطري. كما كشف أيضاً أن المطربين، كغيرهم من العاملين في المجال الثقافي الرسمي، مجنّدون في خدمة ولي الأمر. بل أنهم قادرون على استخدام أدوات القرن الواحد والعشرين وتقدّمه التكنولوجي للقيام بدور أسلافهم في عصور ما قبل النفط، حين يستدعيهم شيخ القبيلة وحين تنطلق صرخة الفزعة. وهم بذلك لا يختلفون عن حكّامهم الذين يتصارعون بأدوات القرن الواحد والعشرين لإدامة علاقات وأنظمة تنتمي إلى القرون الوسطى.


 

http://arabi.assafir.com/Article/1/10342

 

 

Advertisements

الجزء الثاني من حواري (البحرين اليوم): “إسقاط النظام” لم يكن غريبا عن أدبيات المعارضة قبل الاستقلال

البحرين اليوم – (خاص)

لا يُخفي المعارض وعالم الاجتماع الدكتور عبد الهادي خلف ميله الواضح إلى مطلب “إسقاط النظام” الذي رفعه المعتصمون في دوار اللؤلؤة في فبراير ٢٠١١. ويؤكد في الجزء الأخير من الحوار؛ بأن هذا المطلب كان حاضرا في أدبيات التنظميات المعارضة التي سبقت استقلال البحرين، وقبل أن تتدخل السلطة الخليفية لاحقاً لإماتة هذا الشعار، وبوسائلها المعروفة في المغريات.

يذهب الدكتور خلف إلى أن هناك اختلافات جوهرية بين التجربة البرلمانية التي نشأت بعيد الاستقلال والتي كان أحد رموزها، وتلك التجربة التي جاءت في عهد حمد بن عيسى في ٢٠٠٢، وهي اختلافات لا تغيّر من حقيقة أن آل خليفة كانوا – ولا زالوا – يشعرون بالراحة أكثر في ظل الهيمنة البريطانية والاحتماء بها.

مع تجاربه الطويلة، والنضالات التي قدّمها على مدى عقود، وبوزنه الأكاديمي ورؤيته الناقدة التي يصفها البعض بأنها “ثاقبة حدّ الإصابة”؛ يمكن النظر إلى الدكتور خلف باعتباره عميد المعارضة التغييرية في البحرين، وأحد الذين يمكن أن يكون وصْلاً قاطعاً بالتاريخ السياسي للبحرين، وقطعاً واصلاً بواقعها المليء بتكراريّات التاريخ. ولعله من هذا المنظور قد يكون الدكتور خلف من أبرز الشخصيات التي يتوجب على النظام الخليفي والمعارضة السياسيّة على حدّ سواء أن ينصتوا إليه، وأن تكون لأفكاره الحيّز المناسب والمؤثر في ترتيب الأجندة أو صياغة المواقف والقرارات.

  • اقرأ الجزءالأول من الحوار مع الدكتور عبد الهادي خلف: هنا

 

 كتبتَ في إحدى المقالات “نعم لإسقاط النظام” وقلتَ بأن هذا الهدف كان حاضرا طيلة السنوات التي سبقت الاستقلال، وأن كل التنظيمات قبل الاستقلال كانت تحلم به؟ هل يمكن الحديث عن ذلك؟

– أشرتُ في إجابة سابقة إلى أن قيام هيئة الإتحاد الوطني في أكتوبر ١٩٥٤ أحدث نقلة نوعية في العلاقة بين آل خليفة والناس بمختلف انتماءاتهم. فمنذ بيانها الأول الصادر في ١٣ أكتوبر ١٩٥٤ برز مساران رئيسان للتجاذب السياسي والثقافي في البحرين، ولكلٍّ من المساريْن تفرعات كما شهدنا طيلة أكثر ستة عقود مضت. إلا أن أحدهما هو مسار تغييري رسمه ذلك البيان رغم صياغته الحذرة، كما رسمه الحراك الشعبي الذي قادته الهيئة حتى قمعها ومحاكمة قادتها في ديسمبر ١٩٥٦. أما المسار الثاني، فهو مسار إصلاحي، يرى ضرورة مسايرة العصر دون المساس بالأسس التي يقوم عليها الحكم الخليفي. أسارع للقول إن غالبية الناس كانت منشغلة بأمور حياتها، ولم تكن معنيّة بتحديد موقعها بين هذيْن المساريْن، إلا آثار التجاذب بينهما كانت تؤثر سلباً وإيجاباً على الجميع.

أود أن أشير إلى إحدى خاصيات التجاذب السياسي في مجتمع صغير سنراها تتكرّر و تفعل فعلها في أعقاب قمع انتفاضة دوار اللؤلؤة في مارس ٢٠١١. لأسباب عدة لم يكن الفاصل بين المساريْن عازلاً بحيث لا يستطيع أفراد من النخبة الإنتقال بيُسرٍ من جانب لآخر أو اتخاذ مواقف لا تغضب السلطة ولا معارضيها. ولهذا كان سهلاً على بعض قادة الهيئة الانسحاب منها كما كان سهلاً على غالبية أعضاء لجنتها القيادية (لجنة المائة والعشرين) الإلتحاق بحظيرة السلطة قبل قمع الهيئة أو مباشرةً بعد ذلك.

maxresdefault

  جبهة التحرير: المستعمرين البريطانيين

* وهل ورثت التنظي آل خليفة صنائع مات آنذاك، وخاصة اليسارية، المسار التغييري للهيئة؟

– نعم، لقد ورثت شعارات الهيئة التنظيماتُ السرية التي نشأت في ظلها مثل جبهة التحرير الوطني البحرانية أو بعد قمعها، كالمجـموعات التي شكلت فيما بعد فرعيْ حركة القوميين العرب وحزب البعث. إلا هذه التنظيمات السرية لم تكن في حاجة للمخاتلة مما جعلها تنبذ الصياغات الحذرة. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في رسالة موجَّهة من قيادة جبهة التحرير الوطني البحرانية إلى أمين عام الأمم المتحدة (فبراير ١٩٦٨) في خضم التمهيد للتسوية البريطانية-الإيرانية والتي أدت إلى إعلان إستقلال البحرين. تقول قيادة الجبهة: “إن آل خليفة صنائع المستعمرين البريطانيين لا يمثلون إرادة الشعب البحريني، وإنما هم مفروضون على الشغب البحريني بالحراب البريطانية. وقد أعلن شعبنا بصراحة في أكثر من مناسبة وانتفاضة عدم رغبته في بقائهم”.

كانت تلك الرسالة/البيان من جملة مواقف موثقة وبيانات صادرة عن مختلف تنظيمات المعارضة؛ استندتُ إليه حين كتبتُ في مقالي الذي تشير إليه، وقلتُ فيه “إن شبان وشابات اللؤلؤة (أعادونا) إلى الحُلم الذي حَلِمت به الناس جزءاً  مكنوناً في ذاكرتها منذ أن توحدت تحت راية هيئة الإتحاد الوطني قبل أكثر من خمسين سنة”.

* إذن، ما الذي فعله آل خليفة لكي يمحوا هذا الهدف من أجندة المعارضين، ويقنعوا الكثيرين بأن إصلاح النظام، وليس استبداله، هو الممكن والمطلوب؟

–  ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال في هذا الوقت القصير. هي لم تفعل شيئاً عدا تقديم الوعود والتعهدات إلا إنها اعتمدت على قدرتها على “إقناع” قيادات المعارضة والنخب السياسية بضرورة قبول تلك التعهدات والوعود. حصل هذا بعد الإستقلال وتكرّر بعد انتفاضة التسعينيات. عدا ذلك ليس من ثمة تشابه بين ما شهدته البحرين في ظل التجربة البرلمانية الأولى أي الفترة ١٩٧٣-١٩٧٥ وبين ماشهدته في ظل التجربة البرلمانية الثانية أي الفترة ٢٠٠٢-٢٠١١. (أما التجربة البرلمانية الثالثة الممتدة منذ الانتخابات التكميلية في ٢٠١١ وحتى الآن تحتاج لحوار آخر).

كانت البحرين في ١٩٧٣ أي قبل الطفرة النفطية تختلف تماماً عن البحرين بعد الألفية. لا ينحصر الإختلاف في جوانب محددة، بل يشمل التركيبة السكانية وتركيبة الإقتصاد والظروف السياسية إلى غير ذلك، ناهيك عن القوى السياسية الفاعلة محليا وإقليمياً. كذلك كانت دوافع دخول المعارضة إلى التجربتيْن مختلفة. ولهذا حكمت برلمان ١٩٧٣ تفاصيلُ المواجهة بين السلطة والمعارضة بأطيافها اليسارية والوسط والدينية منذ اليوم الأول لإنعقاده إلى آخر جلسة عقدها. أما برلمان ٢٠٠٢ ومابعده فحكمته رغبة المعارضة في الوصول إلى تفاهمات مع السلطة حول مختلف أوجه الإصلاح المتوخاة. (مرة أخرى، قد يجد الباحثون الشباب في هذه المقارنة موضوعاً لأبحاث ودراسات).

scan0223

قامت السلطة بحل التجربة البرلمانية الأولى لأنها فشلت في تحويل مجلس ١٩٧٣ من كونه مجلس مواجهة ليصبح مجلساً للحوار والتفاهم. أما التجربة البرلمانية الثانية (أي الممتدة بين ٢٠٠٢-٢٠١١) فلقد كانت السلطة ترغب في استمراها كما كانت ترغب فيه قوى المعارضة التي راهنت على المشاركة في البرلمان. لقد اتخذت السلطة قرار حل المجلس الوطني في أغسطس ١٩٧٥ إلا أن إلغاء مجلس ٢٠١٠ لم يكن قرار السلطة ولا اختيارها. بل هي جاهدت لاستمراره. فمن أسقط برلمان ٢٠٠٢- ٢٠١١ هم أحفاد من سقطوا في ١٩٥٤ ومنْ لحقهم ممن لم يقبلوا أن تصبح تضحيات أجيالٍ متعاقبة ثمناً لمنصب وزاري أو كرسي نيابي أو مقابل زيادة حصة هذه الطائفة أو تقليل حصة تلك الطائفة في الجهاز الحكومي والمؤسسات العامة.

ارتبط موضوع استقلال البحرين بالعسكرة، أو بالقواعد العسكرية الأجنبية. مع عودة بريطانيا عسكريا إلى البحرين، إلى أي مدى يمكن أن يفسر ذلك طبيعة العلاقة “الخاصة” بين البريطانيين وآل خليفة؟

– تتفق الروايات المعتمدة على إن الفتح كحادثة تاريخية حصل في ١٧٨٣. إلا إن البحرين لم تصبح غنيمة غزو خالصة لآل خليفة إلا بعد ١٨٦٩. وما بين التاريخيْن لم تستقر الأوضاع في البحرين التي تداول الهيمنة عليها في العقود السابقة كلٌ من ابن سعود وسلطان مسقط، كما أسهمت النزاعات الدموية بين الخليفيين أنفسهم في عدم استقرار الوضع في فترات هيمنتهم. ولعل من المفيد الإشارة إلى أنه في عام ١٨٦٩ بلغت النزاعات الدموية بين آل خليفة إلى حد أن يتداول على الحكم ثلاثة منهم في تلك السنة وحدها. لذلك تدخل البريطانيون مباشرة وأولوا الحكم إلى عيسى بن علي ليكون الحاكم الرابع في تلك السنة.

* ما أبرز الاتفاقيات التي رسخت الهيمنة البريطانية على آل خليفة؟

– يمكن النظر إلى التدخل البريطاني في ضوء عددٍ من الإتفاقيات التي فرضتها على شيوخ المنطقة بما فيهم آل خليفة. من بين تلك الإتفاقيات الإتفاقية العامة للسلم (١٨٢٠) والإتفاقية الدائمة للسلم والصداقة (١٨٦١) التي ألزمت شيخ البحرين بعدة التزامات ستستمر إلى إعلان استقلال البحرين في ١٩٧١. فعلاوة على الإلتزام بالإمتناع عن ممارسة القرصنة وتجارة الرق؛ ألزمت الإتفاقية حاكم البحرين بألا يعقد أي إتفاقيات أو يتبادل المراسلات مع أي قوة أخرى عدا بريطانيا العظمى التي تعهدت بأن تتولى إدارة علاقات البحرين الخارجية وأن تمارس السلطة القضائية على الأجانب المقيمين في البحرين. فبحسب إتفاقية ١٨٦١ وما تلاها من إتفاقيات؛ تحولت البحرين إلى مستعمرة دون أن تُسمَّى ذلك. وانحصرت سلطة حاكم البحرين في الشئون الداخلية فيما عدا ما يخص الأجانب المقيمين في بلاده. مقابل كل ذلك، ضمن الحاكم حكمه، وضمن الحماية البريطانية له من أطماع الجيران على ضفتيْ الخليج.

* من قراءتك التاريخية وتجربتك الشخصية لمرحلة ما قبل الاستقلال؛ هل هناك حوادث أو مقاطع معينة تعكس هذه الحقيقة؟

355

– نعم.. وهنا أعود مرة أخرى إلى هيئة الإتحاد الوطني وما حصل لثلاثة من قادتها الذين تم نفيهم إلى سانت هيلانة لقضاء حكم بالسجن أصدرته محكمة في البديع برئاسة دعيج بن حمد الذي قاد في ١٩٥٣ “فتنة محرم”. قدم القادة الثلاثة استئنافاً ضد قرار الإدانة إلى المحاكم البريطانية. وبعد سنوات من المداولات القانونية قبلت المحكمة استئنافهم مؤكدةً إن البحرين هي مستعمرة حسب الأمر الواقع، و”إن السلطة القضائية في البحرين هي لحكومة صاحبة الجلالة البريطانية”. على ضوء ذلك تم الإفراج عن المرحومين عبد العزير الشملان وعبدعلي العليوات وعبد الرحمن الباكر، ودفعت الحكومة البريطانية تعويضات مقابل سجنهم غير القانوني.

* وكيف كانت العلاقة بين بريطانيا وآل خليفة، هل كان الخليفيون مسرورون بالفعل لهيمنة بريطانيا على البحرين؟

– كان الوضع في ظل الهيمنة البريطانية “مريحا” تماماً بالنسبة لآل خليفة. إلا إن رياح حركة التحرر الوطني التي كنست الإستعمار في مختلف أرجاء المعمورة وصلت أيضاً إلى البحرين وغيرها من المستعمرات وشبه المستعمرات البريطانية في الجزيرة العربية والخليج. فكان استقلال عدن ومشيخات الجنوب اليمني في ١٩٦٧ بداية لإعلان بريطانيا الانسحاب من الخليج. وهو إعلانٌ فاجأ حكام الخليج الذين وصل رعبهم وهوانهم إلى حد إنهم عرضوا على بريطانيا تمويل بقاء قواتها في بلدانهم. ولا أظن إن أحداً فاته سماع حاكم البحرين الحالي يسأل مستمعيه في لندن قبل عاميْن “منْ طلب منكم الانسحاب؟”. حين انسحبت بريطانيا من الخليج لم تُعر اهتماماً لقلق حكامه بل ولم تقبل عروضهم. فليس ثمة علاقة “خاصة” بينها وبين أيٍ منهم. فمثل كل دولة مستقرة فمصالح بريطانيا هي التي تحدد صداقاتها ونوعية تلك الصداقة.

https://www.bahrainalyoum.co.uk/?p=90896

 

——————–

 

الجزء الأول

https://wordpress.com/post/abdulhadikhalaf.wordpress.com/2644

 

https://www.bahrainalyoum.co.uk/?p=90780

 

————————

 

.

.

 

 

حواري مع (البحرين اليوم): حول استقلال البحرين وموروثات الغزو الخليفي (القسم الأول )ا

البحرين اليوم

يؤمن المعارض البحراني البارز وعالم الاجتماع الدكتور عبد الهادي خلف، بأن آل خليفة لازالوا يتعاملون مع البحرين، أرضا وشعبا، باعتبارها “غنيمة غزو”، ومن هذا المنظور التفسيري يدعو خلف إلى قراءة الوقائع التاريخية التي سبقت استقلال البحرين عن بريطانيا في ١٩٧١ وما تلاها من أحداث، وصولا إلى اليوم.

في هذا الحوار، يُقدِّم خلف قراءته لمفهوم “الغزو” في سياق العلاقة الجدلية بين آل خليفة والبحرانيين، ويتوقف عند أداوت العزلة الاجتماعية وكيف مورست بغرض إعاقة بناء الدولة الحديثة في البحرين، ويسلط الضوء على الدور الذي قام به رئيس الوزراء الخليفي خليفة بن سلمان في هذا السياق، وكيف استطاع النجاح في المهام التي فشل فيها خليفيون وبريطانيون قبله.

عبد الهادي خلف من مواليد المنامة ١٩٤٥م، درس في كلية الآداب وقسم الاجتماع في جامعة بغداد، وكان من بين أساتذته المفكر المعروف الدكتور علي الوردي. وتخرج من الجامعة عام ١٩٦٦ وسافر مباشرة إلى السويد والتحق بجامعة لوند، وحصل على شهادة الدكتوراه عام ١٩٧٢ ليعمل أستاذا في الجامعة نفسها. عاد إلى البحرين في سبتمبر ١٩٧٣م ودخل المجلس الوطني ضمن “كتلة الشعب” التي تمثل إئتلافا يساريا وقوميا. بعد شهر ونصف أُسقطت عضويته بعد أن برز دور الكتلة التي كان ناطقا باسمها. وتعرّض لاعتقالات عديدة بعدها، وخاض إضرابا عن الطعام دام ٢٩ يوما للمطالبة بإطلاق سراحه، وهو ما حصل في فبراير ١٩٧٥، ولكنه اعتقل مرة أخرى في يناير ١٩٧٦ وبقي في السجن ٣ أشهر ليصدر بعدها أمر بنفيه خارج البلاد. وأسقط النظام في البحرين الجنسية البحرانية عن خلف في نوفمبر ٢٠١٢م، وهو اختار أن يعرّف عن نفسه في (بايو) حسابه بموقع تويتر بقوله: “حمد لا يعترف بي مواطناً وأنا لا أعترف به ملكا”.

* من الأفكار التي تؤكد عليها في قراءتك لعلاقة آل خليفة بالبحرين، هو قولك بأنهم ينظرون إلى البلاد على أنها “غنيمة غزو”، وتتحدث عن موروث الفتح. هل برأيك لازال هذا المنظور التفسيري قائما رغم مرور أكثر من ٤٥ عاما على استقلال البحرين عن بريطانيا؟ ما معالم هذا الموروث اليوم؟

– ما زلتُ مقتنعاً بأن دراسة تداعيات موروث الفتح، وفي مقدمتها اعتبار البلاد “غنيمة غزو”؛ تسهِّل فهم مسار القرنين ونصف القرن الماضييْن، كما تسّهل التعرف على بعض أسباب اختلاف تاريخ البحرين السياسي/الاجتماعي عن الكويت مثلا أو بقية الإمارات النفطية.

إلا إنني حين أتحدث عن “موروث الفتح” فإنني أشير إلى تداعياته في جهتيْن – جهة الغالب وجهة المغلوب. وعليك أن تعود هنا إلى ما قاله إبن خلدون في هذا الصدد. إلا أن المسألة بالنسبة لي لا تتعلق بالتذكير بحادثة تاريخية، بل بما لتلك الحادثة من تداعيات تفعل فعلها في تشكيل العلاقة بين الجهتيْن، وتأثيرها في تشكيل المسارات المحتملة لمستقبل تلك العلاقة. فهذه التداعيات تتمظهر في مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية، كما إنها لعبت وما تزال تلعب دوراً أساسياً في تشكيل أنماط السلوك اليومي للعائلة لأغلب أفراد الحاكمة والنخب الاجتماعية ومِن ورائهم الناس، بمن فيهم أنت وأنا.

غنيمة الغزو: من مزارع النخيل ومصائد النخيل.. إلى الأملاك العامة

* ولكن كيف تفسّر هذا الإدعاء؟ هل يمكن أن تشرح كيف تعامل آل خليفة استناداً إلى ما تسميه بـ”موروث الفتح”، وخاصة في تعاملهم مع البحرين -أرضاً وشعباً – باعتبارهما “غنيمة غزو” كما تقول؟

– تأسيساً على “غنيمة غزو”، تمكنت العائلة الخليفية – بعد استقرار الحكم لها – من إضعاف بقية الفئات في البحرين بمن فيهم ورثة القبائل التي أتت من الزبارة للمشاركة في فتح البحرين عام  1783 .  ومنذ عشرينيات القرن الماضي؛ تمكن آل خليفة من توسيع غنيمة الغزو بالإستحواذ الكامل على مؤسسات “الدولة” ومواردها بالإستناد إلى النظم الإدارية والسياسية التي وضعها البريطانيون لتنظيم الإدارة الحكومية. فلقد اعتبر آل خليفة إن تلك المؤسسات والموارد التي قامت منذ بداية القرن العشرين هي استمرار تاريخي لمزارع النخيل ومصائد الأسماك وعيون المياه التي تم الإستحواذ عليه كغنيمة غزو عام 1783.

منذ 1869 وحتى الآن لم تتغير جوهرياً ممارسات السلطة الخليفية، فهي ظلت تعكس تلك القناعة الراسخة بأن البحرين بمنْ وما عليها هي غنيمة غزو. ولم تضعف تلك القناعة بما مرت به البحرين من تغيرات سياسية وإجتماعية وثقافية وديمغرافية. بل أزعم إنها ازدادت ثباتاً وقوة في ظل تلك التغيرات. فمازال تراث الغنيمة الذي برر الإستيلاء على مزارع النخيل ومصائد الأسماك في القرن التاسع عشر فاعلاً حتى الآن، رغم كل ما شهدته البحرين من تغيرات.

lvl220111219035927

* لكي تكون الصورة واضحة أكثر، هل يمكن أن تقدّم شواهد تاريخية على ذلك؟

– الشواهد على ذلك كثيرة، وسأعطيك منها ثلاثة أمثلة متفرقة.

في 1920 وضع البريطانيون نظام الجمارك في البحرين وفرضوا استيفاء ضريبة جمركية (تراوحت بين 5% و15%) على كل البضائع الواردة إلى البحرين. ما حصل بعد ذلك إن جميع واردات الضريبة الجمركية كانت تذهب مباشرة إلى خزينة الحاكم الخليفي. ومن جهة أخرى كانت البضائع المستوردة باسم أي فرد ينتمي للعائلة معفاة من الضريبة الجمركية (كان تسـجيل هذه الإعفاءات من الضريبة الجمركية جزءاً من عملي حين كنتُ موظفاً في إدارة الجمارك سنة 1963. وأغلب نظام الإعفاء ما زال سارياً حتى الآن). وما حصل لجهة الإعفاء من دفع الضريبة الجمركية تكرّر مع الإعفاء من الرسوم الأخرى، بما فيها مستحقات استهلاك المياه والكهرباء.

وفي الثلاثينيات، وبعد أن دخلت البلاد عصر النفط وازدادت مواردها بإنشاء مصفاة تكرير النفط؛ وضع البريطانيون نظاماً لتقسيم تلك الموارد بحيث يخصص ثلثها لمصروفات الإدارة الحكومية وثلث آخر للعائلة الخليفية والباقي يذهب للإحتياط. ومعلومٌ أن الثلث الإحتياطي هو في الواقع في متناول الحاكم وتحت تصرفه. لم يتغير الحالُ إلا شكلياً بعد إعلان الإستقلال وبعد الطفرة النفطية. ففي غياب الشفافية لا يعرف أحدٌ خارج بؤرة الحكم في العائلة الخليفية ما هي بالضبط حصة العائلة من دخل البلاد من إنتاج النفط وتكريره ومن عائدات الإستثمارات الحكومية في الداخل والخارج.

والشاهد الأخير الذي أود الإشارة إليه يتعلق بما يُرمز إليه بـ “فضائح الإستيلاء على الأملاك العامة”. ومن تلك الفضائح ما أشار إليه أخونا إبراهيم شريف في مرافعته أمام المحكمة في 2012 حول سرقة 65 كلم مربع من أراضي وشواطئ البلاد بما فيها الإستثمارات العقارية في المرفأ المالي وخليج توبلي وخليج البحرين وديار المحرق ورفاع فيوز، علاوة على “أراضٍ لا تعد ولا تحصى تجاوزت قيمتها عشرات المليارات من الدولارات”.

* من المعروف أن هذه الفضائح متداولة بالفعل، ويمكن الحصول عليها بمراجعة التقارير الرسمية أيضا.

– نعم، فضائح النهب والإستيلاء على الأملاك العامة لا تنحصر على المعارضين والأكاديميين ذوي الضمير، بل تتكرر الإشارة إليها وبالأرقام في التقارير الدورية المتتالية التي يصدرها ديوان الرقابة المالية والإدارية الحكومي. إلا أن ما نعتبره نهباً للأملاك العامة ونعتبره لذلك فضيحة أخلاقية وجريمة موصوفة؛ تراه السلطة الخليفية حقاً يستند إلى موروث الفتح وجزءاً جارياً من غنيمة ذلك الغزو. المفارقة تكمن في أن ما قد تعتبره السلطة الخليفية فضيحة وجريمة ليس هو النهب والفساد بل هو تداول أخبار ما يتناقله الناس من أخبار النهب والفساد.

ثمة شواهد كثيرة أخرى وتفاصيل يتداولها الناس. ولعلك سمعتَ ما يُروى عن محمد بن سلمان (عم حمد وشقيق خليفة) الذي تساءل مستنكراً “يه… إيبوﮚ الواحد مُلكه؟”(أيسرق أحدٌ ملكَه؟) حين اعترض مالك عقارٍ سكني أراد محمد بن سلمان انتزاعه. فهم مالك العقار معنى العبارة وقبل الأمر الواقع. أي إن البلاد كلها هي غنيمةُ سيفٍ فما بالك بعقارٍ فيها! ولعلك سمعتَ أيضاً بالمجمع التجاري الذي تأخر افتتاحه لسنتيْن بسبب تعطيل توصيل الكهرباء إليه. ولكن حين قبل أصحابه عرض خليفة بن سلمان مشاركتهم في ملكية ذلك المجمع، بدون مقابل، حصل صاحب القرار على الزرِّ ليصل التيار الكهربائي.

سياسة العزلة الاجتماعية: مواجهة الفضاء العام

* بحكم تجربتك الطويلة، في النضال والاعتقالات والعمل السياسي، عاصرت فترة الاستقلال، وكنت شاهدا على محاولة تأسيس دولة ما بعد الاسقلال. برأيك كيف أصبحت هذه المهة “غير منجزة” حتى الآن؟ 

– بدأ البريطانيون في العقديْن الأوليْن من القرن العشرين أولى الخطوات لإنشاء إدارة حكومية في البحرين، ومن بينها ما يُعرف بـ “إصلاحات الميجور ديلي”. لم تكن العائلة الخليفية وعلى رأسها عيسى بن على راضية عن تلك الإصلاحات، وحاولوا الإعتراض عليها وتحشيد الناس حولهم ضدها.   إلا إن البريطانيين أزاحوا ذلك الحاكم كي يعيِّنوا ولده حمد مكانه لتنطلق آلة العصرنة المطلوبة لمواكبة دخول البلاد عصر النفط وما تولد عنه من أنشطة اقتصادية وما أفرزه من تغيرات.

أسهمَ التحديث الإداري بما يستند إليه من أنظمة ولوائح وما يتطلبه من التوسع في نشر التعليم وما يفتحه من مجالات عمل وما يوفره من خدمات؛ في نشوء فضاء عام بديل للفضاءات العامة المستندة إلى المشترك القبلي أو الطائفي أو المناطقي. تسارع نمو هذا الفضاء العام الجديد بانخراط الآلاف في سوق العمل الجديدة التي فتحتها الصناعة النفطية والأنشطة الاقتصادية المتولدة عنها والمرافقة لها (بما في ذلك بناء القاعدة البريطانية في 1935).

درس كثيرون ومن منظورات مختلفة هذه الفترة المفصلية الممتدة من إصلاحات ديلي بدءً من 1923 إلى اكتشاف النفط في 1932. وصل بعض تلك الدراسات إلى استناجات جديرة بالإهتمام وهي تختلف عما وصلتُ إليه.

تكمن أهمية تلك الفترة بالنسبة لي، ولتسهيل إجابة سؤالك، في إنها أسهمت في إحداث شرخ سيزداد اتساعاً في جدران العزلة الاجتماعية.   أهم هذه الجدران كانت العزلة المناطقية (بين الريف والمدينة) والعزلة الطائفية (بين السنة والشيعة). ففي مختلف مواقع العمل في شركة حقل النفط ومصنع التكرير والقاعدة البريطانية وشركات المقاولات وغيرها؛ كان العامل القادم من قرية قلالي (السنية) مثلاً يلتقي بعمال آتون من قرية سار (الشيعية)، كما كان يلتقي بعمال آتون من المنامة والمحرق. أتاحت مواقع العمل تلك فرصاً لم تكن متاحة للتواصل بين أبناء الفقراء ولاكتشاف المشترك بينهم. لم تميِّز ظروف العمل الشاقة في حقل النفط ومعمل تكريره وفي مواقع العمل الأخرى وورش البناء؛ بين العامل الريفي والمديني ولا بين العامل الشيعي والسني. وحين توفرت لهؤلاء ظروفٌ أفضل للعمل في حقول النفط السعودية التحق هؤلاء بها معاً.

* كيف كان يتعاطى آل خليفة مع التغيرات؟ هل كانوا يتجاهلونها؟

– لا يمكنني القول إن آل خليفة كانوا يجهلون مآلات هذه التغيرات. إلا إنهم واصلوا الإعتماد على الوجهاء من التجار ورجال الدين من الطائفتيْن للتحكم في الرعية. وكان للوجهاء تأثير كبير على الناس بحكم علاقتهم بالعائلة الحاكمة. بل هو لا يختلف كثيراً عن تأثير “الوزراء” في عهد عيسى بن علي. فكما كانت وساطة “وزير الشيخ” لازمة للحصول على ضمان أرض؛ أصبحت وساطة الوجيه فيما بعد لازمة للحصول على وظيفة. رغم أهمية دورهم لم يكن للوجهاء مكانة مضمونة. فهم معرضون دائماً لخسارة وجاهتهم. وقد لا يورثها بعدهم أولادهم. فوجاهتهم مشروطة بما يضمنونه من تحكم في الرعية. وفي حين تُجمع الوجهاء رغبتهم في البقاء في مراكزهم فإنهم يتدافعون كلما دعت الحاجة لإثبات من هو الأصلح منهم لتلك المراكز. هذا التدافع بين الوجهاء كان يحدث على مستوى القرية والحي والمدينة والطائفة، وهو ما أعتبره أمضى أدوات التشطير الاجتماعي التي تعاني منها البحرين منذ استقرار الحكم لآل خليفة في عهد عيسى بن على في 1869. فالوجهاء على أهمية دورهم بالنسبة لآل خليفة فليس لأحدهم دور إلا ضمن قرية أو حي أو قبيلة أو طائفة.

بلجريف ودعيج بن حمد: التجربة التي تعلم منها خليفة بن سلمان

* هل يمكن أن تضيء أكثر على سياسة “العزلة الاجتماعية” وكيف ترصد محاولات تعميقها في تلك الفترة؟

152658

– بجانب الإعتماد على الوجهاء؛ أمكن ملاحظة محاولات تبدو الآن خرقاء للتضييق على مجالات العمل المشترك وترميم ما يمكن أن ينهار من جدران العزلة الإجتماعية. من بين تلك المحاولات تبرز بشكل خاص جهود المستشار البريطاني بلجريف في التوظيف الطائفي، من قبيل حشد أبناء طائفة في دائرة حكومية تُعنى بالأشغال العمومية، وحشد أبناء طائفة أخرى في دائرة حكومية تُعنى بالخدمات الصحية. أما أخطر تلك المحاولات وقتها فكانت في 1953 قيام دعيج بن حمد (وهو شقيق الحاكم، بجانب إنه قاضٍ في المحاكم) بقيادة عصابة هاجمت مواكب عاشوراء في المنامة. سقط جراء ذلك الهجوم جرحى وكادت الفوضى أن تعم البلاد لولا الجهود التي قامت بها القيادات الشابة التي برز من بينها قيادة هيئة الإتحاد الوطني في الأشهر التالية. لم تنجح محاولات بلجريف ولم تنجح فتنة دعيج بن حمد. فلقد فات الفوت عليهما. إلا إن ما حاول أن يفعله بلجريف ودعيج ترك دروساً تعلّم منها خليفة بن سلمان منذ أن أتى ليحل محل بلجريف بعد سنتيْن من رحيله.

بتأثير ما أصاب جدران العزلة الاجتماعية من شروخ؛ توسّع الفضاء العام المتاح للتواصل والتنظيم والعمل من أجل تحسين ظروف عملهم ورفع أجورهم ورفع مستوى معيشتهم. ولهذا لم يكن غريباً أن تشهد شركة النفط في ديسمبر 1943 أول إضراب عمالي منظم في تاريخ البحرين. وما هو جدير بالتمعن فيه ودراسته هو أن ذلك الإضراب حقق جميع المطالب التي طرحها العمال في إضرابهم “المشترك”.

* هل يمكن القول بأن هذا الفضاء والأحداث التي سبقته كان له صلته المباشرة في إفراز هيئة الاتحاد الوطني؟ وحبذا لو أضأت على الأهمية التي تمثلها الهيئة في نظرك، ولاسيما مع ملاحظة الواقع الراهن للبلاد؟

– بالطبع، لم تكن المسافة بعيدة بين أحداث 1923 -1932 وما تلاها، وبين 1954 حين تأسست الهيئة التنفيذية العليا (التي تطلب الإعتراف بها تغيير إسمها إلى هيئة الإتحاد الوطني). بل إن الهيئة هي وليدة الهزات التي أحدثتها تلك الفترة. للأسف لم يطل عمر الهيئة سوى سنتيْن، إلا إن آثارها ما زالت باقية حتى الآن. لا أقول ذلك حنيناً لأحداث عايشتُ بعض مظاهرها في صباي، بل لأن قيامها شكّل انعطافة في تاريخ البحرين. فلأول مرة صار الناس من جميع مدن البحرين وقراها يتحركون تحت شعارات وطنية تخطت جدران العزلة الطائفية والمناطقية. وأهمية الهيئة في نظري تكمن أيضاً في إن مطالبها وحراكها أحدثا نقلة نوعية في العلاقة بين الناس والسلطة السياسية. هي نقلة تمثلت في أننا رأينا كيف أصبح ممكناً لفقراء السنة والشيعة مقاطعة وجهاء قراهم وأحيائهم لأنهم موالون لآل خليفة. (وهم طبقوا عملياً شعار “المفاصلة” الذي أدخله الأستاذ عبدالوهاب حسين بعدهم بستين سنة في الخطاب السياسي في البحرين.

مثلت الهيئة أيضاً واللغة التي استعملتها في حراكها القصير؛ نقلة نوعية في الخطاب السياسي. فهي كانت تخاطبهم باعتبارهم “مواطنين كرام” و”شعب مناضل”، بينما كانت السلطة الخليفية تعتبرهم “رعايا” و”جمهورا” و”عموما”.

تستحق دراسة تفاصيل هذه الفترة اهتمام الباحثين الشباب الأكثر قدرة مني على التخلص من أعباء الذاكرة وتحيزها. فهذه الذاكرة وهذا التحيز يجعلاني أرى إنه في هذه الفترة بالذات بدأ الإستقطاب السياسي والإجتماعي في البحرين يتبلور كصراع وطني وطبقي. وفي هذه الفترة بدأ التجاذب السياسي والثقافي في البحرين بين طرفيْن رئيسْين. أحدهما يتمثل في القوى السياسية التي تدعو لبناء الدولة العصرية التي توفر مستلزمات المواطنة المتساوية لجميع مواطنيها. والثاني يتمثل في السلطة الخليفية نفسها التي قد تقبل بإصلاحات تضمن استمرارها كسلطة أمر واقع. (لقد تناولتُ في عدة مجالات الفرق بين الدولة وسلطة الأمر الواقع. وهو فرقٌ يبدو واضحاً حين ننظر إلى إسرائيل كدولة لليهود وإليها كسلطة أمر واقع بالنسبة للفلسطينيين في المناطق المحتلة).

لماذا نجح خليفة بن سلمان في تشطير المجتمع؟

* في هذا السياق، كيف تقرأ الدور “السلبي” الذي لعبه رئيس الوزراء خليفة بن سلمان، آنذاك وحتى اليوم في هذا الشأن؟ 

– بالنسبة لدور خليفة بن سلمان، فمن الصعب أن نتحدث عن البحرين الحديثة دون الوقوف طويلاً عند دوره. فمنذ أن تولى في 1958 مهمات “سكرتير االحكومة” وخاصة بعد أن تولى في 1960 رئاسة دائرة المالية؛ بدأ خليفة شيئاً فشيئاً يُمسك بيديه بمفاصل السلطة السياسية. فحتى قبل أن يصبح رئيساً للوزراء في 1971 كان قد ثبّت سلطته على الجهاز الحكومي في أثناء عمله كرئيس للمجلس الإداري (1966-1970) وكرئيس للمجلس الدولة (1970-1971). ولهذا لن تجد مسئولاً حكومياً من مستوى الوزير ووكيل الوزارة إلى مستوى مدير إدارة تم تعيينه أو ترقيته خلال الخمسين سنة الماضية دون موافقة خليفة. لم يصبح أغلب هؤلاء صنائع لخليفة أو أدوات طيّعة بيده، ولكنهم كانوا يعرفون سطوته ويعرفون إنه لا يتواني عن قطع أرزاق منْ يعارضه. من صفوف الجهاز الحكومي برز أفرادٌ أسسوا شبكات فساد ترعرعت في حماية خليفة وتدين له بالولاء.

لابد من الإشارة إلى إن إمساك خليفة بمفاتيح الجهاز الحكومي استقوى كثيراً بعد استلامه في 1970 مهمة الإشراف على الأمن الداخلي بعد أن أزاح أخاه محمد من تلك المهمة. وبنفس الأهمية؛ فإنني أعتبر أن توطيد خليفة لعلاقته الشخصية والمباشرة بكبار رجال الدين من الطائفتيْن رغم أنه لا يُعرف بتدينه. إلا إنه يتحكم عن طريق وزير العدل في التعيينات القضائية بما فيها تعيين قضاة الشرع وأعضاء مجلسيْ الأوقاف ومسئولي إدارتيْ الأوقاف. للأسف لم تحظ هذه العلاقة الوطيدة مع رجال الدين من الطائفتيْن بالدراسة رغم إنها شكلت وتشكل أحد أهم مرتكزات قوة السلطة الخليفية في مواجهة قوى التغيير. وما عليك إلا إستذكار الأزمات الكبرى في العقود الأربعة الأخيرة أي منذ صدور قانون أمن الدولة في 1974 ثم حلّ المجلس الوطني في 1975 مروراً بما سميَّ بالمحاولة الإنقلابية في 1979 وانتفاضة التسعينيات وانتفاضة دوار اللؤلؤة وحتى وقتنا الحاضر.

DFtpQLMXoAIjyw3

* هل نجح خليفة في المهمة إذن، أعني مهمة “العزلة الاجتماعية” التي تحدثت عنها قبل قليل؟

– بعد أكثر ما يقارب ستين سنة؛ فلا بد من الإقرار بأن خليفة نجح فيما فشل فيه كلٌ من عمه دعيج بن حمد والمستشار بلجريف. فلقد نجح خليفة في تطييف الجهاز الحكومي والمؤسسات العامة. كما نجح في إعادة بناء الجدار الطائفي وتثبيت دعائمه المادية والثقافية.

من بين عوامل كثيرة ساهمت في نجاح خليفة إنه استوعب أهمية رعاية وإدامة موروث الفتح وخطاباته بما فيه أن “البحرين خليفية”، وأنها غنيمة ذلك الفتح. ولقد تطلب ذلك إتّباع خطيْن في نفس الوقت، الأول هو قمع كل خطاب مضاد يطالب بتغيير سياسي أو اقتصادي يتهدد ذلك الموروث من قريب أو بعيد. والثاني هو تشجيع التغييرات تحت ظل موروث الفتح وتسهم في إدامته. (أجدُ هذيْن الخطيْن واضحيْن على أحد أغلفة جريدة محلية صدرت بتاريخ 15/9/1975 أي بعد أقل من ثلاثة أسابيع من حل المجلس الوطني واعتقال مئات النشطاء السياسيين والنقابيين، بمن فيهم أعضاء في ذلك المجلس. تتصدر االغلاف صورة لخليفة بن سلمان في زيارة لمدينة جدحفص يحيط به نائبان وزعيم ديني وآخرون. أسفل الغلاف نقرأ “سمو رئيس الوزراء يبحث مشاكل المواطنين على الطبيعة”. أما في أعلى الغلاف فنقرأ “التحقيق مع أحد أعضاء المجلس الوطني السابق”)

https://www.bahrainalyoum.co.uk/?p=90780

——————————————–.

في الجزء الثاني من الحوار.

 

إسقاط النظام.. وعسكرة البحرين 

دروس الأزمة الخليجية،

لا تزال الأزمة الخليجية الأخيرة تراوح في مكانها بعد شهرين ونصف من اندلاعها. ولا يبدو في الأفق ما يبشر بتسوية سريعة لها. فأي من الأطراف المحلية لن يستطيع حسم الأزمة أو تقديم تنازلات تؤدي إلى تسوية تفاوضية. ولا تملك الأطراف الدولية، فيما عدا الولايات المتحدة الاميركية، القدرة على التدخل لفرض تسوية مقبولة. وإدارة ترامب مشغولة بأمور أخرى أكثر إلحاحاً بالنسبة لها من الأزمة الخليجية، بل هي قد لا تجد حافزاً للدفع باتجاه تسوية الأزمة التي تقدم لها فرصاً كثيرة لابتزاز حلفائها في الخليج. ولهذا فإن المتوقع أن تبقى الأزمة على حالها، أي أن تبقى أزمة تُدار ولا تُسَوَّى، لكنها تستنزف طاقات وموارد بلدان المنطقة.

شروط لا تتيح تسوية

لا تستطيع قطر قبول الشروط المعروضة عليها دون أن يُعاد ترتيب بيت الحكم فيها. فلقد صيغت شروط التسوية التي عرضتها البلدان الأربع على قطر (سواء الثلاثة عشر مطلباً أو المبادئ الستة) في شكل إملاءات لا تقبل المراجعة أو التفاوض. وزاد من تفاقم الأمور التفسيرات المتتالية التي قدمتها الدول الأربع لتبرير إجراءاتها. فالقبول ببعض الشروط المطروحة قد يؤدي إلى تعريض أمير قطر وأبيه وكبار أفراد عائلته إلى المساءلة القانونية. وعلى سبيل المثال، سيكون هؤلاء وعدد من القيادات العسكرية القطرية معرضين للمحاكمة لدورهم في "الخسائرالبشرية التي منيت بها القوات الإماراتية والسعودية في حرب اليمن"، جرّاء ما سماه مصدرٌ مسؤول سعودي تزويد قطر للحوثيين "بإحداثيات مواقع التحالف في اليمن" (عكاظ 11/7/2017). وهو إتهامٌ أكّده وأضاف إليه وزير خارجية البحرين في مقابلة تلفزيونية (مساء دي إم سي في27/7&2017)ا

كما لن تستطيع السعودية والإمارات التراجع عن قرار المواجهة من دون تحقيق ما يمكن لمحمد بن سلمان ومحمد بن زايد اعتباره انتصاراً. فبدون انتصار أو ما يشبه الانتصار لن يتمكن أيٌ من المحمديْن، وهما الحاكمان الفعليان في بلديهما، من الحفاظ على موقعه على رأس عائلته، وسيجدان صعوبة في مواجهة محاولات إزاحتهما من قبل أطراف طموحة في العائلتين الحاكمتين في بلديهما. أما مصر والبحرين، فتكسبان من استمرار الأزمة دون أن تتحملا أياً من أعبائها: ستكسبان في حال قبلت قطر الشروط المطروحة ومتا نُشر حتى الآن من فواتير، فيكون لمصر والبحرين نصيب الأسد من التعويضات التي ستدفعها قطر "للدول المتضررة من سياستها"ا

أكبر من الدوحة وأبعد منها

تشير متابعة مسار الأحداث قبل اندلاع الأزمة الأخيرة وبعدها إلى إن المحمديْن متفقان على اعتبار المواجهة مع قطر – كما الحرب في اليمن – خطوة نحو إنجاز مشروع نابوليوني يؤسس لهيمنة يتقاسمانها على منطقة الخليج والجزيرة العربية وجوارهما. ولا يبو إن احدأ يجرؤ على تنبيههما بأن أالمواجهات لم تحقق اهدافهما على الجبهتين. ولا إن إستمرار المغامرات العبيثية دون إعتبار لارتفاع أكلافها السياسية والمالية وما سببته من خسائر بشرية – لن يؤدي إلى  تقريب الأميرين من تدشين مشروعهما.

أوضحت المواجهة مع قطر إن محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، ومن خلفهما الرئيس المصري وملك البحرين، يواجهون مشكلة حقيقية ولدت بسبب سوء التخطيط للمواجهة وسوء إدارتها فيما بعد.  فالدول الأربع لا يمكنها التراجع بعد أن أعلنت منذ اليوم الأول إن شروطها الثلاثة عشر هي كلٌ لا يتجزأ وغير قابلٍ للتفاوض. ثم قبلت الدول الأربع الوساطة الكويتية واستجابت لضغوط أمريكية وأوروبية فأعادت صياغة شروطها لتصبح ستة مبادئ. وسواء أكانت شروط الدول الأربع لتسوية الأزمة الراهنة في الخليج 13 شرطاً أو ستة فقد أصبحت على يقين بأن انتصارها غير محتمل في المدى المنظور. فالانتصار الذي تنتظره الدول الأربع يتطلب تغيير الطاقم القيادي في قطر واستبداله بطاقم آخر يقبل الشروط المطروحة، بما فيها دفع عشرات مليارات الدولارات تعويضاً عمّا تعتبره هذه الدول خسائراً تكبدتها منذ انطلاق شرارة الربيع العربي قبل أكثر من ست سنوات. وفوق ذلك، فإن دولاً إقليمية ودولية فاعلة في المنطقة مثل تركيا والولايات المتحدة لن تسمح بمثل هذه النتيجة التي ستدشن مشروع المحمدين لفرض هيمنة السعودية والإمارات على الخليج والجزيرة العربية وجوارهما.

تراكم الإخفاقات

شنّت السعودية حرب اليمن للأهداف نفسها التي تتوخى تحقيقها من المواجهة الراهنة مع قطر. فحين أعلن الملك سلمان بعد أسابيع من توليه الحكم عن بدء "عاصفة الحزم"، روج إعلاميون وأكاديميون ومراكز أبحاث في السعودية إن بلادهم تعلن في الوقت نفسه "مبدأ سلمان" تدشيناً لعصر جديد تمارس فيه السعودية نفوذاً سياسياً وأمنياً يتجاوز حدودها في الجهات الأربع. وعلى الرغم من فشلها حتى الآن في تحقيق انتصار عسكري في حرب اليمن أو انتصار سياسي في المواجهة مع قطر، فما زالت السعودية تضخ المزيد من مواردها وطاقتها في الجبهتين. وما زالت السعودية بقيادة ولي عهدها تأمل أن تحقق جهودها انتصاراً يبرر مطالبتها بأن تتبوأ مركزها كدولة قائدة لنظام إقليمي يشمل، بجانب منطقة الخليج، البلدان العربية والإسلامية في الجوار، كدولة مرجعية للعالمين الإسلامي والعربي.
من جهتها، يبدو انخراط الإمارات في حرب اليمن وفي المواجهة مع قطر يتحرك لغايات أكثر تواضعاً، يصل أقصاها إلى الرغبة في مشاركة السعودية في قيادة النظام الإقليمي الجديد الذي تصفه أجهزتها الإعلامية والأكاديمية بـ"العصر الخليجي".. باعتبار أنه "في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين ستكون الكلمة العليا في تحديد مسار ومستقبل المنطقة العربية في أيدي دول مجلس التعاون الخليجي" (مجلة "آراء حول الخليج" 18/1/2012).  وتتعدد الظروف والعوامل التي يتم تقديمها كممهدات لانبثاق "العصر الخليجي". فهي تشمل أحداث الربيع العربي وما تلاه من تردي الأوضاع في كل من مصر وسوريا، علاوة على بقاء العراق محتلاً مما خلق فراغاً في الساحة السياسية العربية أمام دول مجلس التعاون وهي عازمة على ملئه وقيادة المنطقة

إلا إن نتائج حرب اليمن، كما المواجهة مع قطر حتى الآن تشير إن السعودية والإمارات لم تحققا أهدافهما. فبدل من تصبح السعودية قائدة العالمين العربي والإسلامي انكشف عجزها حتى عن المحافظة على تماسك مجلس التعاون الخليجي الذي كانت تتمتع فيه (على الأقل شكلياً) بهيبة "شيخ المشايخ". أما الإمارات، ففيما عدا استحواذها على مناطق سياحية ومواقع إنتاج النفط في جنوب اليمن، فلا يمكنها أن تشير إلى اختراق استراتيجي يبرر انقسام مجلس التعاون على نفسه. بل إن دخولها في المواجهة مع قطر أرسل إشارات إنذار واضحة إلى سلطنة عُمان لتذكيرها بطموح محمد بن زايد لمد نفوذ بلاده فيها وعبرها إلى جنوب اليمن.

هشاشة الوضع الإقليمي ومستقبل مجلس التعاون

أشار الأكاديمي الأمريكي مارك لينش (واشنطن بوست 14/7/2017)، إلى إن إخفاق الدول الإقليمية في حساب نتائج قراراتها السياسية لا يتيح التفاؤل بنهاية سريعة للأزمة الخليجية الراهنة. كما إن الرسائل المزدوجة التي ترسلها إدارة الرئيس ترامب تُفاقم أخطار هذا الوضع المعقد في المنطقة. ففي البداية، وبعد قمة الرياض التي حضرها ترامب، توقعت السعودية والإمارات إنهما ستحققان نصراً سريعاً على قطر وستحظيان في سبيل ذلك بدعمٍ إقليمي واسع. إلا إن محاولتهما لاستعراض هيمنتهما على بلدان مجلس التعاون وبقية البلدان العربية في الشرق الأوسط كشفت بدلاً من ذلك استمرار انقسام النظام الإقليمي. كما كشفت من الجهة الأخرى إن النزاعات بين الأنظمة "السُنيَة" نفسها قائمة بمقدار حدة نزاعها مع إيران.

قبل ست سنوات، فاجأ الملك السعودي عبد الله ضيوفه المشاركين في القمة الخليجية المنعقدة بالرياض (كانون أول/ ديسمبر 2011) بدعوتهم إلى الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد. لم تلقَ الدعوة الملكية استجابة الحاضرين الذين أحالوها إلى لجنة متخصصة "يوكل إليها دراسة المقترحات من كل جوانبها في ضوء الآراء التي تم تبادلها بين القادة"ا

بعد ستة أشهر كرر الملك السعودي مقترحه، ودعا بقية قادة المجلس إلى قمة تشاورية عُقدت في الرياض لمناقشة توصيات اللجنة المشكلة.  فشلت تلك القمة التشاورية أيضاً في التوصل إلى اتفاق فأُحيل الموضوع مرة أخرى إلى اللجان لاستكمال دراسته. وتكرر التأجيل في قمم تالية. وفي القمة الأخيرة المنعقدة في المنامة في كانون الأول/ ديسمبر 2016 أعاد المشاركون التأكيد على "الاستمرار في مواصلة الجهود للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد"، وتكليف "المجلس الوزاري ورئيس الهيئة المتخصصة باستكمال اتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك، ورفع ما يتم التوصل إليه إلى المجلس الأعلى في دورته القادمة".
من الصعب الآن النظر في احتمال انعقاد القمة الخليجية القادمة في موعدها المعتاد قبل نهاية هذا العام. ولكنها إن انعقدت فلن يناقش المشاركون فيها موضوع الوحدة الخليجية.

".——————–

مقال منشور في

http://arabi.assafir.com/Article/1/10276

.

أزمة الخليج: المسافة بين الحزم والرعونة

037708fc-6057-4afc-aa9f-4103c5eea759

تمهيداً لاستقبال الرئيس الأمريكي في الرياض في20  و21 أيار/ مايو الماضي، حشد الملك السعودي بقية حكام بلدان “مجلس التعاون الخليجي” بالإضافة إلى كل من يستطيع استدعائه من زعماء بلدانٍ عربية وإسلامية. وروّجت أجهزة الإعلام السعودية إن القمم الثلاث المنعقدة في الرياض تحت شعار “العزمُ يجمعنا” ستتمخض عنها “قرارات هامة وتاريخية ينتظرها العالم كله”.
كان واضحاً أن الجانب السعودي يريد أن يشكل لقاء الرئيس الأمريكي بالمشاركين في اجتماعات الرياض بداية لعهد جديد في العلاقة السعودية ــ الأمريكية. ركيزة هذه العلاقة هي مصادقة الرئيس الأمريكي على اعتراف الزعماء المشاركين بدور السعودية في قيادة المنظومات الخليجية والعربية والإسلامية. نجحت السعودية في إرضاء الرئيس الأمريكي. فبجانب تسهيل اجتماعه بهذا العدد الكبير من قادة الدول، استطاع الرئيس ترامب أن يغادر الرياض وفي حقيبته اتفاقيات تجارية واستثمارية وعقود بيع أسلحة ومعدات عسكرية تفوق قيمتها 400 مليار دولار أمريكي. ومن جهة ثانية، نجحت السعودية في أن تظهر أمام الرئيس الأميركي كما تريده أن يراها – أي كدولة قائدة لثلاث مجموعات إقليمية: خليجية وعربية وإسلامية

 

لقراءة بقية المقال

http://arabi.assafir.com/Article/1/9153

.

 

أمن الخليج العربي في المزاد

قبل أن يبدأ الرئيس الفليبيني رودريجو دوتيرتي جولته الخليجية الشهر الماضي، التي شملت السعودية والبحرين وقطر، كان يُتوقع (حسب التصريحات الرسمية) أن تتمكن الزيارة من اجتذاب استثمارات خليجية تصل إلى 500 مليار دولار. إلا أن التراجع الملحوظ في إيرادات الدول الخليجية في السنوات الأخيرة، بسبب انخفاض أسعار النفط، حصر حصيلة جولته الخليجية في وعود باستثمارات محدودة في المستقبل، وفي اتفاقيات لضبط شروط الهجرة وعقود عمل المهاجرين.

“أمن الخليج من أمن الفليبين”

في منتصف رحلته الخليجية، وقبل مغادرته البحرين إلى قطر، أعلن الزائر الفليبيني إن “أمن الخليج هو مصلحة قومية فليبنية”. وأوضح أنه ناقش مع ملك البحرين مقترحين حول أشكال الدعم العسكري والأمني التي يمكن لبلاده تقديمها لمساعدة دول الخليج العربي في التصدي للأخطار التي تتهددها. يتضمن المقترح الأول تواجداً عسكرياً فليبينياً مباشراً بهدف “حماية المصالح الوطنية الفليبينية وحماية أرواح الفليبينيين المقيمين في المنطقة”. أما المقترح الثاني فيتضمن “إرسال قوات عسكرية بحجم كتيبة أو لواء أو فرقة” للعمل تحت إمرة القيادة العسكرية البحرينية. وما عليكم ــ قال الرئيس الفليبيني لملك البحرين ــ إلا أن تطلبوا وسنُلبي الطلب. (“آبديت فليبين” 17/4/2017).ا

لم يكن الرئيس الفليبيني في وارد الاستهانة بكرامة مضيفيه الذين تضم قواتهم المسلحة والأمنية آلاف الجنود والضباط من الأردن والباكستان، تطبيقاً لاتفاقيات إعارة رسمية، أو بعقود فردية أقرّتها حكومتا البلديْن. ولم يرَ المسؤولون ولا الإعلام الرسمي في المنطقة في العرْض الفليبيني مساساً بالكرامة الوطنية أو استخفافاً بقدرة الجيوش الخليجية على حماية أمن بلدانها (تزيد مخصصات وزارات الدفاع الخليجية في السنة الواحدة على إجمالي الميزانية السنوية للدولة في الفليبين). ولم يتبين حتى الآن موقف ملك البحرين من العرْض الفليبيني بإرســـال قوات لحمايته. بل لعله وجد فيه مصـدر فخر لتأكيده أهمية منطقة الخليج العربي بما فيها البحرين.. فما أكثر الراغبين في حمايتها. ا

“أمن الخليج من أمن بريطانيا”

قبل الرئيس الفليبيني بأربعة أشهر، زارت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي البحرين للمشاركة في مؤتمر القمة السابع والثلاثين لبلدان مجلس التعاون الخليجي. شددت ماي على إنها تعتبر “أمن الخليج من أمن بريطانيا” (“العربية” 7/12/2016)، ولذلك فإن بريطانيا مصممة على “تعميق وتوطيد العلاقات الاستراتيجية مع دول الخليج والتعاون المشترك لمواجهة إيران في سوريا واليمن والخليج”.
على هامش مشاركتها في القمة الخليجية، تفقدت تيريزا ماي القاعدة العسكرية البريطانية التي تكفّل ملك البحرين بتكاليف إنشائها (35 مليون دولار)، وقام ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز بافتتاحها في 5/11/2016. وفي خطابها أمام أفراد القوات البريطانية، كرّرت ماي التزامها بأمن الخليج وب”تعزيز التعاون في مجالات الأمن والدفاع للمحافظة على أمن مواطنينا في الداخل والخارج”. قُوبلت تصريحات رئيسة الوزراء البريطانية بارتياح ملحوظ عكسته البيانات الرسمية والمبالغة في التغطية الإعلامية للزيارة. فعلى سبيل المثال، اعتبر أمين عام مجلس التعاون الخليجي أن حضور ماي قمة المنامة هو “إحدى ثمار الحوار الاستراتيجي المشترك” بين بلادها ودول الخليج. إحدى مبررات ذلك الارتياح هو تحاشي المسؤولة البريطانية التطرّق لأي من الإشارات المعتادة في مجال حقوق الإنسان، بما فيها حقوق المرأة والعمال المهاجرين. ولهذا ربما بالغ “محللون استراتيجيون” بتأكيد إن تصريحات المسؤولة البريطانية وتعهداتها تدشن مرحلة جديدة تكفِّر بريطانيا فيها عن خطيئة انسحابها من الخليج في 1971. ا

“أمن الخليج من أمن مصر”

سبق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي زميليْه الفليبيني والبريطانية. فالسيسي أعلن قبل انتخابه رئيساً عن “التزام مصر بحماية الأمن القومي العربي والخليجي سريعاً إذا استدعت الحاجة” (“العربية” 20/5/2014). وهو أشار إلى إن وصول القوات العسكرية المصرية إلى الخليج لن يتطلب أكثر من “مسافة السكة”. وبعد تنصيبه رئيساً، توالت تأكيدات السيسي على أن “أمن منطقة الخليج العربي خط أحمر وجزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري”. كما توالت تحذيراته من إن المحاولات الهادفة لتهميش الدور المصري في النظام الإقليمي الجديد قد ولّدت حروباً أهلية ونزاعات طائفية ومذهبية. ا

تباينت المواقف الخليجية تجاه تصريحات السيسي. فثمة من اعتبر أنها لم تكن أكثر من عبارات مجاملة تعكس امتنان السيسي لحكام الخليج الذين دعموا حركته الانقلابية مالياً وسياسياً. وثمة من كان يأمل في أنها ستشكل محاولة جريئة للتغلب على انحسار دور مصر الإقليمي، على الرغم من أن القوى الدولية الفاعلة في الأمن الإقليمي لمنطقة الخليج لن تسمح بتلك المحاولة. وثمة من يرى أن قدرات مصر العسكرية والاقتصادية، وهشاشة وضعها الأمني الداخلي، كلها لا تؤهلها لتحريك قواتها كلما شعر حاكمٌ خليجي بالخطر. في كل الأحوال، لم تتم ترجمة العرض في إجراءات ملموسة حتى بعد إعلان الملك السعودي في25/3/2015 الحرب في اليمن لمواجهة “تهديدات يتعرّض لها أمن السعودية”. فلم يحرك السيسي قواته البرية لدخول الأراضي اليمنية كما توقع المخطط العسكري السعودي، بل هو اكتفى بتقديم وحدات بحرية مصرية للمشاركة في الحصار المفروض على السواحل اليمنية. لم تتفهم السعودية أسباب عجز السيسي عن وضع سياسة “مسافة السكة” موضع التنفيذ، فعبرت عن غضبها منه بمختلف الوسائل بما فيها إعلانها في 10/10/2016 التوقف عن إمداد مصر بالنفط والغاز ومنتجاتهما. ا

أمن الخليج “مسؤولية” الولايات المتحدة الأمريكية

لم يفهم الرئيسان الفليبيني والمصري ورئيسة الوزراء البريطانية حين عرضوا على شيوخ الخليج استعدادهم لحماية أمن المنطقة إن الأمر ليس بيد هؤلاء الشيوخ. فمنذ 1971، حين آلت “مسؤولية حماية الخليج” إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد انسحاب بريطانيا منه، احتكر الأميركيون تعريف “أمن الخليج” وتحديد المخاطر والتهديدات التي يتعرّض لها وسبل مواجهتها. ولقد تفاوتت أشكال توفير تلك الحماية وتعددت الأدوات التي استخدمتها الولايات المتحدة لحماية مصالحها. ولهذا فلن يكون مستغرباً أن تتيح واشنطن للسيسي أو لدويرتي أن يلعبا دوراً ما في “حماية أمن الخليج” يشبه الدور الذي سمحت به لشاه إيران طيلة سبعينيات القرن الماضي. أو قد تتيح للفليبين ومصر أن يلعبا الدور الذي تقوم به في الوقت الحاضر كلٌ من الأردن والباكستان.

وفي كل الأحوال لن يتم ذلك إلا حسب شروط الولايات المتحدة الأمريكية وضمن استراتيجيتها.  فهي لم تتخلَ طيلة أكثر من أربعة عقود ونصف العقد عن دورها المباشر في “حفظ أمن واستقرار المنطقة”. بل إنها لم تتخلَ عن تلك “المسؤولية” حتى حين كان بإمكانها استخدام حلفاء محليين مؤهلين للقيام بجزء من المهمة. فهي تعتبر أمن الخليج قضية أمريكية خالصة. ولهذا ازدادت في العقود الأخيرة الجهود الأمريكية لتثبيت وجودها العسكري المباشر في عدد من القواعد والمنشئات العسكرية في جميع بلدان المنطقة. ا

إتاوة الحماية الأمريكية

يشكل استمرار العلاقة غير المتكافئة بين الولايات المتحدة وبلدان مجلس التعاون أساس توصيفٍ شائعٍ بين الباحثين في شؤون الخليج يعتبر أن الإنفاق العسكري الخليجي هو “إتاوة سياسية” تدفعها العوائل الحاكمة مقابل حمايتها وضمان استمرار حكمها. لقد تضاعف عدة مرات ما تنفقه جميع بلدان الخليج العربي على استيراد الأسلحة والخدمات والمعدات العسكرية من البلدان الغربية، إلا إن ذلك الإنفاق لم يكن معتمداً على استراتيجيات وطنية لبناء القوة الذاتية بقدر ما كان جزءاً مما عُرف بعمليات إعادة تدوير البترودولار إلى خزائن المصارف الغربية. فعلى الرغم من ارتفاع إنفاقها العسكري وتكديسها للسلاح والمعدات العسكرية الحديثة، تبقى دول الخليج عالة على الولايات المتحدة الأمريكية ورهن إرادتها. وقد أثبت غزو الكويت وما تلاه من نزاعات عسكرية معلنة ومضمرة أن الهدر غير العقلاني لثروات دول الخليج منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن لم يجعلها قادرة على توفير مستويات معقولة للدفاع عن أمنها القومي وحماية حدودها وسيادتها. ولقد أعاد عجز السعودية وحلفائها عن حسم الحرب اليمنية تأكيد إن هذا الوهن سيستمر لعقودٍ أخرى.ا

ترامب وأمن الخليج

لم تتضح حتى الآن ملامح “مبدأ ترامب” فيما يتعلق بأمن الخليج، إلا أن إعلانه التزامه بشعار “الولايات المتحدة أولاً”، وكذلك تصريحاته حول سياسته الخارجية عندما كان مرشحاً تعطي بعض الإشارات. فطيلة حملته الانتخابية، كان ترامب يؤكد على حق بلاده في أن “تحصل على تعويض عما تنفقه من الدول التي توفر لها الحماية وخاصة الدول التي تملك موارد ضخمة مثل السعودية..”. استخف كثيرون بتلك التصريحات ووصفها “محللون استراتيجيون” بالحمق. إلا أن ذلك الاستخفاف لم يستمر بعد تنصيب ترامب رئيساً وبعد أن أقرّ الكونغرس الأميركي قانون “جاستا” (الذي سيتيح للمواطنين الأمريكيين مقاضاة السعودية والحصول منها على تعويضات بسبب مزاعم علاقة أفراد من العائلة الحاكمة بتمويل المجموعة التي نفذت اعتداءات نيويورك في 11/9/2001).  ليس مستبعداً أن يتم التوصل إلى تسويات قانونية تدفع السعودية بموجبها مليارات الدولار في شكل تعويضات لأهالي ضحايا الحادي عشر من سبتمبر. وليس مستبعداً أن تجد السعودية وشريكاتها في مجلس التعاون أنها ملزمة باستيراد المزيد من الأسلحة والمعدات العسكرية الأمريكية. وليس من المستبعد أن يتم تحويل أجزاء معتبرة من صناديق الثروة السيادية الخليجية للاستثمار طويل المدى في السوق الأميركية. وفوق ذلك لن يكون مستبعداً أيضاً أن يحاول الرئيس الأميركي وإدارته إيجاد مجالات إضافية لابتزاز العوائل الحاكمة في الخليج مقابل حمايتها. فترامب هو الذي أنذر السعودية إنها “لن تبقى لفترة طويلة بدون الحماية الأمريكية” (“سي إن إن” بالعربية 7/7/2016).ا

——–

مقالٌ منشور في السفير العربي  21-05-2017

http://arabi.assafir.com/Article/9089

ابن الخال

‏سألني إبن الخال عن أسباب تفاؤلي. قلتُ هي كثيرة. أولها إن البحرين تغيّرت بفضل نضال أهلها وصمودهم. فحين ضُربت الهيئة في ١٩٥٦ ونُفي قادتها كان‏عدد الناحجين في إمتحان الإبتدائية في كل البحرين بمدنها وقراها لا يتجاوز٧١٠ تلميذ. أما الآن فإن خريجي الجامعات الذين إبتعثتهم فصائل الحركة‏الوطنية وحدها لتلقي العلم في مختلف جامعات العالم فيزيدون عن أضعاف ذلك الرقم. أغلب هؤلاء وأمثالهم يشكلون كتلة تغييرية لا تستطيع السلطة‏الخليفية أن تشتريهم حتى وإن إستمالت بعضهم. أما أهم أسباب تفاؤلي وأقواها فهو صمود الناس الذي تمثّل في أمهات الشهداء اللواتي قالت كل واحدة منهن حين ودّعن‏ فلذات أكبادهن: “ما رأيتُ إلا جميلاً”. لقد تغيّرت البحرين وهذا ما لا يدركه حمد الذي يحلم بأن يعيد ساعة التاريخ إلى الوراء لكي يديم موروث الفتح