أربع دندنات حول إلتماسات الوجهاء ومناشدات النواب – 3

الدندنة الثالثة :  المزاح المتاح في البرلمان

حين وصل أعضاء مجلس النواب الحالي إليه كانوا يعرفون أن مجلسهم شكلي وأن الدور المطلوب منهم أن يؤدوه لا يتعدى المساعدة في إضفاء هالة “الشرعية” على النظام. فهذه هي الحقيقة التي عرفها من قبل جميع من شاركوا في المجالس النيابية السابقة بعد إصدار دستور 2002 .

فحسب ذلك الدستور أعطى الملكُ لنفسه سلطات تصل إلى مستوى السلطات المطلقة التي كان يتمتع بها سلاطين وملوك عهود الاستبداد في القرون الوسـطى. فملك البحرين حسب دستوره هو “رأس الدولة، والممثل الأسـمى لها ، وذاته مصونة لا تُمَس، وهو الحامي الأمين للدين والوطن ورمز الوحدة الوطنية”. وللملك حق التصديق على القوانين، كما أن له حق إصدار ما يشاء منها أو تعديلها بمراسيم ملكية وقتما يشاء.  وفوق ذلك حصر دستور 2002 في يد الملك وحده صلاحيات تعيين رئيس الوزراء والوزراء والسـفراء والمحافظين والقضاة وأعضاء مجلس الشـورى وأعضاء المحكمة الدسـتورية ومحافظ البنك المركزي وقادة القوات المســلحة و الأمن والحرس الوطني إلى آخر ماهو قائم وما قد يستجد من وظائف عليا.

لقد كان واضحاً من مجريات النقاشات التي جرت تمهيداً للإستفتاء على “ميثاق العمل الوطني” 2000-2001 أن العائلة الحاكمة لم تكن ترغب في أن يتولى المجلس النيابي المنتخب مهمات التشريع أو الرقابة على السلطة التنفييذية أو مساءلتها. ومع ذلك لم يستطع من صاغ الدستور أن يضمِّنه مواداً تنص صراحة على منع مجلس النواب من محاولة التاُثيرعلى السلطة عبر تشريع القوانين وعبر مراقبة السلطة التنفيذية ومساءلتها. فلجأت السلطة إلى وضع الكثير من المعيقات السياسية والإجرائية التي جعلت البرلمانات المتتالية منذ 2002 وحتى الآن تفشل في أن تُؤَثر أو تُراقب أو تُسائِل أو تُشرِّع.

من بين المعيقات السياسية التي أسهمت في ذلك الفشل وإستمراره هي التفاهمات المعلنة وغير المعلنة بين العائلة الحاكمة وممثلي مختلف التعاضديات ذات الـتأثير. تمت بعض تلك التفاهمات عبر المكرمات والعطايا أو عبر صفقات المقايضة السياسية. وجرى تسويق تلك التفاهمات تحت رايات عديدة تباينت شعاراتها: “طاعة ولي الأمر” و”درء المفاسد ودفع الضرر” عند أطراف، و”وحدة إرادة الملك والشعب” و”المحافظة على إستمرار وتيرة عجلة الإصلاح السياسي” عند آخرين. إلا أن تباين الشعارات لم يؤدِ إلى إختلاف فوائدها السياسية وغير السياسية على من رفع تلك الرايات وعلى السلطة.

بقوة تلك التفاهمات إبتدعت السلطة منذ 2002 “أعرافاً برلمانية ” جعلت مهمات التشريع والرقابة والمساءلة خارج صلاحيات مجلس النواب. وحسب هذه الأعراف صار بإمكان المجلس النيابي في البحرين أن ينشغل بما يشاء من شئون فيما عدا التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية ومساءلتها. وحتى في تلك الشئون التي يُسمح لأعضاء مجلس النواب الحديث فيها فثمة حدود لا يمكنهم تخطيها. وهي حدود تفصلها نصوص وتفسيرات اللائحة الداخلية لمجلس النواب التي صاغتها الحكومة لهم وصدر بها مرسوم ملكي. أما حين يتجاوز نائبٌ/نائبة، عمداً أو سهواً، أحدَ تلك الحدود فعليه مواجهة تقريع رئيس المجلس وإمتعاض السلطة

الحاصل، أن شروط العمل النيابي قاسية وتفرض قيوداً مشددة على حركة النواب في حال أرادوا ذلك. وفوق ذلك فعلى النواب أن يتقبلوا من جهة إستخفاف الوزراء بهم وسخرية ناخبيهم منهم. رغم ذلك يحاول بعضهم أحياناً أن يفعل شيئاً.

ولهذا قد يجد نائبٌ/نائبة أسبابأ تدفعهما إلى توجيه إستفسارٍ لوزير حول شأن من شئون وزارته وخاصة إذا كان الوزير من غير العائلة الحاكمة. ولكن تقديم الإستفسار لا يضمن الحصول على إجابة. حينها قد يصِّر النائبُ/النائبة على مواصلة المحاولة فيسعى لتحشيد آخرين من زملائه لإستجواب الوزير المعني.

إلا أن السلطة لا تقبل تعريض وزير/وزيرة إلى الإستجواب. فما تزال ماثلة في أذهان كبار العائلة بمن فيهم الملك وعمّه رئيس الوزراء موقف أعضاء مجلس الوطني 1973-1975 الذي أجبر وزير العدل وهو كان من كبار العائلة الحاكمة على الإستقالة بسبب سوء تصرفاته وتجاوزاته.

تعرف السلطة أن لمجلس 1973- 1975 ظروفاً وتركيبة ومعطيات تختلف عن ظروف وتركيبات ومعطيات المجالس النيابية التي تشكلت في ظل دستور 2002 الملكي. رغم تلك المعرفة فهي لا تريد المخاطرة بترك الحبل على الغارب حتى ولو كانت واثقة تماماً من سيطرتها على آليات عمل المجلس وعلى أعضائه.

 نعم، قد تمازح السلطة النواب حول أمور كثيرة إلا أن الإستجواب هو من الأمورالتي لا مزاح فيها. ولهذا ولكي لا تُحرج الحكومة، أدخل مجلس النواب بنفسه تعديلاً على لائحته الداخلية لا يسمح بإستجواب وزير أو وزيرة إلا بعد سلسلة من الإجراءات المعقدة من بينها موافقة لجنة خاصة تقوم بـ “فحص جدية الإستجواب”. وحتى الآن لم تجد اللجان المتتالية جدية في أيٍ من محاولات النواب لإستجواب الوزراء.

وهكذا فلا غرابة ألا يجد النواب في البحرين وسيلة لتمضية الوقت سوى الدخول في نقاشات ومعارك كلامية في الجلسات العامة وفي قاعات اللجان المتخصصة. ينقل الإعلام الرسمي بعضأ من النقاشات ويشير إلى تلك المعارك. ومن جهتهم ينقل النواب المعنيون عبر وسائل التواصل الإجتاعي أجزاءَ حماسية من مداخلاتهم في تلك الجلسات لطمأنة قلوب مناصريهم وللتمهيد لإنتخابات قادمة.

من الإنصاف الإشارة إلى أن بعض تلك النقاشات والمداولات تتمخض أحياناً عن تشكيل لجان تحقيق في هذا الموضوع أو ذاك. وخاصة إذا كان المقصود بالتحقيق وزارة “غير سيادية” ولا ينتمي وزيرها إلى العائلة الحاكمة. بعد ذلك تأخذ لجنة التحقيق ما تحتاجه من وقت. فقد تحتاج أسابيعاً أو شهوراً قبل أن يكتب الموظفون والمستشارون تقريراً تتم مناقشته حسب الأعراف السارية. فيفرح الجميع.

و يبلغ الفرح، أحياناً، أقصى مداه حين يتمخض تقرير لجنة التحقيق والماقشات حوله عن توصيات يتم التصويت عليها. لهذا أصبحت التوصيات النيابية هي غاية المنى. بل هي قمة العمل البرلماني. فبتلك التوصيات يستطيع النائب/النائبة المفاخرة أمام الناس تمهيداً لترشحهما في إنتخابات القادمة. يكرر النائب/النائب المفاخرة بالتوصيات حتى مع علمهما أن السلطة لن تأخذ بتلك التوصيات ولن يتولد عنها تغيير تشريعي أو إداري.

تتضمن “الأعراف البرلمانية” السارية منذ 2002 وخاصة حين يكون موقع الوزير/الوزيرة المستهدف متدنياً في الهرم الوزاري أن يقوم النائب/النائبة بإصدار بيان مختصر يعبر عن غضبهما ينشرانه عبر وسائل التواصل الإجتماعي. . وفي حال توافرت مواصفات معينة في النائب أو في الوزير المستهدف فقد تقوم الصحف الرسمية بنشر البيان. إلا إن “الأعراف البرلمانية” تحصر صياغة البيان الغاضب في قوالب معروفة. فهو قد يأتي في صورة أسئلة متتالية موجهة للوزير حول قضية عامة من قبيل “ألا تعلم أن التركيبة السكانية قد تغيرت….؟”. أو قد يأخذ شكل تهديد مبطن من قبيل “سوف نشكل لجنة تحقيق…” أو “سوف نتوجه إلى تقديم سؤال نيابي….”.

المناشدات و إستكمال اللعبة البرلمانية

حين تفشل محاولات منع الوزير من الإستخفاف بأسئلة النائب/النائبة وتوصياتهما وبياناتهما فلن يجدا مفراً من أن يُشْهرا عليه أخطر الأدوات العمل البرلماني المتاحة لهما. ويأتي هذا السلاح في صورة مناشدة يقفز بها النائب/ النائبة فوق رأس الوزير ليوجهها مباشرة إلى رئيس الوزراء أو ولي العهد أو إلى الملك نفسه.

ليس بعد المناشدات الموجهة لواحدٍ من ثلاثي “القيادة السياسية” مجالٌ للمزاح. تختلف مواضيع المناشدات من أمور الصحة أو البيئة إلى التوظيف إلى الخدمات إلا إنها تأتي في قوالب جاهزة تتقبلها السلطة. فلابد من توجيه المديح ل “القيادة السياسية” ولا بد من التأكيد على الثقة في حكمة القرارات التي ستتخذها بعد قراءة المناشدة لها “بالتدخل الحاسم في قضية (… إملأ الفراغ…) وإعطائها بعدها الوطني وبما تستحقه من جدية وألا يترك مصير (.. إملأ الفراغ…)  في أيدي متنفذين يمارسون نهجاً مدمراً على أسس أصبحت مكشوفة للجميع

أعطت “المناشدات” التي يوجهها النواب إلى السلطة في وسائل الإعلام وعبر وسائل التواصل الإجتماعي بعداً إضافياً للتكاذب كأداة لازمة من أدوات العمل السياسي في العهد الملكي. يعرف النائب/النائبة حين يكتبان مناشدتهما أن “القيادة السياسية” هي نفسها التي رسمت السياسة العامة وإتخذت القرارات التي يشتكي النائب/النائبة منها. بل هما يعرفان أيضاً إن “القيادة السياسية” هي التي إختارت ذلك الوزير وطاقمه لتنفيذ سياستها ومتابعتها. ولكن النائب/النائبة يتظاهران إنهما يجهلان ذلك كله فلا يشيران إليه. من جهتها تعرف “القيادة السياسية” أن النائب/النائبة يلعبان دورهما البرلماني حسب شروطها. وهي تعرف أن أقصى ما يريدان هو الدخول مع الوزير في معركة كلامية ينقلها الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعية.

بعد جهودٍ شاركت فيها مجالس النواب المتتالية منذ 2002 إكتملت شروط اللعبة البرلمانية في البحرين. وصار من حقوق النواب المكتسبة مماحكة الوزراء من خارج العائلة الحاكمة ضمن حدود ضيِّقة تقررها الأعراف البرلمانية واللائحة الداخلية والتفاهمات التي أوصلت هذا النائب أو تلك النائبة إلى المجلس. تزداد تلك الحدود ضيقاً في كل دورة برلمانية وتتقلص جراء ذلك قدرة النواب على تحقيق إنجاز حفيقي في قاعة المجلس النيابي وعن طريق إستخدام الأدوات المتاحة لتشريع القوانين والرقابة على السلطة التنفيذية ومساءلتها.

بسبب قلة إنجازات العمل البرلماني يواجه النواب صعوبتيْن. الأولى هي إقناع الناس بجدوى بقاء المجلس النيابي بالشروط الذي تكبله بها المراسيم الملكية والأعراف البرلمانية التي أُستنت طبقاً لدستور 2002. الصعوبة الثانية هي إقناع الناخبين بجدوى إعادة إنتخابهم بالذات وهم الذين إرتضوا أن تتحكم السلطة التنفيذية ومن خلفها الملك وعائلته بقراراتهم وصلاحياته

لمواجهة هاتيْن الصعوبتين يتحاشى النواب الحديث، ناهيك عن العمل، عن تعديل الدستور الملكي وإلغاء القيود التي تفرضها المراسيم الملكية المتتابعة بما فيها اللائحة الداخليةعلى العمل البرلماني.   بدلاً من ذلك ترتفع بورصة المناشدات التي يطلقها النواب فرادى أو جماعات لتتناقلها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي. على أمل أن يظن الناخبون أن نائبتهم/نائبهم قد حاولا أن يفعلا شيئاً. ولقد رأينا كيف أصبحت المناشدات، وليس التشريع والمراقبة، ملاذاً يستطيع النواب اللجوء إليه كلما تمادت السلطة في إستبدادها وكلما وصلت إلى قمتها مشاعر الإحباط والغضب بين الناس.

أربع دندنات حول وإلتماسات الوجهاء ومناشدات النواب – 2

دندنة ثانية:

هشاشة الوجاهة في العهد الملكي  

لم تعدْ أحوال الوجهاء في العشرين سنة الأخيرة كما كانت في السابق. بل يمكن القول دون مبالغة أن أحوال الوجهاء في البحرين الملكية صارت أحوالاً يُرثى له  بمقارنتها بأحوال أمثالهم في بلدان الخليج الأخرى. أو حتى بمقارنتها  بأحوال ونفوذ الوجهاء قبل العهد الملكي. 

كان لشريحة الوجهاء في الماضي دورٌ أساسي في ضمان إستقرار حكم العائلة الحاكمة في البحرين. فلقد  كانت العائلة الحاكمة تتتعاطى في غالب الأحوال مع الرعية عبر وســطاء ’معجومين‘ موثوقين في كل طائفة وقبيلة ومنطقة.  وكان للوجهاء مراتب مختلفة حسب قربهم من كبار العائلة الحاكمة وأصحاب القرار فيها. وكان كل وجيه يعرف مرتبته ومجاله وحدوده فلا يتعداها.  كما كان يعرف إن وجاهته مؤقتة ومشروطة برضا العائلة الحاكمة وبمقدار حاجتها لدوره في خدمتها. 

ومع ذلك كان للوجيه هيبة في نظر الناس الذين ينتظرون منه السعي للإهتمام بشئونهم وتخفيف معاناتهم.  فكان متاحاً للوجيه أن يتوسط لدى هذا المسئول أو ذاك لصالح جماعته لتوفيرمكرمة في شكل وظيفة أو سكن أو تأجيل ديْن وما إلى ذلك مما يحتاجونه من خدمات.  مقابل ذلك على الوجيه ضبط تابعيه وتصبيرهم بمختلف الطرق بمافيها أن يبشرهم بين الحين والآخر إن الشيوخ أبلغوه السلام وقالوا  “يصير خير”. وحين تفلت الأمور من يد وجيهٍ  لأيِ سبب من الأسباب يستبدله ولاة الأمر بأحد إخوانه أو بأحد أبناء عمومته، وأحيانا  بغيره من طائفته أو قبيلته أو منطقته. 

كان “تدوير الوجهاء” أحد أبرز سمات الحكم لفترة إمتدت منذ 1869  أي منذ أن فرض البريطانيون الإستقرار في البلاد بعد إستدعائهم عيسى بن علي من الزبارة لتعيينه حاكماً على البحرين. بعدها وطيلة مايقارب القرن ونصف القرن كان “تدوير الوجهاء” أحد وسائل إستعادة الإستقرار وتثبيته كلما حصل تذمر بين أفراد طائفة أو قبيلة أو منطقة.  وطيلة تلك الفترة أيضاً تعوَّد الوجهاء، من كل طائفة وقبيلة ومنطقة، على قبول حق العائلة الحاكمة في إستبدالهم بآخرين. وما كان لهم ألا يقبلوا  بعد أن أخذوا العبرة تلو الأخرى مما أصاب وجهاءً تمرَّدوا فجُرِّدوا من أملاكهم وتم تهجيرهم من البلاد إما طوعاً أو بمساعدة سلطة الحماية البريطانية.  

مع بداية العهد الملكي وخاصة في أثناء فترة تحضير ميثاق العمل الوطني برزت مؤشرات لتغييرات ستطال دور الوجهاء التقليديين بإتجاه تقليصه وليس إلغائه تماماً.  وأخذت تلك المؤشرات تتبلور شيئاً فشيئاً  بعد الإستفتاء على الميثاق وخاصة بعد إنتظام دورات المجلس النيابي منذ 2002.  فمنذ ذاك  تبيّن الوجهاء التقليديون أن أجزاءً معتبرة من مبررات وجاهتهم قد بدأت  تتسرب من أيديهم لصالح فئات صاعدة من الوجهاء الجدد بمن فيهم أعضاء في مجلسيْ  النواب والشورى ونشطاء وناشطات المجتمع المدني وعدد متزايد ممن درجت تسميتهم/تسميتهن بـ “المؤثرين/المؤثرات” في المجتمع.  

وجد الوجهاء الجدد  في الجمعيات السياسية ومكونات المجتمع المدني بما فيها جمعيات حقوق الإنسان قاعدة ينطلق نشاطهم منها ويوفر لكثيرين منهم عزوة يفتقدونها.  خلال تلك الفترة إزداد إهتمام ثلاثي “القيادة السياسية” بتكليف عناصرمنتقاة من بين هؤلاء لأداء مهمات كانت مخصصة  في السابق للوجهاء التقليديين. 

تكررت في تلك الفترة الأمثلة على مكرمات قدمها الملك أو رئيس الوزراء أو ولي العهد  إلى مواطنين من خلال الوجهاء الجدد. ففي السنتيْن 2000-2002 تكفل الديوان الأميري، مثلاً،  بتمويل عدد من المؤتمرات والندوات وحتى الحفلات الموسيقية التي تولى الوجهاء الجدد تنظيمها عبر جمعياتهم السياسية وغير السياسية.     وبعد تدشين العهد الملكي في  2002  إزدادت المكرمات التي عُهد لبعض النواب من الطائفتيْن وغيرهم من الوجهاء الجدد توفيرها للرعية.  وصار متاحاً لهم أن يتوسطوا لدى القيادة السياسية  الجدد  لتوفير ما يحتاجه الناس من خدمات كتوفير سكن لمواطنٍ أو وظيفة أو مصروف علاج في الخارج. بل و حتى تمويل حفلات الزفاف الجماعي لمئات الأفراد في مختلف مناطق البلاد.

سوق الوجاهة: عرض وطلب

تدريجيا ولكن بثبات أخذت قوانين السوق تلعب دورها الإعتيادي.  فلقد إزداد المعروض في سوق الوجاهات وإزداد عدد الطامحين إلى دخولها وتعددت فئاتهم ومؤهلاتهم. فوجدت العائلة الحاكمة إنها غير مضطرة لحصر خياراتها في أبناء وبنات العوائل التجارية ولا حتى أبناء وبنات القبائل التي شاركتها غنائم فتح البحرين في 1783. 

أضاف العهد الملكي إلى سوق الوجاهة مئات الوجهاءالجدد بمن فيهم أصحاب أعمال عصاميين وأبناء وبنات الطبقة الوسطى في المدن والقرى ممن حصلوا على شهادات عليا من جامعات معتبرة في الخارج. ساهم هؤلاء في توسيع سوق الوجاهة وتعديد أبواب دخولها.  وهم وفروا أيضاً للعهد الملكي  مخزوناً لا ينضب من الكوادر الطموحة والأكثر تأهيلاً لتشغيل المؤسسات الجديدة التي تطلبَّها تدشين “العهد الإصلاحي”.  ومن بين العديد من  المؤسسات التي أوجدها العهد الملكي يبرز المجلس النيابي ومجلس الشورى بالإضافة إلى إمتدادات السلطة في المجتمع المدني والتنظيمات السياسية.

 رغم ذلك، ما كان البحرُ رهْواً، حسب عنوان كتاب مهم وثّق بعض بدايات تلك الفترة.  فالبحرين صغيرة ولسوق الوجاهة فيها حدود لا تتسع لجميع  الطامحين في الدخول إليها. وفوق ذلك تتقلص الموارد المالية  ومجالات النفوذ التي تستطيع السلطة إستثمارها فيهم أو تخصيصها لهم.   فخلال الدورات النيابية المتتالية منذ 2002 ، وحدها، دخل سوق الوجاهة  العشرات عبرعضوية مجلس النواب ومجلس الشورى. كما دخلها المئات ممن تم تجنيسهم وخاصة من ذوي المهارات الفنية والأمنية والعسكرية.

الحاصل إن سوق الوجاهة صارت تشهد تزاحماً بين الطامحين في دخولها  وتزاحماً أشد بين المتكالبين على البقاء في الصدارة  فيها.   بدورها تبيَّنت  السلطة أن من مصلحتها أن  تشجع التزاحم بين وجهائها بل وأن تؤججه  لما يتيحه لها من حرية أكبر في تدوير الوجهاء.  كما أن إشتداد التزاحم يعطي السلطة، رغم تناقص مواردها المالية،  قدرة أكبر على منع أي وجيه/وجيهة مهما إرتفعت مكانتهما من نسيان أنها صاحبة الفضل، وأن الأمر لها أولاً وأخيراً.   فليس مسموحاً لوجيه/وجيهة أن ينسيا إنهما  ما وصلا إلى ما وصلا إليه  إلا برضاها ولن  تبقى وجاهتهما إلا برضاها.

  ثم جاءت إنتفاضة دوار اللؤلؤة في 2011  وتبعتها تداعياتها المأساوية بما فيها ما حلّ بالبلاد وأهلها بعد إستدعاء القوات السعودية وإعلان حالة الطوارئ.  

وهنا لن أتعرض للأحداث الفظيعة التي شهدتها البحرين في فترة قمع إنتفاضة الدوار وما تلاها.  وهي فظائع تم توثيقها في كتبٍ وتقارير بحثية وإطروحات جامعية  كما وثّقها تقرير البسيوني الذي إستدعاه الملك نفسه فجاء تقريره بمثابة لائحة إتهام للسلطة.  عوضاً عن ذلك سأكتفي بالإشارة إلى أن من أبرز تداعيات إندلاع الإنتفاضة وتداعيات قمعها هو إقتناع ثلاثي “القيادة السياسية” بإنحسار تأثير الوجهاء القدامى والجدد على الشارع.   

ويبدو أن ذلك الإقتناع تطلب تشديد شروط القبول لدخول حظيرة الوجهاء.  فمنذ منتصف 2011  لم يعدْ كافياً لكسب رضا العائلة الحاكمة رفع شعارات “طاعة ولاة الأمر” أو “درء المفاسد” أو “وحدة إرادة الملك والشعب”.  

 يمكن الإشارة هنا إلى عددٍ من الإجراءات، غير المباشرة، التي إتخذتها السلطة لإبلاغ  الوجهاء بالشروط الجديدة التي يتطلبها إستمرار وجاهتهم.   فعلاوة على  إصدار الأحكام القضائية القاسية بحق عددٍ كبير من قادة المعارضة ورموزها ونشطائها بما فيها السجن لمدد طويلة  قامت السلطة بنفي وتهجير آخرين علاوة على  تجريد المئات  من جنسيتهم البحرينية.   كما قامت بفصل نشطاء المعارضة من وظائفهم وضيّقت على أصحاب الأعمال منهم.  ثم أتبعت ذلك بحل عددٍ من أهم الجمعيات السياسية.  ثم أدخلت تعديلات على القوانين السارية منعت بموجبها “قيادات وأعضاء الجمعيات السياسية المحظورة” من ممارسة حقوقهم المدنية. لا فرق هنا بين الترشح في إنتخابات نيابية أو المشاركة في ندوة متخصصة.  بإختصار صار على من أراد أن تقبله السلطة وجيهاً أن يقبل بشروطها المستندة على شعار “من هو ليس معنا هو ضدنا”. 

 لقد وجد الوجهاء الجدد خلال السنوات العشر الأولى من حكم حمد في الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني قاعدة ينطلق نشاطهم منها ويوفر لهم عزوة يفتقدونها.   إلا أن الأحوال تغيرت بعد 2011  حين أصبح  كل نشاط سياسي وإجتماعي مهما كان نوعه موضوعاً أمنياً يستوجب المواففة عليه وتحمل تبعاته.  وفوق ذلك فإن الأوضاع التي إستجدت بعد إنتفاضة دوار اللؤلؤة وإعلان حالة الطوارئ في 2011  فرضت على الوجهاء وخاصة الجدد منهم التنافس بأشكال أكثر فجاجة عما قبل.  وهنا تبرز أهمية مهارات الوقاحة والإبتذال والتزلف ويزداد التنافس على ما تسمح لهم “القيادة السياسية” أن يتنافسوا عليه.

أربع دندنات حول إلتماسات الوجهاء ومناشدات النواب – 1

دندنة أولى:

صحيفة الإلتماس

في نهاية الشهر الماضي نشرت الصحف المحلية تقاريراً تناقلتها وسائل الإعلام الأخرى عن قيام 150 شخصية برفع  ما سموها “صحيفة التماس” إلى الملك  يلتمسون فيها استمرار حزمة الدعم الاقتصادي التي طرحتها الدولة خلال الثلاثة أشهر الماضية. وكرر موقعو الإلتماس “أن توجيهات جلالة الملك والقيادة السياسية قد أثمرت تحقيق مزيد من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تسببت فيها جائحة كورونا”.

وإهتمت التقاريرالإعلامية بتكرار الإشارة إلى أن موقعي “صحيفة الإلتماس” هم  “نخب اقتصادية وأكاديمية  ومجتمعية ونواب وشوريون سابقون وقيادات رأي وقيادات مدنية وأعضاء مؤثرون في الشارع التجاري والمصرفي في البحرين”.

لم تُنشر قاائمة كاملة بأسماء الشخصيات التي وقعت ذلك الإلتماس. ولكن ما نُشر منها يضم بالفعل مجموعة من الشخصيات المعتبرة وذات الحيثية.  أعرف منهم عدداً وأعرف عن آخرين وعلى أساس هذه المعرفة لا أشك في أن حب الخير للبحرين وأهلها هو ما دفع غالبيتهم للمشاركة في توقيع ذلك الإلتماس.   إلا إن هذا القول لا يمنعني من النظر إلى تقديم “إلتماس” كأحد علامات درجة الإنحدار التي وصلت  البحرين إليه في العشر سنوات الأخيرة.  هم يعرفون إن العائلة الحاكمة تريد تعويد الناس على التخلي عن  المطالبة بالحقوق. وتريد تعويدهم بدلاً من ذلك على إلتماس المكرمات بإعتباره أسفل درجات الخنوع. ولكن ماذا تفعل نخبٌ موالية حين تجد أن  البرلمان ليس قادراً أو مؤهلاً وحين تجد تنظيمات المعارضة محظورة وجمعيات المجتمع المدني مكبلّة بقرارات  وإجراءات أمنية؟ في نهاية الشهر الماضي وجد هؤلاء أن لا حول لهم سوى توجيه رسالة إسترحام يلتمسون فيها أن تقوم “الدولة” بواجباتها.

في القائمة المنشورة أسماء عشرات الأكاديميين من العاملين في الجامعات ومن المحامين وغيرهم من “النخب المؤثرة”.   بل أن من بينهم الأمين العام للمنبر التقدمي الذي تمثله في البرلمان الحالي كتلة برلمانية من شخصين أحدهما في منصب نائب رئيسة المجلس.  

كشف تقديم “صحيفة الإلتماس”  مدى سوء الأوضاع في البحرين.  فها نحن نشهد كيف تُضطر النخب في 2020  إلى  العودة مائة سنة إلى الوراء بلجوئها إلى تقليدٍ إستخدمه أسلافنا في عشرينيات القرن الماضي.  وقتها كان الناس جميعاً “رعايا” لحاكمٍ خليفي تحميه سلطات الحماية البريطانية.  ولم يكن أمام قيادات المجتمع وسيلة لرفع الضيْم سوى تدبيج  الإلتماسات إما  لتخفيف عَسَـف سلطة الإستعمار أو لتخفيف عَسَـف الحاكم الخليفي.  

تغيرت الأوضاع في البلاد بعد أن وضعت أنشطة هيئة الإتحاد الوطني (1954-1956)  حداً لذلك التقليد.   ثم سارعلى نهجها جميع الأنشطة والتحركات التي قادتها فصائل الحركة الوطنية. وهي تحركات أسهمت في حدوث التغييرات السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي شهدتها البحرين طيلة السبعين سنة الماضية.       

إلا إن من الإنصاف أن ننظر إلى  إضطرار  النخب إلى العودة إلى تقليد “الإلتماسات” بإعتباره واحداً من تداعيات الأزمة السياسة/الأمنية التي تفاقمت منذ بدء العهد الملكي في 2002.  وهو مؤشر أيضاً على إنسداد كل المنافذ الأخرى لإصلاح الأوضاع في البلاد.  وإلا لمَ لمْ  يجد مائة (أو مائة وخمسون) من غير المعارضين ومن غير المشكوك في ولائهم وسيلة سوى  تقديم “صحيفة إلتماس” إلى الملك ” يلتمسون فيها مجموعة من الرغبات الوطنية التي من شأنها تخفيف العبء على عامة الناس والمؤسسات الغيرة والمتوسطة”.

من جهة أخرى، لا يمكن التقليل من مغزى سماح السلطة بتقديم ذلك الإلتماس ولا من معاني ضجة الترويج له في أجهزة الإعلام الرسمية.  فهو فعلاً  حدثٌ غير إعتيادي بسبب عدد موقعيه وخلفياتهم.  وفوق ذلك،  يأتي ذلك الإلتماس بعد تسع سنوات من قمع إنتفاضة الدوار في 2011 . فطيلة تلك السنوات الماضية تحاشي أفراد هذه النخب وخاصة “المؤثرون في الشارع التجاري والمصرفي في البحرين”  شبهات المشاركة في جهد جماعي يتوجه إلى السلطة مطالباً اً أو حتى مناشداً أو ملتمساً. 

سبق نشر ذلك الإلتماس وترافق معه قيام الإعلام الرسمي بنشر أخبار عن قيام أعضاء في المجلس النيابي بمناشدة “القيادة السياسية”  كي تتكرم بإعطاء توجيهاتها إلى هذا الوزير أو تلك الوزيرة لحلحلة معيشيةعالقة.  وتكرر أغلب المناشدات المديح التقليدي للتوجيهات التي تكرمت بها “القيادة السياسية” التي “لا تتوانى عن دعم المواطنين والإهتمام بقضاياهم المعيشية”.  وأحياناً يبالغ  النأئب المنافق في تزلفه  فيضيف أنه يستشعر “إهتماما مستمرا ومخلصا من قبل سمو رئيس الوزراء بكل ما يخص المواطنين ….على الرغم من عدم جدية وفاعلية بعض المسؤولين في أكثر من وزارة”.

لسوء  حظ من تفاءلوا وظنوا بالملك خيراً لم يتأخر رد “القيادة السياسية”  على إلتماس الوجهاء وعلى مناشدات النواب. فبعد أقل من ثلاثة أسابيع على تقديم ذلك الإلتماس وما رافقه من ضجيج المناشدات أعادت “القيادة السياسية” تأكيد ما ينكره الموالون لها.  أي أنها سلطة إستبدادية لا تقبل أن يتدخل أحدٌ من الرعية في شئونها.    

لا يستغرب من يعرفون شخصية الملك ألا يتعاطى  مباشرة مع مقدمي الإلتماس رغم أنهم من النخب التي لا يمكن إتهامها بمعارضة النظام.  ولا يستغرب  أيضاً  من يعرف التقاليد التي أُبتدعت خلال العقديْن الماضييْن  أن يكون الشحص الذي يخاطب  “النخب” في البلاط الملكي ليس الملك أو ولي عهدهأو عمه رئيس الوزراء  أو حتى وزير الديوان بل أحد موظفي ذلك الوزير.

بعد أيام من إستلامه إلتماسهم  إتصل الموظف بهم لطمأنتهم إنه أوصل  الإلتماس إلى وزير الديوان وإنه، أي الوزير، طلب منه إبلاغهم بأن “يصير خير”.  

لم تدم فرحة مقدمي الإلتماس طويلا.  فبعد أقل من ثلاث أسابيع على تسليم “صحيفة الإلتماس” و خلال أيام متتالية أتخذت “القيادة السياسية” ثلاثة قرارات ظالمة كان يمكن أن تستثير على الأقل غضب أولئك الوجهاء بشرّوا الناس بتكرارهم  وعوداً نقلها لهم موظفو الديوان الملكي.  

في 13 يولي أصدر الملكُ مرسوماً (21/2020 )  سيتم بموجبه تحميل المتقاعدين أعباء إضافية علاوة على إيقاف بعض حقوقهم المكتســبة بما فيها الزيادة السنوية على معاشات تقاعدهم.   وفي نفس اليوم أصدر الملك مرســوماً آخر(23\2020) سيتم  بموجبه إيقاف “الاقتطاع من إيرادات النفط المرصود لصالح حساب احتياطي الأجيال القادمة” علاوة على سحب  450 مليون دولار من ذلك الحساب لدعم الميزانية العامة”.  وفي 17 يوليو صدرت تعديلات على قانون ديوان الخدمة المدنية تمنع  الموظف الحكومي من ممارسة حقوقه في التعبير عن الرأي بما فيها أن “يوجّه النقد لسياسة الحكومة وقراراتها بأي وسيلة من الوسائل”.

لن  يجد الوجهاء غضاضة في تأخير رد السلطة على إلتماسهم. وقد لا يجدون غضاصة في تجاهلها الموضوع برمته.  فما حدث لهم لا يختلف عن الهوان الذي إرتضاه ويرتضيه زملاؤهم في مجلس النواب. وعلى أية حال فللوجهاء كما يفعل النواب دائماً  أن يشكروا “القيادة السياسية”، بعد شكر الله،  التي سمحت  لهم بالتقدم نحوها بإلتماسهم في وقتٍ تحرم فيه بقية الناس من الشكوى.    

 

نيوم: حلمُ الأمير.. كابوسُ الرعية

في أواخر نيسان/أبريل الماضي تناقلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية أخبار المواجهات في المناطق التي تسكنها قبيلة الحويطات في محافظة تبوك في السعودية، جراء إحتجاج المواطنين على تهجيرهم القسري منها. وتبين لاحقاً وصول تلك المواجهات بين الأجهزة الأمنية والسكان إلى أوجها في قرية الخريبة، مما أدى إلى إعتقال كثيرين كما أدى إلى مقتل عبدالرحيم الحويطي الذي إعتصم في منزله.

كان يمكن، كما يحدث غالباً، ألاّ يهتم الإعلام بتلك المواجهات ولا بمعرفة أسبابها. فمثلها يحدث في الرياض نفسها كما يحدث في مناطق أخرى غيرها، وأغلبها لا يثير إهتمام الإعلام في منطقتنا العربية المتشبعة بالمآسي الإنسانية. ما حدث هذه المرة إن القتيل، عبدالرحيم الحويطي،قام بتوثيق تلك الفترة القصيرة التي سبقت مقتله. ولولا نجاحه في بث ذلك التوثيق بالصوت والصورة عبر وسائل الإتصال الإجتماعي لما إنكشفت بعض تفاصيل التدمير المتواصل الذي تتعرض له البيئة والتراث الثقافي في تلك المنطقة تحت غطاء “رؤية 2030”. ولولا ذلك التوثيق لسادت رواية الإعلام الرسمي عمّا حدث في قرية الخريبة بإعتباره “إنجازاً أمنياً يضاف إلى السجلات المتواصلة في كسر مجاديف الإرهاب”. إذ لا تختلف هذه الكلمات عما ورد في الرواية الرسمية التي نشرها الإعلام الرسمي في أواخر شهر تموز/يوليو 2017 بعد أن حاصرت قوات الأمن السعودي مدينة العوامية في المنطقة الشرقية وأغلقتها قبل هدم حي العوامية التاريخي وتسوية مبانيه بالأرض رداً على إحتجاج سكانه على قرار إجلائهم من بيوتهم إلى منطقة أخرى.

تُضطر دولٌ بين حين وآخر إلى إجلاء سكان مناطق معينة لمواجهة إحتياجات أمنية/عسكرية أو لتنفيذ مشاريع تنموية ذات أهمية إستراتيجية كبرى. وفي أغلب الأحوال، تنجم عن إجراءات الإجلاء توترات إجتماعية وسياسية بل ومأسٍ قد يطول أمد معالجتها والتخلص من آثارها. ولهذه الأسباب لا تلجأ الدول غير الاستبدادية إلى إجلاء السكان من مناطقهم إلا للضرورات القصوى. وفي جميع الأحوال لا يحدث ذلك إلا بعد دراسات تحدد النتائج المحتملة للإجلاء على حقوق الجماعات المحلية وعلى البيئة الطبيعية والثقافية. وبطبيعة الحال لا يتم إتخاذ القرار بدون التداول مع ممثلين معتمدين للسكان المنوي تهجيرهم. أما في الدول الإستبدادية فيحدث مثل الذي عانى منه أفراد قبيلة الحويطات في محافظة العُلا في شمال غربي السعودية، وسكان مدينة العوامية في محافظة القطيف في شرقها.

 

رؤية 2030: تلازم الهدْر والتدمير

حين أعلن محمد بن سلمان في 25/4/2016 عن “رؤية 2030” لم تكن مضامين تلك الرؤية جاهزة، فيما عدا الإرتكازعلى ثلاثة شعارات كبرى:”إقتصاد مزدهر – مجتمع حيوي – وطن طموح”. ولقد تبين لاحقاً إن “الرؤية” لم تكن حتى بالنسبة لولي العهد نفسه وبطانته أكثر من تلك الشعارات. بعد ذلك بسنة ونصف السنة، دعا محمد بن سلمان، أمام 2500 من كبار شخصيات الأعمال والسياسة في الرياض لتدشين مشروع “مدينة نيوم” بكلفة 500 مليا ر دولار. وفي كلمته أعلن الأمير إنها ستكون مخصصة حصراً لاستثمارات “الحالمين وموقعاً للحالمين الذين يريدون خلق شيء جديد في هذا العالم، ولا مكان فيها للاستثمارات التقليدية”. وكان لافتاً أن يستعير الأمير في كلمته ذلك اليوم عبارات إستخدمها الغرب في الماضي لتبرير التوسع الإستعماري وتهجير السكان المحليين. فلقد ركز الأمير على أن من ميزات المنطقة المخصصة لإنشاء مدينته “إنها شبه خالية من السكان“. بطبيعة الحال، لم تكن الأرض المخصصة لمشروع “مدينة نيوم” خالية أوحتى شبه خالية من السكان، وإلا لما إحتاجت السلطات السعودية إلى إستعمال مختلف وسائل الترغيب والترهيب لإجلاء السكان عن مناطقهم. بل إن قرى المنطقة ومدنها شهدت منذ إختيارها موقعاً لمشروع “نيوم” تحركات قام بها الأهالي يطالبون السلطات بتوفير خدمات أساسية لمواجهة النمو السكاني في السنوات الأخيرة.

تكرار سفاهات الطفرة النفطية

بعد إعلان الرؤية وبعد تدشين مشروع “نيوم”، إحتاج الخبراء المحليون والأجانب الذين تمت الإستعانة بهم إلى وقت طويل لإجتراح ملامح عددٍ من المشاريع والبرامج التي يمكن البدء في التخطيط لتنفيذها. خلال سنوات البحث والتقصي التالية تكررت بعض المهازل التي شهدتها بلاده وبقية بلدان الخليج في السنوات الأولى من الطفرة النفطية في منتصف سبعينيات القرن الماضي

من بين العديد من مشاريع السَفَه الرسمي في سبعينيات القرن الماضي كان مشروعٌ تولاه الأمير السعودي محمد الفيصل بصفته محافظاً لمؤسسة تحلية المياه المالحة. إستمر المشروع لأكثر من عشر سنوات بهدف نقل جبال جليدية من القطب الجنوبي إلى السعودية حسب “خطة وطنية طموحة لتوفير الحلول الجذرية لمشاكل المياه فيها”. وحسبما يذكر أحد معاونيه، شكل الأمير فريقاً دولياً لدراسة إمكانية تنفيذ المشروع وإنشاء “بنك من المعلومات عن الجبال الجليدية لحصر أماكن تواجدها” وتنظيم مؤتمرات علمية دولية حضرها مئات العلماء لدراسة “إمكانية نقل الجبال الجليدية إلى المناطق التي تعاني من الفقر المائي”. إلا إن مظاهر السـفه في عهد إبن سلمان فاقت ما ظهر في عهود من سبقوه من أعمامه في حكم السعودية.

بعد إعلان “رؤية 2030” صارت الرياض، مرة أخرى، قبلة لوفود تترى من أصحاب الأعمال وممثلي كبريات الشركات وبيوت الخبرة العالمية لعرض مشاريعهم وبرامجهم وإختراعاتهم. جميع هؤلاء يعرفون إن صاحب الرؤية هو صاحب القرار وإنه في عجلة من أمره ولا وقت لديه ولا قدرة على دراسة وتمحيص ما يُعرض عليه.كان واضحاً إن جهل م ب س بمتطلبات التخطيط لتغييرٍإقتصادي/إجتماعي كالذي رفع شعاراته ستجعل من “رؤية 2030” مصَّباً مفتوحاً لهدر ثروات السعودية وإرتهان مستقبلها.

فمن بين الشواهد الكثيرة على ذلك نجد جملة الإتفاقيات والعقود التي تمت خلال السنوات الأربع الماضية من عمر الرؤية. أحدها تنسبه وكالة بلومبرغ للملياردير الياباني ماسايوشي سون الذي إلتقى في طوكيو بمحمد بن سلمان حين كان، ولياً لولي العهد، في أيلول/سبتمبر 2016 وإستطاع في 45 دقيقة أن يقنعه بأن تستثمر السعودية مبلغ 45 مليار دولار لتدشين أحد مشاريعه في 17/5/2020 أي بعد أقل من أربع سنوات،أعلنت تلك الشركة اليابانية عن خسائر تكبدتها تصل إلى 16.8 مليار دولار.

إعادة صياغة “الرؤية”

تزامن انتشار خبر مقتل عبد الرحيم الحويطي وأخبار المواجهات في الخريبة وجوارها مع عدد من الأخبار السلبية عن الوضع الداخلي في السعودية. فبجانب كلفة الحرب الدائرة في اليمن وكلفة تمويل حلفاء السعودية في مختلف البلدان، تعاني السعودية من آثار تدهور أسعار النفط وإنخفاض عائداته. وتضيف تقلبات الأسواق النفطية والمالية العالمية والخسائر الناجمة عن جائحة كورونا أعباءً إضافية على الخزانة السعودية. فرض كل ذلك على السلطة تقليص الميزانية الإنفاقية، وخاصة في مجال الخدمات ألاساسية، علاوة على تحميل المواطنين جزءً من هذه الأعباء عن طريق رفع الرسوم والضرائب

هذه الأسباب مجتمعة لن تجعل من الممكن أن تتحقق الأحلام التي راودت الأمير حين أعلن “رؤية 2030”. وإذا ما إستمرت هذه الأوضاع، فليس أمامه من خيارات سوى إعادة صياغة “الرؤية” بتأجيل بعض أحلامها وبالتنازل عن البعض الآخر. وقتها قد يتمكن من التركيز على ما يستطيع تنفيذه في ظل شروط قاسية يفرضها تدهور الوضع المالي للسعودية، كما يفرضها إحتمال تزايد الإبتزاز التي يمارسه الرئيس الأمريكي مقابل إستمرار الحماية التي توفرها بلاده للرياض.

“نيوم”صارت أكبر من الرؤية

يستطيع ولي العهد وقتما يشاء أن يعلن تأجيل أو إلغاء أيٍ من المشاريع التي أعلنها ضمن “رؤية 2030” سواء تلك التي في طور التخطيط أو تلك التي بدأ بالفعل تنفيذها. وهو يستطيع أن يعتمد على أجهزة أمن لا حدود لسلطاتها لردع من يعترض. ويستطيع أن يحرك آلة إعلامية متعددة الآذرع لتسويق مبررات التأجيل أو الإلغاء. بل هو يستطيع بفضل هذه الآلة الإعلامية أن يعلن “انتصارات” باهرة في اليمن تبرر وقتما يريد إنسحاب بلاده من حربهاعليها. لكنه لن يستطيع التخلي عن تنفيذ مشروع “نيوم”. فهذا خرج من يديْه، وأصبح بعد إعلان الرئيس الأمريكي عن “صفقة القرن” من مستلزمات إعادة تشكيل المنطقة

نعم، لقد بدأ المشروع سعودياً. ونعم، خصصت المملكة له منطقة تبلغ مساحتها ستة وعشرين ألف كيلومتر مربع، بما فيها جزر في البحر الأحمر من بينها جزيرتي تيران وصنافير اللتيْن تنازلت مصر عنهما لصالح السعودية. إلا إن الوضع تغير خلال السنوات الأربع التالية لإعلان المشروع. فمن جهة إزداد إرتهان السعودية لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية وإزدادت حاجة محمد بن سلمان لها كيْ تضمن مستقبله. ومن الجهة الأخرى تقلصت قدرة السعودية على التأثير في سوق الطاقة والمال. فلم يعد ممكناً الحديث بجدية عن “مشروع نيوم” كمشروع تنموي يسهم في نقل السعودية عمرانياً وتقنياً وإقتصادياً إلى مصاف الدول الكبرى، كما روجت لذلك مطويات شركات العلاقات العامة وملصقاتها. فلقد إصبح مشروعاً يضع حجر الأساس لبناء تجمع إقليمي يضم أربعة دول متجاورة وحليفة للولايات المتحدة الأمريكية هي السعودية والأردن ومصر وإسرائيل.

سيبقى المجال مفتوحاً للتكهنات المتعلقة بالإحتمالات الجيوسياسية لقيام ذلك التجمع الرباعي تحت إمرة الولايات المتحدة الأمريكية. أما في المجال الإقتصادي فقد يعتمد ذلك التجمع الإقليمي على تعديلات مناسبة لـ”النموذج التنموي” الذي وضعته الولايات المتحدة الأمريكية تحت مسمى “المناطق الحرة المؤهلة” (أو ما يسمي بـ”الكويز”) في كلٍ من الأردن ومصر لتسهيل إقامة مشاريع إسرائيلية في البلدين تؤهلهما للاستفادة من الإعفاءات الجمركية والتسهيلات الأخرى التي توفرها اتفاقيات التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ستوفر منطقة “نيوم” لقادة التجمع الإقليمي الرباعي و لمشاريع “الكويز” المقبلة أراضٍ شاسعة تقارب مساحتها مساحة كل فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر. (أو مرتيْن ونصف مساحة لبنان). فإن حدث ذلك يستطيع ولي العهد السعودي الإدعاء إن بعض أحلامه قد تحققت.

.

http://assafirarabi.com/ar/31473/2020/05/29/%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%ad%d9%84%d9%85%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d9%83%d8%a7%d8%a8%d9%88%d8%b3%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9/.

.

خيبة م ب س الاقتصادية

في بداية هذا الشهر، خفضت “وكالة موديز للتصنيف الائتماني” تصنيف السعودية من مستقر إلى سلبي. وأرجعت الوكالة ذلك التخفيض إلى ارتفاع المخاطر المالية التي تواجهها السعودية، بسبب انهيار أسعار النفط، والغموض بشأن قدرة الحكومة على تعويض خسائر عائدات النفط، واستقرار ديونها على المدى المتوسط. ربطت الوكالة هذا التصنيف السلبي بأمرين: أولهما المخاطر التي تحيط بالأوضاع المالية السعودية جراء تزامن الهزة الناجمة عن انخفاض الطلب على النفط وتدهور أسعاره مع تداعيات جائحة كورونا. وثانيهما الشك في قدرة الحكومة السعودية على معالجة تداعيات خسائرها في سوق النفط وعجزها عن ضبط أعباء ديونها.

يضيف تقرير وكالة “موديز” الأخير خطوطاً حالكة إلى الصورة المظلمة التي يتداولها دارسو الوضع الاقتصادي السعودي. وهو وضعٌ تدفعه عوامل كثيرة، منها سوء الإدارة والارتهان إلى الخارج، نحو أزمة اقتصادية لم تعهدها البلاد منذ دخولها عصر النفط. فقرار السعودية الأخير بالالتزام بخفض إنتاجها من النفط يعني – حسب تقديرات متفائلة – أن عوائدها ستنخفض بنسبة 33 في المئة في هذه السنة، وبنسبة 25 في المئة في السنة القادمة مقارنة بعائداتها النفطية في 2019. سيتبع ذلك انخفاض إجمالي الناتج القومي، وتسارع إنكماش عوائد قطاعات الإنتاج غير النفطية التي يعتمد نشاطها ونموها في السعودية، كما في بقية بلدان الخليج، على الإنفاق الحكومي.

“إجراءات صارمة… شديدة ومؤلمة لكنها ضرورية”

في الثاني من هذا الشهر (أيار/ مايو) أعلن وزير المالية السعودي أن حكومته “ستتخذ إجراءات صارمة جداً، وأن هذه الإجراءات قد تكون مؤلمة”. فالسعودية، حسب الوزير، تواجه أزمة لم تواجهها من قبل. فإيراداتها النفطية انخفضت إلى النصف، ويتوجب عليها أن تقوم بتخفيض نفقاتها. وكان الوزير قد أعلن في تصريح سابق عن خفض ميزانية العام الحالي بمقدار 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار)، أي ما يمثل 5 في المئة من الميزانية الإنفاقية. لم يحدد الوزير نوعية وتفاصيل تلك الإجراءات الصارمة والمؤلمة، إلا أنه أشار، دون تفاصيل، إلى تخفيض شديد في بند النفقات في الميزانية

اعتمدت السلطات السعودية تقليدياً على ثلاثة مصادر تمويل أساسية لتعويض النقص في عوائد النفط جراء تقلبات السوق. وهذه المصادر هي الاستدانة، والسحب من الاحتياطي، وخفض الإنفاق الحكومي في انتظار عودة عوائد النفط إلى الارتفاع. ويبدو أن السلطات هناك تتصرف كما تصرفت في السابق، دون أن تأخذ بعين الاعتبار أن وضع السعودية الآن ليس كوضعها الماضي.

ستأتي الإجراءات “الشديدة والمؤلمة” التي ستتخذها الحكومة السعودية منسجمة مع السياسة الاقتصادية التي اعتمدها محمد بن سلمان منذ وصوله إلى السلطة. إلا أنها لن تؤدي إلى معالجة مكامن الخلل البنيوية في الاقتصادالسعودي. بل هي قد تفاقم تداعيات ذلك الخلل وتزيد من معاناة الناس.

 يستسهل ل وزير المالية وغيره من المسؤولين السعوديين تبرير اللجوء إلى فرض إجراءات شديدة ومؤلمة، كما يستسهلون دعوة الناس إلى شد الأحزمة، بالإشارة إلى”الظروف الاقتصادية والعالمية الناتجة عن تبعات تفشي الوباء العالمي كوفيد – 19وانخفاض سعر النفط”. وبهذا يتحاشون التعاطي مع الواقع، ومعالجة أخطاء السياسة الاقتصادية المعتمدة وتخبطها. ولعل آخر تلك الأخطاء القراراتُ التي أشعلت النزاع المدمر في سوق النفط، ودور السعودية، وبخاصة محمد بن سلمان، في تأجيج ذلك النزاع الذي أدى إلى إغراق سوق النفط وتدني سعره وانخفاض عوائده.

لقد كان ذلك النزاع مقامرة وحماقة في آن. فلم تحقق السعودية أهدافها السياسية من قراريها في 8/3/2020 برفع إنتاجها النفطي إلى أكثر من 12 مليون برميل يومياً، وإعطاء حسومات معتبرة لزبائنها في سوق النفط. لقد غامرت السعودية وخسرت كما خسر غيرها من منتجي النفط. إلا أن خسائرها أكبر بكثير من خسائر غيرها بحكم أنها أكثر أعضاء “الأوبك” إنتاجاً وتصديراً للنفط. وتتفاقم آثار تلك الخسائر في السعودية بسبب أن عائدات النفط هي موردها المالي الرئيس. فلقد كانت تخسر 12 مليون دولار يومياً مقابل كل دولار ينخفض من سعر برميل النفط، فما بالك حين ينخفض سعر البرميل من 80 دولاراً فما فوق إلى 20 دولاراً فما دون.

مضاعفة الدين واستنزاف الصندوق السيادي

لقد تضاعفت ديون السعودية في السنوات الأربع الماضية، أي منذ بداية تولي محمد بن سلمان ولاية العهد. ففي 2016 كانت ديون السعودية في حدود 23 مليار دولار أمريكي. وفي 2019 بلغ إجمالي الديون المستحقة على الحكومة السعودية 149 مليار دولار، نصفها ديون خارجية. وسيستمر هذا التوجه في 2020 طبقاً لمصادر وزارة المالية السعودية، التي تشير إلى استدانة ما قد يزيد على خمسين مليار دولار إضافية. علاوة على ذلك، تعتمد السياسة المالية السعودية على اللجوء أيضاً إلى السحب من الاحتياطيات المالية المتمثلة في الصناديق السيادية.

أهم صناديق الثروة السعودية هو “صندوق الاستثمارات العامة” الذي أصبح أحد الأذرع التنفيذية، التي وضع محمد بن سلمان يده عليها مباشرة بعد وصوله إلى ولاية العهد. سارت الأمور في البداية بشكل إيجابي. فلقد خطط الصندوق لنمو سنوي ليصل إلى 400 مليار دولار بحلول عام 2020. وبالفعل ازدادت أصول الصندوق خلال سنتين (كانون الأول/ ديسمبر 2015 وأيلول/ سبتمبر 2017). إلا أن تلك الصورة الزاهية والمبشرة بالخير كانت مضللة في الوقت نفسه. إذ لم تشكل أرباح الاستثمارات التي يديرها الصندوق سوى جزءٍ محدودٍ من نموه. بل كان نموه ذاك معتمداً بالأساس على ضخ رأس المال من قبل الحكومة إلى الصندوق وتحويل بعض الأصول الحكومية إليه. ولهذا أصبح الصندوق حسب دراسة الباحث الألماني ستيفان رول “صندوق ثروة سيادي خاص بالأمير“. فبدلاً من أن يقوم بما يُفترض بالصناديق السيادية أن تقوم به كاحتياطي للأجيال القادمة، وكأداة لتحريك مشروعات التنمية الاستراتيجية، وكأداةللاستثمار، أصبح خزنة خاصة يستطيع محمد بن سلمان أن يسحب منها ما يشاء لتغطية احتياجات طارئة. ولهذا لم يستغرب أحدٌ في الإعلام السعودي حين كشف وزير المالية أن الحكومة السعودية سحبت تريليون ريال (أي ما يزيد على 266 مليار دولار) من احتياطي الصناديق السيادية خلالالسنوات الأربع الماضية
2020-05-10.

 

 

خيبة م ب س الاقتصادية

 

.

برلمان الأطفال ومهزلة التمثيل الشعبي في الإمارات

الإمارات دولة اتحادية من طراز خاص. ففي كل واحدة من إماراتها السبع عائلة حاكمة، وعلى رأس كل عائلة حاكمة منها شيخٌ يحكم شعب إمارته ويتمتع بحقٍ مطلق في إدارة شؤونها. وحسب الدستور الاتحادي، يتشارك حكام الإمارات السبع في عضوية “مجلس أعلى” يقوم بإدارة شؤون الدولة، أي رسم السياسة العامة والتصديق على المعاهدات الدولية والقوانين الاتحادية، بما فيها الميزانية العامة للدولة. وبحسب الترتيبات الدستورية السارية، تتساوى أصوات الإمارات السبع في “المجلس الأعلى”. إلا أن تلك الترتيبات ذاتها منحت حق الفيتو في “المسائل الموضوعية” لمشيختَي أبو ظبي ودبي بحجة حجمهما السكاني وبحكم قوتهما المالية.

قبل تأسيس الاتحاد، كان حكام الإمارات يعيشون في كنف الحماية البريطانية إلى أن اضطُرت بريطانيا إلى الانسحاب من الخليج ومن بقية مستعمراتها شرقي السويس. وقبل إتمام الانسحاب نجحت بريطانيا في إقامة اتحاد يجمع الإمارات السبع في كيان سياسي دون أن تتخلى العوائل الحاكمة في كل إمارة عن امتيازاتها ضمن حدودها التي قررتها بريطانيا.

لم تكن المسائل المتعلقة بالتمثيل الشعبي، ناهيك عن الديمقراطية، تؤرق حكام الإمارات السبع عند إعلانهم تأسيس دولة الإمارات في 1972. فلقد كان أغلب اهتمامهم يتمحور حول أمرين، أولهما ضمان استمرار سيطرة كل عائلة حاكمة على إمارتها. وثانيهما درء الأخطار الخارجية بما فيها أطماع الجارتين الكبيرتين، المملكة السعودية وإيران الشاهنشاهية، علاوة على درء تأثيرات كل من الثورة العُمانية وجمهورية اليمن الجنوبي والتحركات الشعبية والعمالية في البحرين والكويت.

الحل المؤقت الذي توصل إليه الحكام السبعة في 1972 هو تشكيل مجلس استشاري وطني ليقوم بملء خانة التمثيل الشعبي أو بدور البرلمان في الدول الحديثة. عيَّن حاكم كل إمارة من الإمارات السبع ممثلي إمارته في المجلس الاستشاري طبقاً لمعادلة الثقل السكاني والمالي لكل إمارة. وعلى نسق البرلمانات الحقيقية أصبح لدى المجلس الاستشاري لجانه المتخصصة، ولائحة داخلية تنظم مداولاته وتضبط إجراءات التصويت فيه. إلا أن هذا المجلس لم تكن لديه الصلاحية لممارسة سلطات تقارب تلك التي تمارسها البرلمانات الحقيقية. فأقصى ما يستطيع أعضاءه منذ تأسيسه وحتى الآن، هو مناقشة ما تحيله لهم الحكومة من أمور. بل هم لا يستطيعون حتى اقتراح القوانين أو رفض القوانين التي يصدرها مجلس الحكام.

تغيرت تركيبة المجلس الاستشاري بعد 2006 بتغيير طريقة تعيين مندوبي الإمارات فيه وذلك بالمزج بين الانتخاب والتعيين، بحيث يقوم حكام الإمارات بتعيين نصف أعضاء المجلس، بينما يتم انتخاب النصف الآخر عن طريق “الهيئات الانتخابية”. رافق ذلك الإعلان ضجيجٌ إعلامي عن توجه لـ”إعطاء فرصة لمواطني الدولة لاختيار ممثليهم في المجلس الوطني من أجل تعزيز الانتماء الوطني، وتغليب المصالح العامة للشعب، وإتاحة الفرصة للمشاركات المحلية من قبل الفئات الشابة والمتعلمة، فضلاً عن تمكين المرأة”. إلا أن ذلك التغيير كان أقل بكثير من الضجة التي أثيرت حوله. إذ أن حاكم كل إمارة هو من يختار أعضاء “الهيئة الانتخابية” من بين مواطني إمارته. وحاكم الإمارة هو الذي يحدد “طبيعة وصفات وشروط الناخب، ويمكنه وفقاً لتقديره تخصيص نسبة للإناث أو البالغين أو كبار السن”.

العدد الرسمي لمن يتم اختيارهم لعضوية “الهيئات الانتخابية” في جميع الإمارات السبع كان وما زال فضائحياً. فهو لم يزد على 6595 شخص في 2006 أي أقل من 1 في المئة من مواطني الدولة. ثم ارتفع العدد في عام الربيع العربي (2011) ليزيد قليلاً على 135 ألف شخص، وعاد فارتفع في 2015 ليصل إلى 224 ألف شخص. وفي الانتخابات الأخيرة (2019) وصل عدد المواطنين الذين تم اختيارهم لعضوية الهيئات الإنتخابية إلى 338 ألف شخص.

حين يتزين الاستبداد

لا يجد المسؤولون الإماراتيون نقيصة في أعداد من يتاح لهم/ لهن المشاركة في الهيئات الانتخابية. بل يرونها تمثل “نقلة نوعية، ومؤشراً واضحاً على حرص القيادة الرشيدة على استكمال مسيرة التمكين السياسي”، وأنها تؤكد “الخطى الثابتة والمدروسة التي تسير بها الدولة نحو تحقيق خططها الاستراتيجية الطموحة لإرساء النموذج الإماراتي المتميز في العمل البرلماني”.

لا غَرْوَ أن يعتبر حكام الإمارات نموذجهم المتميز في العمل البرلماني “استثماراً جيداً”. شيئاً فشيئاً يتيقن أكثرهم استبداداً وعنجهية أن الدور التزييني الذي يلعبه تنظيم “انتخابات” دورية لبرلمان صوري يبرر كلفة إقامته وإدامته. فعلى الرغم من صورية “المجلس الاستشاري” وهشاشة شرعيته الانتخابية، إلا أنه يواصل تمثيل نظام بلاده في الاتحاد البرلماني العالمي، وفي الاتحاد البرلماني العربي. مثله في ذلك مثل برلمانات حقيقية.

برلمان الأطفال: زينة إضافية

في أواخر شباط/ فبراير الماضي نشرت وكالة الأنباء الإماراتية تفاصيل مؤتمر صحافي تحت رعاية الشيخة فاطمة بنت مبارك – أم محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي (ورئيسة الاتحاد النسائي العام، ورئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة والرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية). في ذاك المؤتمر الذي سبقه وتلاه ضجيج إعلامي يتناسب ومركز الشيخة، كُشف النقاب عن إنشاء “برلمان الطفل الإماراتي”. وحسبما ذكرت وكالة الأنباء، فمن المقرر أن يبدأ برلمان الأطفال أعماله في منتصف هذا الشهر (آذار / مارس) لتأكيد اهتمام الدولة ومؤسساتها بدور الأطفال والناشئة ليكونوا “اللبنة الفاعلة في بناء الدولة الحديثة في مختلف مجالات الحياة”. أظهرت وكالة أنباء الإمارات خبر إنشاء برلمان الأطفال في صيغة جادة. واحتفت وسائل الإعلام الرسمية بالخبر وتفاصيله، ولم تهتم بالتوقف عند المفارقة الواضحة بين الخبر وواقع الحال في الإمارات التي تعاني من نظام حكمٍ استبدادي متعدد الرؤوس. وإلا كيف يكون للأطفال برلمان، في حين لا يتوفر مثله لآبائهم وأمهاتهم؟

ليس الهدف من برلمان أطفال الإمارات ترسيخ الوعي بينهم بقيم الديمقراطية وممارسة حقوقها، بما فيها حق الاختيار عبر انتخابات فعلية حرة ونزيهة، وحق الناخبين في مساءلة “نوابهم” والمسؤولين عن تسيير شؤون البلاد. بل هم يأملون أن يوفر لهم برلمان الأطفال زينة لم يوفَّق في توفيرها لهم “برلمان الكبار”ا

 

 

برلمان الأطفال ومعضلة التمثيل الشعبي في الإمارات

 

 

بومبيو و”حاجة السعودية المستمرة للوقوف معها” ا

في زيارته الأخيرة للرياض (2020/02/19)، أجرى وزير الخارجية الأمريكي مباحثاتٍ متتالية مع الملك السعودي وولي عهده. جاءت الزيارة، حسبما نشر الوزير في تغريدة له في موقع تويتر، تلبيةً لـ “حاجة مستمرة للوقوف مع السعودية في مواجهة سلوك إيران الخبيث في المنطقة”. ولتأكيد وصول هذه الرسالة إلى كلّ من الطرف الإيراني وإلى الجمهور السعودي، اهتمت وسائل الإعلام السعودية بتفاصيل التصريحات التي أدلى بها المسؤول الأمريكي، والمقابلات التي قام بها في أثناء زيارته القصيرة للسعودية، وخاصة قيامه بتفقد قاعدة الأمير سلطان الجوية قرب الرياض. وهي القاعدة التي “تستضيف” 2500 عنصرٍ من القوات الأمريكية، وسرباً من طائرات ف-15 التابعة لسلاح الجو الأمريكي وإحدى منظومات صواريخ “باتريوت” التي تديرها تلك القوات.

خمسة وسبعون سنة من التبعية

وصل بومبيو إلى الرياض بعد أيام من احتفالات واسعة شهدتها الرياض في الذكرى الخامسة والسبعين لما يسمّيه الإعلام السعودي ب “اللقاء التاريخي” بين الملك عبد العزيز، والرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت، على متن السفينة الأمريكية “كوينسي” في 1945/02/14. وهو اللقاءُ الذي وضع أسس و شروط ضمان توفير الحماية الأمريكية للنظام السعودي.

قبل 75 سنة، كانت أغلب كلفة توفير تلك الحماية تتمثل في حصول الشركات الأمريكية على امتيازاتِ التنقيب عن النفط، وإقامة قاعدة عسكرية أمريكية في الظهران بالقرب من أكبر حقول النفط السعودية. شيئاً فشيئاً تصاعدت كلفة تلك الحماية لتصل إلى ما وصلت إليه في عهد ترامب. ومعلومٌ أن الرئيس الأمريكي في مقابلة له بثتها قناة فوكس نيوز (2020/01/14) أكد أن السعوديين “أودعوا مليار دولار في البنك” لتغطية مصاريف القوات التي أرسلهاإلى السعودية لحمايتها.

كانت الطفرة النفطية في منتصف سبعينيات القرن الماضي،هي المعْبر الذي استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية لإبقاء بلدان الخليج تابعةً لها، على الرغم من التغييرات في شروط تلك التبعية وأسسها. فمنذ بداية تلك الطفرة، برز سباق تسلح إقليمي شجعته الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الغربية المصدرة للسلاح. ولم يكن مستغرباً أن يكون أشرس المشاركين في ذلك السباق هما السعودية وإيران الشاهنشاهية – أكثر دول المنطقة تبعية للغرب. وقد أصبح سباق التسلح، ومازال، أهم أدوات ما يُعرف بعمليات “تدوير البترودولار”. أي استعادة الدول الغربية للأموال التي دفعتها مقابل شراء النفط. وقتها كان الخليج على ضفتيه سوقاً مفتوحة لسماسرة السلاح، الرسميين وغير الرسميين، وفي معيّتهم خبراء استراتيجيون يحملون تقاريراً ودراسات مفصلة عمّا “تحتاجه” دول المنطقة من أنظمة تسليح وعتاد وتدريب.

في ظل الطفرة النفطية، شهدت المنطقة هوساً جماعياً بين حكام الخليج بالتسوق في أسواق السلاح. بل صارت معارض شركات السلاح تنعقد دورياً في بلدان الخليج. ودخلت هذه الدول في قوائم كبار مستوردي السلاح، وقوائم أكثر الدول إنفاقاً في المجال العسكري.

بعد ما يقارب من أربعة عقود من هوس الهدر العسكري، صار بإمكان الإعلام السعودي في 2018 أن يتباهى مبشراً أن”السعودية تتقدم على روسيا وفرنسا بأكبر ميزانية دفاعية في العالم”،وأنها أصبحت ثالثَ دولة في الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين. ولا شك أن التباهي قد ازداد بعد أن زادت الميزانية العسكرية في السعودية في العام 2019،وتجاوزت ميزانياتِ دول كبرى مثل روسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والهند.

نتائج الهدر: القوة البحرية السعودية مثالاً

في أواخر خمسينيات القرن الماضي، تشكلت نواة القوات البحرية السعودية من بضعِ قوارب صيد كقوة خفر سواحل. شهدت تلك القوة منذ منتصف السبعينيات نمواً ملحوظاً، إلا أنها ظلت قوة هامشية في المنظومة العسكرية السعودية، ولم تتجاوز مهماتها كقوة لخفر السواحل. وبطبيعة الحال، لم يكن لتلك القوة المتواضعة تأثيرٌ يذكر خارج المياه الإقليمية السعودية

لعبت عوامل تاريخية، وخاصة شروط الوضع الإقليمي وتقاليد الحكم في المملكة منذ تأسيسها في 1932 دوراً في تكريس عدم الاهتمام الرسمي السعودي ببناء القوات البحرية. فهذه مهمات محظورة على المملكة بحكم الوضع القائم في الخليج العربي منذ بداية القرن التاسع عشر. وقد اختصت بها أساطيلُ بريطانيا ومن بعدها الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا ركز حكام السعودية على بناء قدراتهم العسكرية (الجيش والطيران والحرس الوطني والداخلية) لمواجهة الأخطار الداخلية، وحماية الحدود البرية من اعتدءات أشقائهم في دول الخليج الأخرى.

ينسجم ذلك التوجّه مع ما كان يقدمه المستشارون والخبراء الاستراتيجيون في الغرب، لأصحاب القرار في العائلة الحاكمة في السعودية وغيرها من دول الخليج. فما الداعي، حسب أولئك الخبراء، لهدر الأموال على تطوير القوات البحرية طالما أن دولة عظمى ستتولى حماية الملاحة في الخليج؟ لم تسمح الولايات المتحدة لأيّ من زبائنها في ضفتي الخليج ببناء قواتٍ بحرية، عدا التزود بقوارب الدوريات. وعلى عكس موقف دول الخليج العربية، لم يقبل شاه إيران وقتها بذلك الحظر. بل استفاد من علاقاته الإقليمية لتوسيع هامش حركته في المجال التسليحي، وخاصة في القوة البحرية والتكنولوجيا النووية. وبذلك فتح طريقاً سار عليها من جاؤوا بعده إلى سدّة الحكم في طهران.

على الورق، تتكون القوة البحرية السعودية من إسطولين: إسطولٍ شرقي في “قاعدة الملك عبد العزيز” على ساحل الخليج، وأسطولٍ غربي في “قاعدة الملك فيصل” على ساحل البحر الأحمر. يبالغ بعض الإعلام السعودي حين يعتبر أن القوات البحرية السعودية تُظهِر “سيطرتها على أهم مدخلين مائيين في منطقة الشرق الأوسط” (الرياض، 2015/04/03). إذ لا تزيد معدات الإسطولين عما تملكه القوات البحرية في دول إقليمية أصغر، ويقل إنفاقها العسكري بكثير عمّا تنفقه السعودية. بل ليس لدى البحرية السعودية ما يمكن مقارنته بما في حوزة البحرية الإيرانية من عتاد ومعدات

لم تصبح القوات البحرية كغيرها من أفرع القوات العسكرية والأمنية في السعودية (الجيش والطيران والحرس الوطني والداخلية) مجالاً لتقاسم السلطة بين أجنحة العائلة الحاكمة. ولم يهتم أحدٌ من أولاد الملك عبدالعزيز، وأحفاده بالاستحواذ على القوات البحرية أو أن يصبح قائداً فيها. ترسخت هامشية القوات البحرية التي لم تتجاوز مهماتها القيام بدوريات الحراسة حول الموانئ الرئيسة المطلة على الخليج والبحر الأحمر، بالإضافة إلى المشاركة في المهرجانات والاحتفالات الرسمية وخصوصاً عند زيارة الملك لأحد تلك الموانئ.

غداة زيارة وزير الخارجية الأمريكي مارك بومبيو إلى الرياض، أعلنت السعودية أن قاعدة الملك عبد العزيز البحرية على ساحل الخليج العربي ستشهد انطلاق تمارين بحريةٍ تشارك فيها قواتٌ أمريكية وسعودية. وأكد الإعلان أن “المناورة التمرينية السعودية – الأمريكية هي جزءٌ من سلسلة مناورات وتدريبات مشتركة، تهدف إلى رفع الجاهزية القتالية للحفاظ على حرية الملاحة البحرية. يتضمن التمرين عدداً من المناورات والتدريبات التي تعزز إجراءات الأمن البحري بالمنطقة، وتوحيد مفاهيم أعمال قتال القوات البحرية” (الشرق الأوسط 2020/02/19). تؤكد متابعة وسائل الإعلام السعودية لأخبار المناورة أمرين. أولهما اهتمام القيادة السعودية بتطوير “الجاهزية القتالية” لقواتها المسلحة بما فيها قواتها البحرية. وثانيهما إعلان صمود “الشراكة التاريخية بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية” بعد 75 سنة على قيامها.

لا يتوقع أحدٌ خارج أُطر الإعلام السعودي أن يكون للمناورات التمرينية السعودية – الأمريكية آثارٌ ملموسة أو محتملة على التوازن العسكري في مياه الخليج. فلا تزيد قوة “الإسطول الشرقي” السعودي عن ثلاثة فرقاطات، وعدد محدود من قوارب الدورية يزيد عمر بعضها على عشرين سنة. إلا أن المناورات قد توفر للأمريكيين فرصة إضافية لترويج أنظمة تسليح جديدة، وبرنامج تدريب لم يكن السعوديون على علمٍ بحاجتهم لها. وفي حال تمخضت المناورات المشتركة عن صفقات أسلحة وتدريب جديدة، فلن يعني ذلك تأهيل السعودية للقيام بدورٍ أكبر مما هو منوط بها.

هل يتجه عصر النفط إلى الغروب؟

في العام 2017، عقدت الولايات المتحدة الأمريكية صفقةً بقيمة 250 مليون دولارٍ أمريكي ل”تجهيز وتدريب سلاح البحرية السعودي”. كعادته، هلّل الإعلام السعودي لتلك الصفقة، إلا أن البيان الرسمي الأمريكي عن تلك الصفقة، حسب العادة أيضاً، شدّد على أن”التدريبَ الذي ستوفره هذه الصفقة لن يؤثر على التوازن العسكري في المنطقة”. لا تخفي الولايات المتحدة الأمريكية أن صفقاتِ التسليح، وبرامج التدريب التي تقدمها للسعودية، أو غيرها من دول الخليج هي صفقاتٌ سياسية وتجارية لا تهدف إلى تغيير موازين القوى في منطقة الخليج خصوصاً، ومنطقة الشرق الأوسط عموماً. وهذا من ثوابت السياسة الأمريكية تجاه هذه المنطقة، والتي يحرص المسؤولون الأمريكيون على تأكيدها في جلسات الاستماع التي تعقدها اللجان المختصة في الكونغرس الأمريكي منذ منتصف السبعينيات الفائتة وحتى الآن. وبسبب تكرارها، فلم تعد تلك التأكيدات تثير اهتماماً أو استغراباً!

قرنان على “معاهدة السلام العامة” في الخليج

في الثامن من هذا الشهر، كانون الثاني /يناير، مرّت مناسبة لم يحتفل بها أطرافها. ففي مثل ذلك اليوم قبل قرنيْن، تمّ تدشين “معاهدة السلام العامة” بين ممثلي بريطانيا وشيوخ قبائل عربية، في ما كان يُعرف آنذاك بـ “ساحل القراصنة” قبل أن يغيّر البريطانيون تسميته إلى “الساحل المتهادن” (دولة الإمارات العربية في الوقت الحاضر). بعد تلك المعاهدة الأم جاءت سلسلة اتفاقيات جماعية وفردية بين بريطانيا وشيوخ قبائل خليجية.

أسست معاهدة 1820 لحقبة الهيمنة البريطانية على بلدان الخليج العربي التي امتدت لقرنٍ ونصف القرن والتي مهدت بدورها لحقبة الهيمنة الأمريكية الراهنة على المنطقة. كما أسهمت تلك المعاهدة وما تلاها في تحويل شيوخ تلك القبائل المتهادنة إلى حكام دولٍ رعت بريطانيا إقامتها وأشرفت على رسم حدودها. ولعل في هذا ما يُفسر التجاهل الملحوظ لهذه الذكرى السوداء في تاريخ المنطقة التي قد يشكل التذكير بها تشكيكاً في المحاولات التي تبذلها العوائل الحاكمة لتوثيق سرديات ملفقة لتاريخ المنطقة.

من ساحل قراصنة إلى ساحل متهادن

في بداية كانون الثاني /يناير 1820، انتقل الميجور جنرال البريطاني “وليام جرانت كير” مع معاونيه من مقره في جزيرة قشـم على الجانب الفارسي من الخليج، إلى ميناء رأس الخيمة في الجانب العربي، ليأخذ هناك تواقيع شيوخ الساحل العُماني على “معاهدة السلام العامة” بينهم وبين بريطانيا.

أول من وضع بصمته على تلك الوثيقة بتاريخ 8/1/1820 كان شيخ رأس الخيمة الذي قاومت قبيلته القواسم وحلفاؤها ببسالة المحاولات البريطانية لإخضاعهم (1). صمد تحالف القواسم أمام حصار بحري وأمام حملات عسكرية متتالية شنتها بريطانيا في 1800 و1805 و1809 و1819، تحت حجج مكافحة القرصنة وتجارة الرقيق. آخر تلك الحملات أسفرت عن سقوط رأس الخيمة وتدميرها، ثم تدمير الموانئ الأخرى والحصون الساحلية التابعة للقواسم في الشارقة وأم القيوين وعجمان. وبعد قبول شيخ القواسم شروط تلك المعاهدة، استمر استدعاء رؤساء بقية قبائل المنطقة على التوالي إلى مقر إقامة الجنرال البريطاني لوضع بصماتهم على تلك الوثيقة… ووافقت بريطانيا لاحقاً على طلبات قدمها شيوخ قبائل أخرى، ومن بينهم حاكم البحرين، للانضمام إلى تلك المعاهدة

أظهرت بنود المعاهدة أن الاهتمام البريطاني كان محصوراً بتأمين الملاحة عن طريق فرض هيمنة إسطولها على مياه الخليج العربي ومداخله، ومنع أي طرف محلي من محاولة منافستها. ولهذا الغرض ألزمت بريطانيا الشيوخ المتصالحين بعدم السعي لبناء السفن الكبيرة أو محاولة إعادة بناء قواهم البحرية الخاصة، وبعدم تشييد التحصينات في المناطق التي يتواجدون فيها. مقابل ذلك حصل شيخ كل قبيلة من القبائل المتعاهدة على الأمان لنفسه ولقبيلته، كما ضمن حماية بريطانيا له من جيرانه بل ومن منافسيه داخل قبيلته ذاتها. وفيما يمكن اعتباره سابق لما يُسمى الآن بـ”التحالف الدولي ضد الإرهاب”، أعطت المادة السابعة من المعاهدة لبريطانيا الحق في دعوة جميع القبائل المتهادنة للمشاركة في “تحالف ضد القرصنة” والعمل وفق قابلياتهم ضد أي طرف لا يلتزم بنصوص المعاهدة
مقابل تركيز بريطانيا على تثبيت حقها المطلق في القيام بمهمات شرطي المنطقة الذي يحمي الملاحة التجارية في البحر العربي والخليج، فهي تركت ولفترة طويلة بعد 1820 لشيوخ القبائل المتهادنين مهمات تسوية أمورهم الداخلية، بما فيها تسوية النزاعات المزمنة بين تلك القبائل حول الزعامة وحول الحدود وآبار المياه ومناطق الرعي والصيد. لم يكن ذلك عبثاً بل على العكس. فمن جهة انشغلت تلك القبائل بنزاعاتها مع بعضها البعض، ومن جهة أخرى أتاحت تلك النزاعات لبريطانيا أن تتدخل وقتما تشاء لتقوية قبيلة ضد أخرى أو لتنصيب شيخٍ مكان آخر.

من اللورد كرزون إلى الرئيس ترامب

بعد مرور تسعين سنة على معاهدة 1820، قام اللورد “كرزون” بصفته نائب الملك البريطاني والحاكم العام في الهند، التي تخضع منطقة الخليج لإداراتها، بزيارة تفقدية لبلدان المنطقة. وفي الشارقة، على الساحل المتهادن، استقبل اللورد في سفينته وفداً من شيوخ القبائل، ضم شيوخ أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين، ليؤكد لهم أن الهيمنة البريطانية هي ضمانة السلم في المنطقة مثلما هي ضمانة استمرار حكم الشيوخ. فلا شك إنهم يتذكرون، قال اللورد، بأن الخليج كان منطقة “حرب ونزاع، وكان كل إنسان على الأغلب إما قرصاناً أو قاطع طريق…”. شدد اللورد على أن الأحوال قد تغيرت في المنطقة بعد أن “أقامت الحكومة البريطانية، وبرضاكم أنتم، وصايتها على السلم بين القبائل، ونمت روابط سياسية بين حكومة الهند وبينكم، وأصبحت الحكومة البريطانية بمقتضاها سيدة عليكم وحامية لكم (…) ولذا يجب أن يستمر السلم في هذه المياه وعندها يمكن ضمان استقلالكم وبقاء نفوذ الحكومة البريطانية فوق كل نفوذ” (2

إثر الانسحاب البريطاني من الخليج في نهاية ستينيات القرن الماضي، انتهت عملياً الهيمنة البريطانية على المنطقة لتحل محلها هيمنة أمريكية استفادت كثيراً من خبرات الاستعمار البريطاني، لكنها لم تستنسخها جميعاً. فقد تغيرت أحوال الخليج كثيراً عما كانت عليه. فمنذ اكتشاف النفط، وخاصة بعد الطفرة النفطية، لم يعد الخليج مجرد ممر للتجارة البحرية في الطريق إلى الهند والمستعمرات الآسيوية. وشيوخ الخليج، الذين كان بعضهم يعتمد على القرصنة وتجارة الرقيق وتهريب الأسلحة، أصبحوا حكاماً لدولٍ معترف بها، لها جيوشها ومواردها وعلاقاتها الإقليمية والدولية. إلا أنهم وعلى الرغم من ذلك كله لم يتخلوا عن موروث تراكمت تداعياته طيلة أكثر من قرنين من الخضوع لهيمنة الاستعمار البريطاني. وهذا بالضبط ما استوعبه الرئيس الأمريكي

يمكن إنكار أن الخليج قد تغير كثيراً عما كان عليه تحت الهيمنة البريطانية. وإن حكام المنطقة قد تغيروا عما كان عليه أسلافهم في زمن الجنرال كير في 1820 وزمن اللورد كرزون في 1903. إلا إن أمراً أساسياً لم يتغير، ألا وهو اقتناع حكام الخليج العربي بأن أنظمتهم لا يمكن أن تستمر بدون حماية خارجية. وإن عليهم قبول دفع لأكلاف السياسية والمالية التي مقابل استجلاب تلك الحماية والخضوع لها
ربما لم يسمع ترامب بالجنرال كير أو باللورد كرزون. إلا إنه هو يستعيد بعضاً من خبراتهما حين يكرر في الفينة والأخرى إن دول الخليج “لن تبقى لأسبوع واحد دون حمايتنا وإن عليهم دفع ثمن لذلك”. لقد رهن الجنرال كير واللورد كرزون استقلال شيوخ القبائل المتهادنة مقابل اعترافهم بهيمنة بريطانيا عليهم وبقاء نفوذها فوق كل نفوذ. أما ترامب فأضاف على ذلك إن على حكام الخليج أن يدفعوا لبلاده ثمن حمايتهم وضمان استمرار أنظمتهم واستقلالها.

________________
1 – للتفاصيل، صالح العابد ” دور القواسم في الخليج العربي”، جامعة بغداد 1976
2 – حسين البحارنة “الوضع القانوني لبلدان الخليج العربية”، جامعة مانشستر 1968

مقال منشور في السفير العربي

قرنان على “معاهدة السلام العامة” في الخليج

البحرين: حين تراقب العائلة الحاكمة نفسها

في منتصف تشرين الاول/ أكتوبر الماضي، وفي أجواء تظاهرة إعلامية، استقبل ملك البحرين رئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية ليستلم منه آخر تقرير أصدره الديوان. فيما بعد، وككل سنة، تستمر الأجواء الإحتفالية برتابة طقوسٍ لا تتغير، فيزور رئيس الديوان كبار مسئولي الدولة بمن فيهم رئيسَي مجلس النواب والشورى لتسليم التقرير إليهم. وعلى هامش تلك الزيارات التي توثقها وسائل الإعلام بتفاصيلها، يتولى صحافيون تدبيج المقالات ونشر التحقيقات حول بعض ما يتضمنه التقرير من أمثلة على سوء إدارةٍ وهدر مالي. تتغير العبارات ويتغير أصحابها، ولكنها تتشابه في إنها لا ترى إلا ما تريد السلطة أن يراه الناس.

طقوس سنوية لإدانة الفساد

لم تتغير هذه الطقوس منذ أن بدأ ديوان الرقابة نشاطه في 2002. وحسب مرسوم تأسيسه، يتولى الديوان مهمة الرقابة المالية على أموال الدولة والتحقق بوجه خاص من سلامة ومشروعية استخدام هذه الأموال وحسن إدارتها. لا تشمل صلاحيات الديوان الرقابة المالية أو الإدارية على وزارتي الدفاع والداخلية، وعلى الحرس الوطني وجهاز الأمن الوطني التي تشكل ميزانياتها المعلنة أكثر من 38 في المئة من ميزانية الدولة (2019).

لم يتوصل ديوان الرقابة المالية والإدارية طيلة الستة عشر سنة الماضية إلى تسمية فاسدين، أفراداً كانوا أو شبكات، ناهيك عن مقاضاتهم. فمنذ تأسيسه، لم يكن مطلوباً منه وليس متوقعاً في المستقبل أن يتمخض ديوان الرقابة ذاك وتقاريره السنوية بأكثر من الضجيج الذي يمكن تقديمه في المحافل الدولية تنفيذاً لمتطلبات “الشفافية” وحكم القانون. فالمطلوب كما رأينا بعد ستة عشر تقرير سنوي هو تنظيم مهرجان ينشغل به الناس، مع ما ينشره الإعلام وما يدور في مجلس النواب من مداولات حول طرق إجتثاث الفساد. وطيلة أسابيع قليلة بعد صدور التقرير تنشر الصحف مقالات مكرورة تستنكر الفساد والهدر وتعلن في الوقت نفسه ثقتها في الملك وعائلته.

يتكرر هذا الطقس في مجلس النواب المؤلف من نوابٍ سهّلت السلطة وصولهم إلى عضوية البرلمان بدون تمييز بين الليبراليين منهم أو رجال دين يراوحون بين مختلف درجات التشدد. يتنافس بعض النواب على رفع الأصوات إستنكاراً لتجاوزات ذكرها التقرير. ثم تنتهي سريعاً مناقشاتهم بإتفاق الجميع، بمن فيهم ممثلي الحكومة التي يستعرض التقرير بعض مظاهر الفساد وسوء الإدارة فيها، على ضرورة الإصلاح. طيلة ممارسة هذه الطقوس السنوية لا يرفع أحدٌ صوته (أو صوتها) إلى أعلى مما هو مقبول. وبالطبع لا يجرؤ أحدٌ أن يطالب بمساءلة وزير أو محاسبته ناهيك عن سحب الثقة منه. فهذه جميعها أدوات دستورية لم تستطع البرلمانات المتتالية التي شهدتها البحرين منذ 2002 أن تستخدمها.

وزير مالية فاشل في دورٍ جديد

التقرير الجديد ضخمٌ، تقارب صفحاته التسعمئة. وهو أول تقرير يصدره الديوان منذ أن تولى رئاسته أحمد الخليفة في أيار/مايو الماضي. وهو نفسه الذي تولى وزارة المالية في الفترة بين 2005 و2018 وكرّس دورها في حراسة الإعتداءات على المال العام فساداً أو هدراً أو نهباً. ففي تلك الفترة، كانت المخالفات والتجاوزات في وزارة المالية مواضيع متكررة في جميع التقارير السنوية لديوان الرقابة. إلا إن السلطة وعلى رأسها الملك وعمه رئيس الوزراء استمرت في تجاهل ما أشارت إليه تلك التقارير صراحة أو ضمناً، كما استخفت بما كانت تطرحه أطرافٌ معارضة من حلول إصلاحية. فتلكَ تستدعي بدايةً أن تتخلى العائلة الحاكمة عن إمتيازاتها التي تستند من جهة إلى حقوقها في “غنيمة فتح البحرين”، ومن جهة أخرى إلى ما سنّه الإستعمار البريطاني من قوانين وأنظمة وأساليب حكم.

بعد أربعة عشر سنة من ولاية أحمد الخليفة على وزارة المالية، وصلت البلاد إلى مشارف الإعلان عن إفلاسها وبدا واضحاً فشله في الإمساك بزمام الأمور. فلقد إنخفضت إحتياطياتها من النقد الأجنبي وتجاوزت تكاليف خدمة ديونها، المعلنة وغير المعلنة، قدرتها على التسديد وإنخفض تصنيفها الإئتماني. ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه اتخذ الوزير، وبموافقة أعضاء مجلسي النواب والشورى، سلسلة من الإجراءات المتخبطة بما فيها إلغاء الدعم الحكومي على المواد الأساسية وفرض سلسلة من الضرائب غير المباشرة وزيادة الرسوم المفروضة على الخدمات. وعلى الرغم من الأعباء الإضافية التي فرضتها تلك الإجراءات على الفقراء وشرائح الطبقة الوسطى، إلا إنها لم تؤدِ إلى وقف وتيرة الإنهيار الإقتصادي الوشيك.

لم تعد الإجراءات الترقيعية تكفي وليس مطروحاً مجرد التفكير في إدخال إصلاحات حقيقية على النظام السياسي والإقتصادي.

جاء الفرجُ، مرة أخرى، عن طريق السعودية والإمارات والكويت التي قدمت دعماً مالياً مشتركاً بقيمة عشرة مليارات دولار. لم تكن هذه أول مرة تتلقى العائلة الحاكمة في البحرين دعماً مالياً من العوائل الحاكمة في كلٍ من السعودية والإمارات والكويت وقطر (قبل 2016). فقبل أيام قليلة من دخول القوات السعودية والإمارتية إلى البحرين للمشاركة في قمع إنتفاضة دوار اللؤلؤة، أعلن المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي عن تخصيص مبلغ عشرة مليارات دولار لتمويل مشاريع التنمية في البحرين لفترة عشر سنوات قادمة. (جريدة الرياض 1/3/2011). إلا إن الدول الثلاث إشترطت ما يرقى إلى فرض الوصاية المالية على البحرين، أي إشرافها المباشر على تطبيق برنامج متكامل يتضمن مراجعة السياسة المالية وصولاً إلى تحقيق التوازن المالي بحلول العام 2022. كان ذلك الشرط إعلاناً بعدم الثقة في قدرات وزارة المالية في البحرين والخشية من أن تلقى المليارات العشرة الجديدة مصير ما سبقها.

على الرغم من الحصانة الخاصة التي يتمتع بها أفراد العائلة الحاكمة في البحرين، لم يجد الملك مفراً من التضحية بوزير ماليته في نهاية العام الماضي بآخر من أفراد العائلة. فحين أقال الملك وزير المالية من منصبه كان يؤكد للسعودية والكويت والإمارات جدية إلتزامه بالشروط التي يتطلبها “برنامج التوازن المالي”.

عُزل وزير المالية من منصبه في كانون الأول/ ديسمبر الماضي بسبب عدم ثقة الدول الثلاث المانحة في قدراته وكفاءته. إلا إنه لم يختفِ. ربما فرضت توازنات أجنحة العائلة الحاكمة والحصانة الخاصة التي يتمتع بها أفرادها أن يحتفظ الملك به بل وأن يكافأه بعد ستة أشهر من عزله. لهذا رأينا إن وزير المالية الذي غادر وزارته وقد تجاوزت ديون البحرين الثلاثين مليار دولار أمريكي أي ما يزيد على أربعة أخماس الناتج المحلي الإجمالي للبلاد هو نفسه الذي يتولى الآن المراقبة المالية والإدارية في الدولة.

مقال منشور في “السفير العربي” بتاريخ

2019-11-20

البحرين: حين تراقب العائلة الحاكمة نفسها

 


Continue reading

من قديم الكلام (16 أكتوبر 2003 ) ا

مداخلة في

نــدوة الامتيازات و حقوق الإنسان

نادى العروبة
16/10/2003

الســــلام عليـكم
أحييكم أيها الأخوات و الاخوة و أحي الزملاء المنتدين كافة ، كما أشـكركم جميعا على سماحكم لي بالمشاركة في هذا اللقاء الهام . وهو لقاءٌ تتعزز أهميته برمزية المكان الذي ينعقد فيه . ذلك لأن نادى العروبة صرح ٌ يشهد تاريخُه الطويل لأكثر من خمسة عقود على أن بناء الأوطان هي مهمة كل الناس, إذا لا تنحصر في فئة أو طائفة أو طبقة دون الآخرين و هي مهمة لا يجب أن تتوقف مهما كانت العقبات و لا أن تتباطأ في أوقات الإنجازات
و أنني أقدر لمنظمي هذا اللقاء انتباههم إلى ضرورة التأكيد على ربط أشكال التمييز بنظام إمتيازات العائلة الخليفية و التأكيد على كون إستمرار التمييز و الامتيازات هما من أكبر معيقات التحول الديمقراطي و بناء الوطن و الدولة الدستورية

أقولُ لقد علمنا الرواد الذين أســســوا هذا النادي , نادي العروبة, و الذين أســهموا أيضاً في تأسـيس هيئة الاتحاد الوطني في الخمســينات حقيقةً لا يمكن تجاهلها , ألا و هي إن الأوطان لا تشـــاد على الظلم و لا على التفرقة و لا على استثارة النعرات القبلية و الطائفية و لا على التمييز بين أهل البلاد . كما و علمنا روادنا و رائداتنا في الحركة الوطنية بأطيافها, بديهية من بديهيات الحياة السـياسية : إن المشـكلة التي تعاني منها بلادنا ليست مشكلة بين شـيعة و سـنة

و لقد استمرت الحركة الوطنية على نفس الطريق الذي اختطه روادها. و عملت و ما زالت تعمل ، بجميع أطيافها الإسلامية و القومية و اليسارية , من أجل إقامة الوطن الذي ســعت هيئة الاتحاد الوطني لإقامته ، وطنٌ يتساوى فيه أهله دون امتيازات و دون تمييز. و طنٌ حرٌ حقاً و شعبٌ سعيدٌ حقاً لأنه يتمتع بالمسـاواة في الكرامة و في الحقوق و الواجبات. و كما كانت هذه الجهود الخيرة تتصاعد كذلك كانت تتصاعد العراقيل الذي تضعها السـلطات أمام جهود بناء الهوية الوطنية التي يسـمو الانتماء إليها على الانتماءات الإثنية و القبلية الأخرى .

و يشـهد تاريخ البحرين منذ أن ُضربت هيئة الاتحاد الوطني عام 1956 أن الســلطات الحاكمة ، سـواء في عهد الحماية البريطانية أو عهد ما بعد الاسـتقلال ، اقترفت آثاماً عظاماً و جرائمَ كبرى بحق الناس فسـقط الشــهداء من كل الطوائف و من كل الفئات ، و من كل الأعمار و من كل المناطق. لقد سُــــجن الآلاف و عُذِب منهم من عُذِب ، و لم تفرق زنازنهم و لا الموت تحت التعذيب بين شيعي و سني أو بين قروي و منامي و محرقي ، و لا بين هولي و عربي قح. لقد كنا جميعاً و ما نزال في نظرهم رعايا علينا أن نرضى بما يتكرمون علينا به من فتات على شكل مكرمات و عطايا. و صار المطالب بحقه ، بحق الناس ، عدواً للنظام ، يلاحقه جلاوزة النظام و يدينه أتباع النظام على اختلاف طوائفهم و مذاهبهم

أيتها الأخوات و الاخوة
لقد كانت الحركة الوطنية تواجه على الدوام عائقيْن صعبيْن: أولهما ما نسميه بحاجز الخوف الذي كمَم بعض الأفواه و أخرس بعضها الآخر. و لقد تعلم الناس كيف يتغلبون على هذا الحاجز بتضحياتهم و بإصرارهم و بصمودهم. أما العائق الآخر فهو مسـتنقع الطمع الذي سـقط فيه كثيرون منذ الخمسـينات. و هو المستنقع الذي ما زال بعضنا يسقط فيه حتى يومنا هذا. فكثيرون هم الذين باعوا تاريخنا المشترك أو باعوا رفاقهم مقابل عطايا النظام و مكرماته. و هؤلاء الذين ســقطوا و يســقطون في هذا المسـتنقع لم تختص بهم طائفة دون أخرى ، و لا مدينة أو قرية, بل و لم ينفرد بتخريجهم تيار سياسي دون آخر. و لقد ثبت أن النظام على اســتعداد لشــراء كل من يريد أن يبيع الناس و الوطن ، سواءً أكان هذا المتساقط إسلاميا أو شــيوعيا أو قوميا. فالطمعُ لا يختص بطائفة ولا بتيار

و لقد رأينا في الفترة الأخيرة , و بالذات منذ إجهاض المشروع الإصلاحي الذي تعاهدنا عليه يومَ وضعنا ثقتنا في الملك عشية الإستفتاء على ميثاق العمل الوطني, رأينا كيف إن النظام سعى و يسعى جاهداً أيضاً إلى خلط الأوراق إما عن طريق مختلف إجتماعات السقيفة المعلنة و غير المعلنة أو عن طريق توليد تيارات سياسية تتســابق في موالاتها له . و لقد شهدنا مؤخراً مؤشراتٍ لبروز تيارٍ سـياسي لا أجد تسمية أفضل له من أن أسميه بالتيار القافض , أي تيار القابلين الرافضين في الوقت نفسه. و هذا التيار, كما يبدو من مؤشـراته, سيضم شخصيات لا يجمعها جامع سوى القبول بالتراجعات عن الميثاق تحت حجة إنها, أي التراجعات, أصبحت أمراً واقعاً. و سيكون لهؤلاء القافضين حظوة ملحوظة لدى أهل الحكم الذين يأملون أن يتمكن القافضون من إقناع الناس بقبول التراجعات التي فرضتها التعديلات الإنفرادية على الدستور التي أجهضت المشروع الإصلاحي. و تسعى جهود القافضين تحت حجج الدعوة للعقلانية و البراجماتية و الواقعية إلى شرعنة النظامٍ القائم على إمتيازات العائلة

أيتها الأخوات و الاخوة
يواجهنا النظام بسلاحٍ آخر, و هو سلاحٌ قديمٌ من أسلحته يتمثل في تشــجيع إثارة النعرات و الحزازات الطائفية. و تلعب أشكال التمييز بين الناس ، أحياناً على أسـاس طائفي ، و أحيانا على أساس مناطقي ، و أحيانا على أساس عائلي ، دوراً هاماً في هذا المجال . فالتمييز و الإحساس بالغبن المترتب عن التمييز المنظم هو طريق مجرب لإثارة النعرات و إشاعة الفرقة بين الناس. وهو طريق يأملون من إنتهاجه إضعاف احتمالات تمتين وحدة المعارضة و تثبيت خطى حركتها

إلا أن من الواجب التنبيه مرة أخرى ، بالضبط كما فعل روادنا قادة الحركة الوطنية عبر الأجيال من المرحوم عبد الرحمن الباكر إلى وقتنا الحاضر, على إن إثارة النعرات الطائفية هو سلاحٌ خطر و خطير. و هو سلاحٌ لا يليق بأي شخص يحب الوطن و يحب الخير لأهل هذا الوطن أن يستخدمه مهما كانت الدوافع و الظروف و التبريرات. ذلك إن شـرذمة الناس و إثارة النعرات و الحزازت بينهم إنما تصب في خدمة النظام نفسه. أقولُ هذا و أشددُ على القول بإن إثارة النعرات الطائفية تؤدي إلى حرف الأنظار عن حقيقة أن التمييز الطائفي و القبلي ما هو إلا أداة من جملة أدوات في ترســانة متكاملة يســتخدمها النظام لإدامة احتكار العائلة الحاكمة لثروات الوطن و إستمرار ســيطرتها على مقدراته

لا تهتم الأطراف المتشددة في النظام أبداً بالإحصائيات حول كم شيعي في مجلس الوزراء و كم سني فيه. ولا هي تهتم بأرقام متعلقة بكم عدد السـفراء الهولة و لا بكم من السـفراء هم عربٌ أقحاح . ما يهمهم و ما يهتمون به هو ولاءُ هؤلاء الوزراء و السفراء و حتى أصغر المتنفعين. ما يهمُ الأطراف المتشددة في النظام هو سكوت المتنفعين عن إستمرار مظاهرالظلم الذي يرزح تحته جميع أبناء الوطن و بناته دون استثناء . ما يهم الأطراف المتشددة في النظام هو بقاء نظامهم و استقراره و عدم المسـاس بامتيازات العائلة . و لقد تعلمنا منذ عشرات السـنين أنهم لن يتورعوا في سـبيل ذلك عن سجن الناس و تعذيبهم أو تشريدهم ، و إنهم لن يتوانوا عن تشجيع إثارة النعرات الطائفية في أكثر صورها بذاءة ، و لن يتوقفوا لا عن شراء الذمم ، و لا عن تخويف الناس من بعضها البعض و لا عن إشاعة الشـكوك فيما بينهم ، و إضعاف ثقتهم بقدراتهم على الصمود في نضالهم السـلـمي من أجل إسـترجاع الحقوق

من جهة أخرى يمكنكم ملاحظة أمرٍ يستحق التوقف عنده بسبب دلالاته السـياسية. و هذا الأمر يتعلق بأخواتنا و أخوتنا ممن تركونا بعد أن كانوا معنا و كنا معهم في المنافي أو في السجون و إلتحقوا مؤخراً بركب الســلطة. وفي الوقت الذي يتأسف بعضنا لأننا خسرنا بعض هؤلاء الأخوة و الأخوات و نتأسف لأن المشروع الوطني قد خســر إسهامات كثيرين منهم, إلا إننا يجب أن نلاحظ أيضاً إن النظام كان كريماً مع هؤلاء كرماً ملحوظاً.دون تفريق أو تمييز. فكما تعرفون لم يفرق بين السني و الشيعي من بين هؤلاء , و لا بين المتدين و الشـيوعي، و لا بين المتعلم و غير المتعلم و لا بين صاحب المؤهلات من عديمها. بل ســاوى بين جميع من أراد منهم أن يلتحق بركبه , طالما هم يســبحون بحمده و يشــكرونه على مكرماته و عطاياه. و تأتي هذه المسـاواة على إساس قاعدة معروفة : كلُ من يدخل الحظيرة يأكل من نفس العلف

أقولُ لا تهتم الأطراف المتشددة في النظام إلا بما يضمن بقاء نظامهم و استقراره و عدم المسـاس بامتيازات العائلة. و لقد رأيناهم بالأمس و قد رموا عادل فليفل شر رمية عند ما إشتد الضغط عليه بل و ســهلوا خروجه عبر المطار. و لم تتوان وزارة الداخلية عن التبرؤ منه بسبب ما ســمته اســـتغلاله لوظيفته …. إلا أنها تجاهلت إتهامه بالتعذيب , و ذلك لان كل زملائه من هندرسـون و من هم فوق هندرســون و تحته هم أيضا معذبون، جلادون ، ومسئولون عن دماء الشــــهداء و صيحات المعذَبين و دموع أمهاتنا و آبائنا و أطفالنا. إلا أنهم حين عرفوا أن محاكمة عادل فليفل في أســتراليا ســتفضح النظام كله و ســتبرز للعالم كله و ستفضح كل مخازيهم طوال الثلاثين ســنة الماضية. و حين عرف الجميع إن محاكمة عادل فليفل في اســتراليا ســتطال أيضا جميع رؤسائه , عندها صدر المرســوم التفسيري سـيء الصيت. و عاد العقيد الذي كان فاراً إلى البلاد و هاهو يحظى بما لا يحظى به ضحاياه
حين أرددُ ما يقوله المخلصون لهذا الوطن من إن المشـكلة التي تعاني منها بلادنا ليست مشكلة قائمة بين شـيعة و سـنة فلا يعني هذا إنني أقلل من أهمية و عمق مشــاعر الإحباط بل و الغضب التي تصيب أياً منا حين تقف السـياسة التمييزية التي تمارســها الدولة في بعض المؤسـسـات و الوزارات و الدوائر, أو التصرفات التمييزية التي يقوم بها, بدوافع الفســاد و المحسوبية و التشبه بالكبار, أغلب المتنفعين المتنفذين في مؤســسات الدولة و وزاراتها ودوائرها, حين تقف حاجزأً أمام الحصول على حقٍ مشـروعٍ في سكنٍ أو عملٍ أو غيرهما من متطلبات العيش الكريم الآمن. حين يتعرض أياً منا لأي نوع من أنواع المعاملة التمييزية, ســواء بسبب سياسة النظام أم بسبب تصرفات فردية, فأن له و لها الحق في الغضب و في الإحتجاج و في رفض إنتهاك حقٍ أســاسي من حقوق المواطنة الدستورية, ألا وهو حق الجميع في الفرص المتكافئة دون إعتبار لأصلٍ أو دينٍ أو جنس. إلا إنه و بجانب الغضب و الإحتجاج و الرفض علينا أيضاً أن نتفكر في ماذا نستطيع أن نفعل , معاً و بجميع فئاتنا و على إختلاف توجهاتنا الفكرية و رؤانا الســياسية, لوقف سـياسة التمييز من تحقيق أهدافها

نعم ثمةَ تمييز نشــاهده أينما يَممْنا وجهنا. الأرقام التي رأيتموها و تعرفونها لا تحكى إلا جزءً يسـيراً من جملة ما يعرف كل واحدة وواحد منكم . فمن منا من لم يتعرض لمعاملة تمييزية ؟ و من منا لم يشــعر بالمهانة بسبب تصرفات أصحاب السـلطة و شــاكرديتهم في الإسكان و في المرور و في الجوازات و في المطار ،نعم في كل مكان تقريبا … حتى داخل بيوتنا عبر بعض ما يبثه التلفزيون و تذيعه الإذاعة من ترهات عنصرية و طائفية. نعم أيتها الأخوات و الأخوة, إن الأرقام تحكى قصصا نعرفها جميعا و لكن علينا أن ننتبه و ننتبه , و علينا أن نتحاشى إغراءات الوقوع في مصيدة الطائفية أو الإنجرار إلىتجربة الغوص في مســتنقعها. فما أكثر الإغراءات

نعم ثمةَ تمييز نشــاهده أينما يَممْنا وجهنا. و لكن علينا أن نعرف إن الغرض من إصرار النظام على نهجه التمييزي ليس تفضيل الســنة كطائفة على الشــيعة كطائفة, بل إن المقصود هو , أولاً و قبل أي شئ آخر , إستخدام التمييز كأداة لحماية إمتيازات العائلة الحاكمة . و علينا أن لا نقع في الفخ المنصوب فنصدق إنهم يحبون السنة لله في الله و يكرهون الشيعة لله في الله, أو نصدق إنهم يفضلون سكان هذه المدينة على سكان تلك. لا أيها الأخوات و الأخوة إن المتطرفين فيهم يحبون أنفسهم , أولاً و قبل أي شئ آخر. أقولُ إن المتطرفين فيهم إنما يريدون إستمرار نظام الإمتيازات حتى ولو تطلب ذلك أن تمزق الطوائف بعضها البعض. , هذا ما لن يحدث أبداً بسبب وعينا بأن هذا الوطن هو وطننا جميعاً.

نحتاج دائماً ، مثلما فعل رواد الحركة الوطنية ، و منهم مؤسسو هذا النادي , إلى تذكير أنفسـنا أولاً و تذكير الناس ثانياً بأن المشاكل التي تعانى منها البلاد لا يمكن أن تُحل أبداً عبر الإنخراط في مشـروع النظام التفتيتي و لا عبر السـقوط في مصيدته التشطيرية . مشــاكلنا لا يمكن حلها أبداً بحلول طائفية أو قبلية و لا بتحشيدٍ فئوي أو مناطقي ، فهذا هو بالضبط ما يريده النظام . و علينا أن نجد حلا يضمن مسـاواة الجميع في حقوقهم وواجباتهم ، مسـاواة الجميع : مســاواة دعيج بألماص بشبر بغلوم ، كما هي مسـاواة حصة بجوهرة بزهرة و بكلثم

أن البلاد تعانى أيتها الأخوات و الاخوة ، من تراكم عقود طويلة من محاولات النظام لإجهاض جميع الجهود التي بذلتها الحركة الوطنية بفصائلها المنظمة و بشخصياتها المستقلة من أجل بناء الوطن الذي يتساوى فيه أهله ، الوطن الذي يعيش فيه مواطنون و مواطنات متســاوون توحدهم المواطنة الدسـتورية التي تؤمن لهم جميعاً التكافؤ في الفرص وتضمن المسـاواة في الحقوق كما في الواجبات

أيتها الأخوات و الاخوة
لقد إنتبه مؤسـسـو هذا الصرح الوطني الذي تجتمعون فيه منذ عشرات السنين إلى حقيقة أن أصل البلاء في البلاد ليس كم عدد الشيعة أو السنة في هذه الوزارة أو تلك المؤسسة ، و لا المشكلة هي كيف تصلى مديرة هذه المدرسة أو تلك. أصل البلاء هو غير هذا كله. و لن نخفف هذا البلاء عن طريق المطالبة بحلول شكلية لا جدوى من ورائها مثل توزيع الوظائف على أساس الكوتا أو الحصص بحيث يحصل الشيعة على حصة ، و السنة على حصة ، الهولة على حصة و العجم على حصة. هذا ليس هو الحل الوطني و لا هو الحل الدستوري الأنسب. هذا حلٌ طائفي يلائم النظام نفسه و لا يغير من ميزان القوى في المجتمع بل و يعطى للنظام فرصة تكريس الانتماء الطائفي بديلا للانتماء الوطني . هذا ليس هو الحل الذي ناضل من أجله جيل عبدعلى العليوات و عبدالرحمن الباكر و عبدالعزيز الشملان و إبراهيم محمد حسن فخرو و حسن الجشي و محمد دويغر، و لا جميع من حمل الراية من بعد هؤلاء و في مقدمتهم شـيخنا الجليل عبدالامير الجمرى ، عافاه الله و أعاده بين صفوفنا بثاقب بصيرته

لم يسقط عشرات الشهداء و لم يُسـجن آلاف و لم تتشرد العائلات ، و لم ُيعذب الأطفال من أجل زيادة حصة هذه الطائفة أو تلك في وظائف الدولة , في هذه الوزارة أ, تلك المؤسسة. فلو كان الأمر كذلك ، أي لو كان الأمر محصوراً في مطلب المحاصصة, لما تردد النظام في الاستجابة. فالمحاصصة لا تضيره ما دام زمام الأمور كلها في يده. من جهتنا , علينا أن نتســائل ماذا يسـتفيد الوطن من زيادة عدد الوزراء الشيعة أو تقليل عدد المدراء السنة أو زيادة أو تقليل الوكلاء من العجم أو الهولة إذا كانت زمام الأمور كلها محصورة في يد النظام , و إذا كان كل هؤلاء الوزراء و الوكلاء و المدراء و السفراء و المستشارين و من لف لفهم لا يستطيعون التصرف قيد أنملة دون أمر من الجهة العليا التي تعرفونها تمام المعرفة

أقولها لكم بصراحة ، حتى و لو أصبح مجلس الوزراء كله من طائفة واحدة ، شيعة أو سنة فان الأوضاع في البلاد لن تتغير ما لم يتغير نظام الامتيازات غير الدسـتورية القائم. و لعلكم تلاحظون أن الوزارة الحالية ، تضم وزراءَ جُدُد يمثلون فئتين لم تحظيا منذ فجر الاستقلال بدخول مجلس الوزراء. فلقد أنعم النظام على إخواننا من عجم المنامة بوزيرٍ كما أنعم على أهلنا في القرى بثلاثة وزراء. فهل تغيرت بالله عليكم أوضاع القرى أو أوضاع العجم ؟ و هل تأثر نظام إمتيازات العائلة بتولي هؤلاء الوزراء مسئـوليات تصريف شــئون وزاراتهم ؟

و لعلكم تلاحظون أيضا انه و لأول مرة منذ الخمسـينات جرى إختيار شيعي لرئاسة تحرير صحيفة و ُمنح شــيعيٌ آخر ترخيصاً لإصدار صحيفةٍ أخرى. فهل تغيرت أوضاع الطائفة الشــيعية نتيجة لصعود نجم هذا أو ذاك ؟ و هل تقلصت سيطرة النظام على الصحافة و بقية أجهزة الأعلام في البلاد ؟ بل , وهذا هو بيت القصيد: هل سـقط الشــهداء من كل الفئات ، و من كل الأعمار ومن كل المناطق لمجرد أن تتقاسم الطائفتان, مناصفةً, مناصبَ رئاسة تحرير الصحف اليومية في البلاد؟ و ماذا عن بقية الفئات و التعاضديات؟ هل ستحصل هي أيضاً على حصصها الإعلامية كجزءٍ من إجراءات النظام لتفتيت مجتمعنا و شـرذمته ؟

أصل المشـكلة ، كما تعلمنا من روادنا و رائداتنا في الحركة الوطنية ,بأطيافها, ليست مشكلة بين شـيعة و سـنة . و حلها لا يكمن في زيادة الوزراء أو الوكلاء أو المدراء من هذه الطائفة أو تلك ، بل هو في الاعتراف بحقنا جميعا في أن نرفض أن نكون رعايا في إقطاعية عائلية و بحقنا جميعا في أن نصبح مواطنين لنا مثل مالهم من حقوق و عليهم مثلما علينا من واجبات . و طريق الحل هو تحويل البلاد من إقطاعية عائلية إلى دولة دستورية عصرية يحكمها القانون و يظللها الولاء لدستور عقدي يكفل المواطنة المتساوية للمواطنين و المواطنات كافة.

أيتها الأخوات و الاخوة

في المجال الذي أعمل فيه يفرق بعضنا بين مفهوميْن هما التحسين و التغيير. أي إننا نفرقُ بين تحســين الظروف و بين تغييرها ، بين تحسين الواقع و بين تغييره. فحين يعطيك الطبيب مســكنا للآلام فأنه يحســن وضعك و لكنه لا يغيره لأنه لم يعالج مسببات المرض. و لهذا ربما تظل مريضا حتى و لو اختفى الإحساس بالألم . بل و لربما تفاقم المرض دون أن تشــعر بسبب المسـكنات التي أعطاها الطبيبُ لك. و حين يضع الســجان مكيفا في زنزانتك فهو قد قام بتحسـين وضع ســجنك و لكنك ما زلت ســجينا ، و ما زال هو يتحكم فيك و ما زلت لا تملك من أمرك شيئا . و حتى لو ســمح الســجان لك بقراءة عشــر جرائد فلن يتغير واقع ســجنك ما دامتَ مسجوناً و ما دام ســجانك هو ســجانك الذي يقرر لك ماذا تقرأ و متى تقرأ و كيف
و هو بالضبط ما حصل في بلادنا . لقد تحســنت الظروف و لكن الواقع لم يتغير. فما زال الأمر بأيدي من كان الأمر بأيديهم .. و ما زالت مفاتيح الحاضر و المســتقبل في أيديهم. صحيحٌ إننا لسـنا الآن في السجون أو المنافي و لكننا لســنا أحراراً بعد. و لكننا نعرف الطريق إلى ذلك المهرجان , مهرجان الحرية و المســاواة الحقة, و نعرف إنه طريقٌ صعبٌ و يتطلب التضحيات

و هذا بالضبط هو ما شــددت عليه في محاضرتي في نادى الخريجين في 15 مايو 2001, تلك المحاضرة التي أثارت غضب الديوان الأميري ، وقتها، و إسـتنفر كل المتنفعين ممن كلما دقت طبول النظام هرعوا إلى السـاحات يرقصون
فمن بين خمسـة ظروف جوهرية اقترحت آنذاك ضرورة توافرها لضمان نجاح المشـروع الإصلاحي ذكرت مشــكلة الامتيازات غير الدسـتورية التي تتمتع بها العائلة الحاكمة إلى الآن. و ما أزالُ على قناعتي بأنه لا يمكن أن تقوم للإصلاح قائمة في بلادنا ما دامت الهوة واضحة بين تلك الامتيازات و بين معاناة الناس على اختلاف فئاتهم. و لابد أن أشدد الآن على ضرورة توفير الظروف اللازمة لاندماج بنات و أبناء العائلة الخليفية في الوطن . و سـيبقى هذا الاندماج إحدى مســتلزمات نجاح المشــروع الإصلاحي. كما سيؤدى تحقيقه إلى تسريع تحقيق الحلم الذي قامت هيئة الاتحاد الوطني من أجل تحقيقه ، و هو الحلم الذي أسـتشـهد من أجله شــهداؤنا ، و ضحى من أجله مناضلونا و مناضلاتنا ســجناً و تعذيباً و تشـريداً

و يعلم بعضكم إنني ناشدت جلالة الملك , بل و توسلت إليه, أن يعالج موضوع الإمتيازات بالحكمة الواجبة, و ذلك لأن مشروع بناء الوطن و تأسيس مملكةٍ دستوية حقاً لا يمكن أن يتحقق طالما كان هناك من يعتبر البلاد مزرعة و يحسب أهلها رعايا من ســبايا الغزو و غنائمه يرثهم جيلاً بعدَ جيل . و لقد ناشدت جلالته , و ما أزال أناشــده, حباً في هذا البلد و أهله, أن يقوم بالخطوة التغييرية المطلوبة ، أن يتخذ المبادرة الشــجاعة حقاً، ألا وهى تحويل العائلة الخليفية من عائلة مالكة إلى عائلة ملكية , بالضبط كما هو الحال في مختلف الممالك الدستورية التي يريد جلالته أن يحذو حذوها

و لكنكم تعلمون أيضا ، أيتها الأخوات و الاخوة ، إن العكس من ذلك تماماً هو ما حدث طوال العامين الماضين. . فبدلآً من تكثيف الجهود التي تســهل إندماج العائلة الخليفية في الوطن , بإعتبار ذلك أفضل لها و لنا, إزداد إنعزالها عن الناس و إتسـعت الهوة بيننا. بل, و كما يقول بعض أصحابنا , زادت امتيازات العائلة عما كانت عليه في أي وقت مضى منذ عهد جده المرحوم عيسـى بن على. و هذا بالضبط هو ما كان يخشـاه كل محب لهذا الوطن ، و كل من تحمس ، بنية صادقة لا عن طمع و لا خوف ، للمشروع الإصلاحي و لميثاق العمل الوطني . أما الذين يرددون المواويل التي تتغنى بنصف الكأس المليان فإنهم يخدعون أنفســهم و يخدعون جلالة الملك و قبل هذا و ذاك فإنهم يخدعون الناس

أيتها الأخوات و الاخوة
يرتبط بما سبق بالحديث عن مظاهر الفسـاد الإداري المستشري في البلاد. و هو حديثٌ مهمٌ و ضروريٌ طالما لم يكن
حديثاً معمماً أو متعامياً لا هدف من ورائه سوى تحويل الأنظار عن أهل الفسـاد و مصادرة الحقيقية . و لهذا أرى من الضروري عدم حرف النظر عن أصل الفسـاد و مصادرة الحقيقية . نحتاج إلى التوقف عن التعميمات و السعي للإجابة على سـؤال محدد : أليس لفسـاد الإداري و المالي من عنوان ؟ أليس وراء الفاسـدين من يحميهم و يشـجعهم و يستفيد منهم ؟ أليس للفســاد في بلادنا من منبع؟

أقولُ أيتها الأخوات و الاخوة أن علينا أن نسمى الأشياء بأسمائها بدلاً من الإنشغال بفسـاد صغار المتنفعين و الشاكردية . لا أيتها الأخوات و الاخوة ، الفســاد الأخطر هو فســاد الكبار. و هم معرفون. و ســنكون نحن جميعا مســئولين إن نحن صمتنا أو تعامينا عن رؤوس الفســاد في بلادنا. أقولُ نحن جميعا ، مسئولون إن لم نســمِ الأشياء بأسمائها ، علينا أن نتحدث عن دور المسئول الأول في البلاد طوال الأربعة عقود و نصف الماضية . أي عن رئيس الوزراء الدائم خليفة بن سلمان. فهو الذي أمسـك و يمسك إلى الآن بزمام الأمور كلها و هو الذي وضع قبضته الحديدية على كل صغيرة و كبيرة في البلاد منذ أن تولى المسئولية العامة قبل حوالي 46 عاماً. و كما يقول الكاتب الرسمي للسيرة الذاتية لرئيس الوزراء, بل و حسبما يُنقل عن أقواله هو نفسه في مجالسـه ، فإنه هو الذي أسس الدولة ، و حده لا معين له لا من بين أخوانه و لا من بين أولاد أخوانه و لا من بين أفراد عائلته أو مئات الشاكردية الذين جمعهم حوله طوال هذه السنين . و لعل بعضكم يعرف إن هندرســون, الذي أجرمَ بحق الناس طوال خمسة و ثلاثين سنة, يؤكد دائماً إنه إنما كان ينفذ الأوامر و التعليمات التي يتلقاها حسب إدعائه من رئيس الوزراء خليفة بن سلمان نفسه. و لم نسمع و لا نعرف ما ينفي ذلك

أقول هذا لا لكي أبرئ هذا الوزير أو ذاك الوكيل أو تلك المديرة أو عشــرات و عشــرات تنعموا و ما زالوا يتنعمون في ظل الفساد . هؤلاء مسئولون أيضا عن فسـاد النظام لانه عاضدوه و ما يزالون و لأنهم يزينون له أفعاله. و لا أريد أن أبرئ بقولي هذا كل أولئك الطبالة و الطبالات من بين العاملين في الصحافة و الأعلام ، ممن جعلوا الأعمى بصيراً و من الناهب مصلحاً و من السـارق أمينا و جعلوا من فتات النهب مكرمات . أيتها الأخوات و الاخوة, هؤلاء أيضا مسئولون بتطبيلهم ، كما هو مسئولٌ كل من سكت منا عن فساد الكبار أو تجاهله أو ساهم في حرف الأنظار عمن يقف وراء مظاهر الفسـاد الإداري و المالي في بلادنا . إننا نخدع أنفسـنا إذا لم نستطع أن نرى من الفسـاد إلا بعض مظاهره ، و من التمييز إلا بعض مظاهره .. بالضبط مثل طبيب لا يرى من الأمراض إلا أعراضها. و حينها لا نخدع أنفسـنا فحسب بل و نخدع الناس و نسـاعد الأطراف المتشددة في النظام على تحقيق أهدافها و بخاصة أولئك منهم ممن يعتبرون البلاد مزرعة و يحسبون أهلها رعايا من ســبايا الغزو و غنائمه يرثوننا جيلاً بعد جيل. ا
أحييكم مرة أخرى , و أحي عبركم الدور التاريخي لنادي العروبة, هذا الصرح الوطني الذي تجتمعون فيه ,كما أحي ذكرى من غاب عنا من مؤسسـيه, فما نحن إلا على طريقهم نســير
عبدالهادي خلف