البحرين: حين تراقب العائلة الحاكمة نفسها

في منتصف تشرين الاول/ أكتوبر الماضي، وفي أجواء تظاهرة إعلامية، استقبل ملك البحرين رئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية ليستلم منه آخر تقرير أصدره الديوان. فيما بعد، وككل سنة، تستمر الأجواء الإحتفالية برتابة طقوسٍ لا تتغير، فيزور رئيس الديوان كبار مسئولي الدولة بمن فيهم رئيسَي مجلس النواب والشورى لتسليم التقرير إليهم. وعلى هامش تلك الزيارات التي توثقها وسائل الإعلام بتفاصيلها، يتولى صحافيون تدبيج المقالات ونشر التحقيقات حول بعض ما يتضمنه التقرير من أمثلة على سوء إدارةٍ وهدر مالي. تتغير العبارات ويتغير أصحابها، ولكنها تتشابه في إنها لا ترى إلا ما تريد السلطة أن يراه الناس.

طقوس سنوية لإدانة الفساد

لم تتغير هذه الطقوس منذ أن بدأ ديوان الرقابة نشاطه في 2002. وحسب مرسوم تأسيسه، يتولى الديوان مهمة الرقابة المالية على أموال الدولة والتحقق بوجه خاص من سلامة ومشروعية استخدام هذه الأموال وحسن إدارتها. لا تشمل صلاحيات الديوان الرقابة المالية أو الإدارية على وزارتي الدفاع والداخلية، وعلى الحرس الوطني وجهاز الأمن الوطني التي تشكل ميزانياتها المعلنة أكثر من 38 في المئة من ميزانية الدولة (2019).

لم يتوصل ديوان الرقابة المالية والإدارية طيلة الستة عشر سنة الماضية إلى تسمية فاسدين، أفراداً كانوا أو شبكات، ناهيك عن مقاضاتهم. فمنذ تأسيسه، لم يكن مطلوباً منه وليس متوقعاً في المستقبل أن يتمخض ديوان الرقابة ذاك وتقاريره السنوية بأكثر من الضجيج الذي يمكن تقديمه في المحافل الدولية تنفيذاً لمتطلبات “الشفافية” وحكم القانون. فالمطلوب كما رأينا بعد ستة عشر تقرير سنوي هو تنظيم مهرجان ينشغل به الناس، مع ما ينشره الإعلام وما يدور في مجلس النواب من مداولات حول طرق إجتثاث الفساد. وطيلة أسابيع قليلة بعد صدور التقرير تنشر الصحف مقالات مكرورة تستنكر الفساد والهدر وتعلن في الوقت نفسه ثقتها في الملك وعائلته.

يتكرر هذا الطقس في مجلس النواب المؤلف من نوابٍ سهّلت السلطة وصولهم إلى عضوية البرلمان بدون تمييز بين الليبراليين منهم أو رجال دين يراوحون بين مختلف درجات التشدد. يتنافس بعض النواب على رفع الأصوات إستنكاراً لتجاوزات ذكرها التقرير. ثم تنتهي سريعاً مناقشاتهم بإتفاق الجميع، بمن فيهم ممثلي الحكومة التي يستعرض التقرير بعض مظاهر الفساد وسوء الإدارة فيها، على ضرورة الإصلاح. طيلة ممارسة هذه الطقوس السنوية لا يرفع أحدٌ صوته (أو صوتها) إلى أعلى مما هو مقبول. وبالطبع لا يجرؤ أحدٌ أن يطالب بمساءلة وزير أو محاسبته ناهيك عن سحب الثقة منه. فهذه جميعها أدوات دستورية لم تستطع البرلمانات المتتالية التي شهدتها البحرين منذ 2002 أن تستخدمها.

وزير مالية فاشل في دورٍ جديد

التقرير الجديد ضخمٌ، تقارب صفحاته التسعمئة. وهو أول تقرير يصدره الديوان منذ أن تولى رئاسته أحمد الخليفة في أيار/مايو الماضي. وهو نفسه الذي تولى وزارة المالية في الفترة بين 2005 و2018 وكرّس دورها في حراسة الإعتداءات على المال العام فساداً أو هدراً أو نهباً. ففي تلك الفترة، كانت المخالفات والتجاوزات في وزارة المالية مواضيع متكررة في جميع التقارير السنوية لديوان الرقابة. إلا إن السلطة وعلى رأسها الملك وعمه رئيس الوزراء استمرت في تجاهل ما أشارت إليه تلك التقارير صراحة أو ضمناً، كما استخفت بما كانت تطرحه أطرافٌ معارضة من حلول إصلاحية. فتلكَ تستدعي بدايةً أن تتخلى العائلة الحاكمة عن إمتيازاتها التي تستند من جهة إلى حقوقها في “غنيمة فتح البحرين”، ومن جهة أخرى إلى ما سنّه الإستعمار البريطاني من قوانين وأنظمة وأساليب حكم.

بعد أربعة عشر سنة من ولاية أحمد الخليفة على وزارة المالية، وصلت البلاد إلى مشارف الإعلان عن إفلاسها وبدا واضحاً فشله في الإمساك بزمام الأمور. فلقد إنخفضت إحتياطياتها من النقد الأجنبي وتجاوزت تكاليف خدمة ديونها، المعلنة وغير المعلنة، قدرتها على التسديد وإنخفض تصنيفها الإئتماني. ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه اتخذ الوزير، وبموافقة أعضاء مجلسي النواب والشورى، سلسلة من الإجراءات المتخبطة بما فيها إلغاء الدعم الحكومي على المواد الأساسية وفرض سلسلة من الضرائب غير المباشرة وزيادة الرسوم المفروضة على الخدمات. وعلى الرغم من الأعباء الإضافية التي فرضتها تلك الإجراءات على الفقراء وشرائح الطبقة الوسطى، إلا إنها لم تؤدِ إلى وقف وتيرة الإنهيار الإقتصادي الوشيك.

لم تعد الإجراءات الترقيعية تكفي وليس مطروحاً مجرد التفكير في إدخال إصلاحات حقيقية على النظام السياسي والإقتصادي.

جاء الفرجُ، مرة أخرى، عن طريق السعودية والإمارات والكويت التي قدمت دعماً مالياً مشتركاً بقيمة عشرة مليارات دولار. لم تكن هذه أول مرة تتلقى العائلة الحاكمة في البحرين دعماً مالياً من العوائل الحاكمة في كلٍ من السعودية والإمارات والكويت وقطر (قبل 2016). فقبل أيام قليلة من دخول القوات السعودية والإمارتية إلى البحرين للمشاركة في قمع إنتفاضة دوار اللؤلؤة، أعلن المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي عن تخصيص مبلغ عشرة مليارات دولار لتمويل مشاريع التنمية في البحرين لفترة عشر سنوات قادمة. (جريدة الرياض 1/3/2011). إلا إن الدول الثلاث إشترطت ما يرقى إلى فرض الوصاية المالية على البحرين، أي إشرافها المباشر على تطبيق برنامج متكامل يتضمن مراجعة السياسة المالية وصولاً إلى تحقيق التوازن المالي بحلول العام 2022. كان ذلك الشرط إعلاناً بعدم الثقة في قدرات وزارة المالية في البحرين والخشية من أن تلقى المليارات العشرة الجديدة مصير ما سبقها.

على الرغم من الحصانة الخاصة التي يتمتع بها أفراد العائلة الحاكمة في البحرين، لم يجد الملك مفراً من التضحية بوزير ماليته في نهاية العام الماضي بآخر من أفراد العائلة. فحين أقال الملك وزير المالية من منصبه كان يؤكد للسعودية والكويت والإمارات جدية إلتزامه بالشروط التي يتطلبها “برنامج التوازن المالي”.

عُزل وزير المالية من منصبه في كانون الأول/ ديسمبر الماضي بسبب عدم ثقة الدول الثلاث المانحة في قدراته وكفاءته. إلا إنه لم يختفِ. ربما فرضت توازنات أجنحة العائلة الحاكمة والحصانة الخاصة التي يتمتع بها أفرادها أن يحتفظ الملك به بل وأن يكافأه بعد ستة أشهر من عزله. لهذا رأينا إن وزير المالية الذي غادر وزارته وقد تجاوزت ديون البحرين الثلاثين مليار دولار أمريكي أي ما يزيد على أربعة أخماس الناتج المحلي الإجمالي للبلاد هو نفسه الذي يتولى الآن المراقبة المالية والإدارية في الدولة.

مقال منشور في “السفير العربي” بتاريخ

2019-11-20

البحرين: حين تراقب العائلة الحاكمة نفسها

 


Continue reading

من قديم الكلام (16 أكتوبر 2003 ) ا

مداخلة في

نــدوة الامتيازات و حقوق الإنسان

نادى العروبة
16/10/2003

الســــلام عليـكم
أحييكم أيها الأخوات و الاخوة و أحي الزملاء المنتدين كافة ، كما أشـكركم جميعا على سماحكم لي بالمشاركة في هذا اللقاء الهام . وهو لقاءٌ تتعزز أهميته برمزية المكان الذي ينعقد فيه . ذلك لأن نادى العروبة صرح ٌ يشهد تاريخُه الطويل لأكثر من خمسة عقود على أن بناء الأوطان هي مهمة كل الناس, إذا لا تنحصر في فئة أو طائفة أو طبقة دون الآخرين و هي مهمة لا يجب أن تتوقف مهما كانت العقبات و لا أن تتباطأ في أوقات الإنجازات
و أنني أقدر لمنظمي هذا اللقاء انتباههم إلى ضرورة التأكيد على ربط أشكال التمييز بنظام إمتيازات العائلة الخليفية و التأكيد على كون إستمرار التمييز و الامتيازات هما من أكبر معيقات التحول الديمقراطي و بناء الوطن و الدولة الدستورية

أقولُ لقد علمنا الرواد الذين أســســوا هذا النادي , نادي العروبة, و الذين أســهموا أيضاً في تأسـيس هيئة الاتحاد الوطني في الخمســينات حقيقةً لا يمكن تجاهلها , ألا و هي إن الأوطان لا تشـــاد على الظلم و لا على التفرقة و لا على استثارة النعرات القبلية و الطائفية و لا على التمييز بين أهل البلاد . كما و علمنا روادنا و رائداتنا في الحركة الوطنية بأطيافها, بديهية من بديهيات الحياة السـياسية : إن المشـكلة التي تعاني منها بلادنا ليست مشكلة بين شـيعة و سـنة

و لقد استمرت الحركة الوطنية على نفس الطريق الذي اختطه روادها. و عملت و ما زالت تعمل ، بجميع أطيافها الإسلامية و القومية و اليسارية , من أجل إقامة الوطن الذي ســعت هيئة الاتحاد الوطني لإقامته ، وطنٌ يتساوى فيه أهله دون امتيازات و دون تمييز. و طنٌ حرٌ حقاً و شعبٌ سعيدٌ حقاً لأنه يتمتع بالمسـاواة في الكرامة و في الحقوق و الواجبات. و كما كانت هذه الجهود الخيرة تتصاعد كذلك كانت تتصاعد العراقيل الذي تضعها السـلطات أمام جهود بناء الهوية الوطنية التي يسـمو الانتماء إليها على الانتماءات الإثنية و القبلية الأخرى .

و يشـهد تاريخ البحرين منذ أن ُضربت هيئة الاتحاد الوطني عام 1956 أن الســلطات الحاكمة ، سـواء في عهد الحماية البريطانية أو عهد ما بعد الاسـتقلال ، اقترفت آثاماً عظاماً و جرائمَ كبرى بحق الناس فسـقط الشــهداء من كل الطوائف و من كل الفئات ، و من كل الأعمار و من كل المناطق. لقد سُــــجن الآلاف و عُذِب منهم من عُذِب ، و لم تفرق زنازنهم و لا الموت تحت التعذيب بين شيعي و سني أو بين قروي و منامي و محرقي ، و لا بين هولي و عربي قح. لقد كنا جميعاً و ما نزال في نظرهم رعايا علينا أن نرضى بما يتكرمون علينا به من فتات على شكل مكرمات و عطايا. و صار المطالب بحقه ، بحق الناس ، عدواً للنظام ، يلاحقه جلاوزة النظام و يدينه أتباع النظام على اختلاف طوائفهم و مذاهبهم

أيتها الأخوات و الاخوة
لقد كانت الحركة الوطنية تواجه على الدوام عائقيْن صعبيْن: أولهما ما نسميه بحاجز الخوف الذي كمَم بعض الأفواه و أخرس بعضها الآخر. و لقد تعلم الناس كيف يتغلبون على هذا الحاجز بتضحياتهم و بإصرارهم و بصمودهم. أما العائق الآخر فهو مسـتنقع الطمع الذي سـقط فيه كثيرون منذ الخمسـينات. و هو المستنقع الذي ما زال بعضنا يسقط فيه حتى يومنا هذا. فكثيرون هم الذين باعوا تاريخنا المشترك أو باعوا رفاقهم مقابل عطايا النظام و مكرماته. و هؤلاء الذين ســقطوا و يســقطون في هذا المسـتنقع لم تختص بهم طائفة دون أخرى ، و لا مدينة أو قرية, بل و لم ينفرد بتخريجهم تيار سياسي دون آخر. و لقد ثبت أن النظام على اســتعداد لشــراء كل من يريد أن يبيع الناس و الوطن ، سواءً أكان هذا المتساقط إسلاميا أو شــيوعيا أو قوميا. فالطمعُ لا يختص بطائفة ولا بتيار

و لقد رأينا في الفترة الأخيرة , و بالذات منذ إجهاض المشروع الإصلاحي الذي تعاهدنا عليه يومَ وضعنا ثقتنا في الملك عشية الإستفتاء على ميثاق العمل الوطني, رأينا كيف إن النظام سعى و يسعى جاهداً أيضاً إلى خلط الأوراق إما عن طريق مختلف إجتماعات السقيفة المعلنة و غير المعلنة أو عن طريق توليد تيارات سياسية تتســابق في موالاتها له . و لقد شهدنا مؤخراً مؤشراتٍ لبروز تيارٍ سـياسي لا أجد تسمية أفضل له من أن أسميه بالتيار القافض , أي تيار القابلين الرافضين في الوقت نفسه. و هذا التيار, كما يبدو من مؤشـراته, سيضم شخصيات لا يجمعها جامع سوى القبول بالتراجعات عن الميثاق تحت حجة إنها, أي التراجعات, أصبحت أمراً واقعاً. و سيكون لهؤلاء القافضين حظوة ملحوظة لدى أهل الحكم الذين يأملون أن يتمكن القافضون من إقناع الناس بقبول التراجعات التي فرضتها التعديلات الإنفرادية على الدستور التي أجهضت المشروع الإصلاحي. و تسعى جهود القافضين تحت حجج الدعوة للعقلانية و البراجماتية و الواقعية إلى شرعنة النظامٍ القائم على إمتيازات العائلة

أيتها الأخوات و الاخوة
يواجهنا النظام بسلاحٍ آخر, و هو سلاحٌ قديمٌ من أسلحته يتمثل في تشــجيع إثارة النعرات و الحزازات الطائفية. و تلعب أشكال التمييز بين الناس ، أحياناً على أسـاس طائفي ، و أحيانا على أساس مناطقي ، و أحيانا على أساس عائلي ، دوراً هاماً في هذا المجال . فالتمييز و الإحساس بالغبن المترتب عن التمييز المنظم هو طريق مجرب لإثارة النعرات و إشاعة الفرقة بين الناس. وهو طريق يأملون من إنتهاجه إضعاف احتمالات تمتين وحدة المعارضة و تثبيت خطى حركتها

إلا أن من الواجب التنبيه مرة أخرى ، بالضبط كما فعل روادنا قادة الحركة الوطنية عبر الأجيال من المرحوم عبد الرحمن الباكر إلى وقتنا الحاضر, على إن إثارة النعرات الطائفية هو سلاحٌ خطر و خطير. و هو سلاحٌ لا يليق بأي شخص يحب الوطن و يحب الخير لأهل هذا الوطن أن يستخدمه مهما كانت الدوافع و الظروف و التبريرات. ذلك إن شـرذمة الناس و إثارة النعرات و الحزازت بينهم إنما تصب في خدمة النظام نفسه. أقولُ هذا و أشددُ على القول بإن إثارة النعرات الطائفية تؤدي إلى حرف الأنظار عن حقيقة أن التمييز الطائفي و القبلي ما هو إلا أداة من جملة أدوات في ترســانة متكاملة يســتخدمها النظام لإدامة احتكار العائلة الحاكمة لثروات الوطن و إستمرار ســيطرتها على مقدراته

لا تهتم الأطراف المتشددة في النظام أبداً بالإحصائيات حول كم شيعي في مجلس الوزراء و كم سني فيه. ولا هي تهتم بأرقام متعلقة بكم عدد السـفراء الهولة و لا بكم من السـفراء هم عربٌ أقحاح . ما يهمهم و ما يهتمون به هو ولاءُ هؤلاء الوزراء و السفراء و حتى أصغر المتنفعين. ما يهمُ الأطراف المتشددة في النظام هو سكوت المتنفعين عن إستمرار مظاهرالظلم الذي يرزح تحته جميع أبناء الوطن و بناته دون استثناء . ما يهم الأطراف المتشددة في النظام هو بقاء نظامهم و استقراره و عدم المسـاس بامتيازات العائلة . و لقد تعلمنا منذ عشرات السـنين أنهم لن يتورعوا في سـبيل ذلك عن سجن الناس و تعذيبهم أو تشريدهم ، و إنهم لن يتوانوا عن تشجيع إثارة النعرات الطائفية في أكثر صورها بذاءة ، و لن يتوقفوا لا عن شراء الذمم ، و لا عن تخويف الناس من بعضها البعض و لا عن إشاعة الشـكوك فيما بينهم ، و إضعاف ثقتهم بقدراتهم على الصمود في نضالهم السـلـمي من أجل إسـترجاع الحقوق

من جهة أخرى يمكنكم ملاحظة أمرٍ يستحق التوقف عنده بسبب دلالاته السـياسية. و هذا الأمر يتعلق بأخواتنا و أخوتنا ممن تركونا بعد أن كانوا معنا و كنا معهم في المنافي أو في السجون و إلتحقوا مؤخراً بركب الســلطة. وفي الوقت الذي يتأسف بعضنا لأننا خسرنا بعض هؤلاء الأخوة و الأخوات و نتأسف لأن المشروع الوطني قد خســر إسهامات كثيرين منهم, إلا إننا يجب أن نلاحظ أيضاً إن النظام كان كريماً مع هؤلاء كرماً ملحوظاً.دون تفريق أو تمييز. فكما تعرفون لم يفرق بين السني و الشيعي من بين هؤلاء , و لا بين المتدين و الشـيوعي، و لا بين المتعلم و غير المتعلم و لا بين صاحب المؤهلات من عديمها. بل ســاوى بين جميع من أراد منهم أن يلتحق بركبه , طالما هم يســبحون بحمده و يشــكرونه على مكرماته و عطاياه. و تأتي هذه المسـاواة على إساس قاعدة معروفة : كلُ من يدخل الحظيرة يأكل من نفس العلف

أقولُ لا تهتم الأطراف المتشددة في النظام إلا بما يضمن بقاء نظامهم و استقراره و عدم المسـاس بامتيازات العائلة. و لقد رأيناهم بالأمس و قد رموا عادل فليفل شر رمية عند ما إشتد الضغط عليه بل و ســهلوا خروجه عبر المطار. و لم تتوان وزارة الداخلية عن التبرؤ منه بسبب ما ســمته اســـتغلاله لوظيفته …. إلا أنها تجاهلت إتهامه بالتعذيب , و ذلك لان كل زملائه من هندرسـون و من هم فوق هندرســون و تحته هم أيضا معذبون، جلادون ، ومسئولون عن دماء الشــــهداء و صيحات المعذَبين و دموع أمهاتنا و آبائنا و أطفالنا. إلا أنهم حين عرفوا أن محاكمة عادل فليفل في أســتراليا ســتفضح النظام كله و ســتبرز للعالم كله و ستفضح كل مخازيهم طوال الثلاثين ســنة الماضية. و حين عرف الجميع إن محاكمة عادل فليفل في اســتراليا ســتطال أيضا جميع رؤسائه , عندها صدر المرســوم التفسيري سـيء الصيت. و عاد العقيد الذي كان فاراً إلى البلاد و هاهو يحظى بما لا يحظى به ضحاياه
حين أرددُ ما يقوله المخلصون لهذا الوطن من إن المشـكلة التي تعاني منها بلادنا ليست مشكلة قائمة بين شـيعة و سـنة فلا يعني هذا إنني أقلل من أهمية و عمق مشــاعر الإحباط بل و الغضب التي تصيب أياً منا حين تقف السـياسة التمييزية التي تمارســها الدولة في بعض المؤسـسـات و الوزارات و الدوائر, أو التصرفات التمييزية التي يقوم بها, بدوافع الفســاد و المحسوبية و التشبه بالكبار, أغلب المتنفعين المتنفذين في مؤســسات الدولة و وزاراتها ودوائرها, حين تقف حاجزأً أمام الحصول على حقٍ مشـروعٍ في سكنٍ أو عملٍ أو غيرهما من متطلبات العيش الكريم الآمن. حين يتعرض أياً منا لأي نوع من أنواع المعاملة التمييزية, ســواء بسبب سياسة النظام أم بسبب تصرفات فردية, فأن له و لها الحق في الغضب و في الإحتجاج و في رفض إنتهاك حقٍ أســاسي من حقوق المواطنة الدستورية, ألا وهو حق الجميع في الفرص المتكافئة دون إعتبار لأصلٍ أو دينٍ أو جنس. إلا إنه و بجانب الغضب و الإحتجاج و الرفض علينا أيضاً أن نتفكر في ماذا نستطيع أن نفعل , معاً و بجميع فئاتنا و على إختلاف توجهاتنا الفكرية و رؤانا الســياسية, لوقف سـياسة التمييز من تحقيق أهدافها

نعم ثمةَ تمييز نشــاهده أينما يَممْنا وجهنا. الأرقام التي رأيتموها و تعرفونها لا تحكى إلا جزءً يسـيراً من جملة ما يعرف كل واحدة وواحد منكم . فمن منا من لم يتعرض لمعاملة تمييزية ؟ و من منا لم يشــعر بالمهانة بسبب تصرفات أصحاب السـلطة و شــاكرديتهم في الإسكان و في المرور و في الجوازات و في المطار ،نعم في كل مكان تقريبا … حتى داخل بيوتنا عبر بعض ما يبثه التلفزيون و تذيعه الإذاعة من ترهات عنصرية و طائفية. نعم أيتها الأخوات و الأخوة, إن الأرقام تحكى قصصا نعرفها جميعا و لكن علينا أن ننتبه و ننتبه , و علينا أن نتحاشى إغراءات الوقوع في مصيدة الطائفية أو الإنجرار إلىتجربة الغوص في مســتنقعها. فما أكثر الإغراءات

نعم ثمةَ تمييز نشــاهده أينما يَممْنا وجهنا. و لكن علينا أن نعرف إن الغرض من إصرار النظام على نهجه التمييزي ليس تفضيل الســنة كطائفة على الشــيعة كطائفة, بل إن المقصود هو , أولاً و قبل أي شئ آخر , إستخدام التمييز كأداة لحماية إمتيازات العائلة الحاكمة . و علينا أن لا نقع في الفخ المنصوب فنصدق إنهم يحبون السنة لله في الله و يكرهون الشيعة لله في الله, أو نصدق إنهم يفضلون سكان هذه المدينة على سكان تلك. لا أيها الأخوات و الأخوة إن المتطرفين فيهم يحبون أنفسهم , أولاً و قبل أي شئ آخر. أقولُ إن المتطرفين فيهم إنما يريدون إستمرار نظام الإمتيازات حتى ولو تطلب ذلك أن تمزق الطوائف بعضها البعض. , هذا ما لن يحدث أبداً بسبب وعينا بأن هذا الوطن هو وطننا جميعاً.

نحتاج دائماً ، مثلما فعل رواد الحركة الوطنية ، و منهم مؤسسو هذا النادي , إلى تذكير أنفسـنا أولاً و تذكير الناس ثانياً بأن المشاكل التي تعانى منها البلاد لا يمكن أن تُحل أبداً عبر الإنخراط في مشـروع النظام التفتيتي و لا عبر السـقوط في مصيدته التشطيرية . مشــاكلنا لا يمكن حلها أبداً بحلول طائفية أو قبلية و لا بتحشيدٍ فئوي أو مناطقي ، فهذا هو بالضبط ما يريده النظام . و علينا أن نجد حلا يضمن مسـاواة الجميع في حقوقهم وواجباتهم ، مسـاواة الجميع : مســاواة دعيج بألماص بشبر بغلوم ، كما هي مسـاواة حصة بجوهرة بزهرة و بكلثم

أن البلاد تعانى أيتها الأخوات و الاخوة ، من تراكم عقود طويلة من محاولات النظام لإجهاض جميع الجهود التي بذلتها الحركة الوطنية بفصائلها المنظمة و بشخصياتها المستقلة من أجل بناء الوطن الذي يتساوى فيه أهله ، الوطن الذي يعيش فيه مواطنون و مواطنات متســاوون توحدهم المواطنة الدسـتورية التي تؤمن لهم جميعاً التكافؤ في الفرص وتضمن المسـاواة في الحقوق كما في الواجبات

أيتها الأخوات و الاخوة
لقد إنتبه مؤسـسـو هذا الصرح الوطني الذي تجتمعون فيه منذ عشرات السنين إلى حقيقة أن أصل البلاء في البلاد ليس كم عدد الشيعة أو السنة في هذه الوزارة أو تلك المؤسسة ، و لا المشكلة هي كيف تصلى مديرة هذه المدرسة أو تلك. أصل البلاء هو غير هذا كله. و لن نخفف هذا البلاء عن طريق المطالبة بحلول شكلية لا جدوى من ورائها مثل توزيع الوظائف على أساس الكوتا أو الحصص بحيث يحصل الشيعة على حصة ، و السنة على حصة ، الهولة على حصة و العجم على حصة. هذا ليس هو الحل الوطني و لا هو الحل الدستوري الأنسب. هذا حلٌ طائفي يلائم النظام نفسه و لا يغير من ميزان القوى في المجتمع بل و يعطى للنظام فرصة تكريس الانتماء الطائفي بديلا للانتماء الوطني . هذا ليس هو الحل الذي ناضل من أجله جيل عبدعلى العليوات و عبدالرحمن الباكر و عبدالعزيز الشملان و إبراهيم محمد حسن فخرو و حسن الجشي و محمد دويغر، و لا جميع من حمل الراية من بعد هؤلاء و في مقدمتهم شـيخنا الجليل عبدالامير الجمرى ، عافاه الله و أعاده بين صفوفنا بثاقب بصيرته

لم يسقط عشرات الشهداء و لم يُسـجن آلاف و لم تتشرد العائلات ، و لم ُيعذب الأطفال من أجل زيادة حصة هذه الطائفة أو تلك في وظائف الدولة , في هذه الوزارة أ, تلك المؤسسة. فلو كان الأمر كذلك ، أي لو كان الأمر محصوراً في مطلب المحاصصة, لما تردد النظام في الاستجابة. فالمحاصصة لا تضيره ما دام زمام الأمور كلها في يده. من جهتنا , علينا أن نتســائل ماذا يسـتفيد الوطن من زيادة عدد الوزراء الشيعة أو تقليل عدد المدراء السنة أو زيادة أو تقليل الوكلاء من العجم أو الهولة إذا كانت زمام الأمور كلها محصورة في يد النظام , و إذا كان كل هؤلاء الوزراء و الوكلاء و المدراء و السفراء و المستشارين و من لف لفهم لا يستطيعون التصرف قيد أنملة دون أمر من الجهة العليا التي تعرفونها تمام المعرفة

أقولها لكم بصراحة ، حتى و لو أصبح مجلس الوزراء كله من طائفة واحدة ، شيعة أو سنة فان الأوضاع في البلاد لن تتغير ما لم يتغير نظام الامتيازات غير الدسـتورية القائم. و لعلكم تلاحظون أن الوزارة الحالية ، تضم وزراءَ جُدُد يمثلون فئتين لم تحظيا منذ فجر الاستقلال بدخول مجلس الوزراء. فلقد أنعم النظام على إخواننا من عجم المنامة بوزيرٍ كما أنعم على أهلنا في القرى بثلاثة وزراء. فهل تغيرت بالله عليكم أوضاع القرى أو أوضاع العجم ؟ و هل تأثر نظام إمتيازات العائلة بتولي هؤلاء الوزراء مسئـوليات تصريف شــئون وزاراتهم ؟

و لعلكم تلاحظون أيضا انه و لأول مرة منذ الخمسـينات جرى إختيار شيعي لرئاسة تحرير صحيفة و ُمنح شــيعيٌ آخر ترخيصاً لإصدار صحيفةٍ أخرى. فهل تغيرت أوضاع الطائفة الشــيعية نتيجة لصعود نجم هذا أو ذاك ؟ و هل تقلصت سيطرة النظام على الصحافة و بقية أجهزة الأعلام في البلاد ؟ بل , وهذا هو بيت القصيد: هل سـقط الشــهداء من كل الفئات ، و من كل الأعمار ومن كل المناطق لمجرد أن تتقاسم الطائفتان, مناصفةً, مناصبَ رئاسة تحرير الصحف اليومية في البلاد؟ و ماذا عن بقية الفئات و التعاضديات؟ هل ستحصل هي أيضاً على حصصها الإعلامية كجزءٍ من إجراءات النظام لتفتيت مجتمعنا و شـرذمته ؟

أصل المشـكلة ، كما تعلمنا من روادنا و رائداتنا في الحركة الوطنية ,بأطيافها, ليست مشكلة بين شـيعة و سـنة . و حلها لا يكمن في زيادة الوزراء أو الوكلاء أو المدراء من هذه الطائفة أو تلك ، بل هو في الاعتراف بحقنا جميعا في أن نرفض أن نكون رعايا في إقطاعية عائلية و بحقنا جميعا في أن نصبح مواطنين لنا مثل مالهم من حقوق و عليهم مثلما علينا من واجبات . و طريق الحل هو تحويل البلاد من إقطاعية عائلية إلى دولة دستورية عصرية يحكمها القانون و يظللها الولاء لدستور عقدي يكفل المواطنة المتساوية للمواطنين و المواطنات كافة.

أيتها الأخوات و الاخوة

في المجال الذي أعمل فيه يفرق بعضنا بين مفهوميْن هما التحسين و التغيير. أي إننا نفرقُ بين تحســين الظروف و بين تغييرها ، بين تحسين الواقع و بين تغييره. فحين يعطيك الطبيب مســكنا للآلام فأنه يحســن وضعك و لكنه لا يغيره لأنه لم يعالج مسببات المرض. و لهذا ربما تظل مريضا حتى و لو اختفى الإحساس بالألم . بل و لربما تفاقم المرض دون أن تشــعر بسبب المسـكنات التي أعطاها الطبيبُ لك. و حين يضع الســجان مكيفا في زنزانتك فهو قد قام بتحسـين وضع ســجنك و لكنك ما زلت ســجينا ، و ما زال هو يتحكم فيك و ما زلت لا تملك من أمرك شيئا . و حتى لو ســمح الســجان لك بقراءة عشــر جرائد فلن يتغير واقع ســجنك ما دامتَ مسجوناً و ما دام ســجانك هو ســجانك الذي يقرر لك ماذا تقرأ و متى تقرأ و كيف
و هو بالضبط ما حصل في بلادنا . لقد تحســنت الظروف و لكن الواقع لم يتغير. فما زال الأمر بأيدي من كان الأمر بأيديهم .. و ما زالت مفاتيح الحاضر و المســتقبل في أيديهم. صحيحٌ إننا لسـنا الآن في السجون أو المنافي و لكننا لســنا أحراراً بعد. و لكننا نعرف الطريق إلى ذلك المهرجان , مهرجان الحرية و المســاواة الحقة, و نعرف إنه طريقٌ صعبٌ و يتطلب التضحيات

و هذا بالضبط هو ما شــددت عليه في محاضرتي في نادى الخريجين في 15 مايو 2001, تلك المحاضرة التي أثارت غضب الديوان الأميري ، وقتها، و إسـتنفر كل المتنفعين ممن كلما دقت طبول النظام هرعوا إلى السـاحات يرقصون
فمن بين خمسـة ظروف جوهرية اقترحت آنذاك ضرورة توافرها لضمان نجاح المشـروع الإصلاحي ذكرت مشــكلة الامتيازات غير الدسـتورية التي تتمتع بها العائلة الحاكمة إلى الآن. و ما أزالُ على قناعتي بأنه لا يمكن أن تقوم للإصلاح قائمة في بلادنا ما دامت الهوة واضحة بين تلك الامتيازات و بين معاناة الناس على اختلاف فئاتهم. و لابد أن أشدد الآن على ضرورة توفير الظروف اللازمة لاندماج بنات و أبناء العائلة الخليفية في الوطن . و سـيبقى هذا الاندماج إحدى مســتلزمات نجاح المشــروع الإصلاحي. كما سيؤدى تحقيقه إلى تسريع تحقيق الحلم الذي قامت هيئة الاتحاد الوطني من أجل تحقيقه ، و هو الحلم الذي أسـتشـهد من أجله شــهداؤنا ، و ضحى من أجله مناضلونا و مناضلاتنا ســجناً و تعذيباً و تشـريداً

و يعلم بعضكم إنني ناشدت جلالة الملك , بل و توسلت إليه, أن يعالج موضوع الإمتيازات بالحكمة الواجبة, و ذلك لأن مشروع بناء الوطن و تأسيس مملكةٍ دستوية حقاً لا يمكن أن يتحقق طالما كان هناك من يعتبر البلاد مزرعة و يحسب أهلها رعايا من ســبايا الغزو و غنائمه يرثهم جيلاً بعدَ جيل . و لقد ناشدت جلالته , و ما أزال أناشــده, حباً في هذا البلد و أهله, أن يقوم بالخطوة التغييرية المطلوبة ، أن يتخذ المبادرة الشــجاعة حقاً، ألا وهى تحويل العائلة الخليفية من عائلة مالكة إلى عائلة ملكية , بالضبط كما هو الحال في مختلف الممالك الدستورية التي يريد جلالته أن يحذو حذوها

و لكنكم تعلمون أيضا ، أيتها الأخوات و الاخوة ، إن العكس من ذلك تماماً هو ما حدث طوال العامين الماضين. . فبدلآً من تكثيف الجهود التي تســهل إندماج العائلة الخليفية في الوطن , بإعتبار ذلك أفضل لها و لنا, إزداد إنعزالها عن الناس و إتسـعت الهوة بيننا. بل, و كما يقول بعض أصحابنا , زادت امتيازات العائلة عما كانت عليه في أي وقت مضى منذ عهد جده المرحوم عيسـى بن على. و هذا بالضبط هو ما كان يخشـاه كل محب لهذا الوطن ، و كل من تحمس ، بنية صادقة لا عن طمع و لا خوف ، للمشروع الإصلاحي و لميثاق العمل الوطني . أما الذين يرددون المواويل التي تتغنى بنصف الكأس المليان فإنهم يخدعون أنفســهم و يخدعون جلالة الملك و قبل هذا و ذاك فإنهم يخدعون الناس

أيتها الأخوات و الاخوة
يرتبط بما سبق بالحديث عن مظاهر الفسـاد الإداري المستشري في البلاد. و هو حديثٌ مهمٌ و ضروريٌ طالما لم يكن
حديثاً معمماً أو متعامياً لا هدف من ورائه سوى تحويل الأنظار عن أهل الفسـاد و مصادرة الحقيقية . و لهذا أرى من الضروري عدم حرف النظر عن أصل الفسـاد و مصادرة الحقيقية . نحتاج إلى التوقف عن التعميمات و السعي للإجابة على سـؤال محدد : أليس لفسـاد الإداري و المالي من عنوان ؟ أليس وراء الفاسـدين من يحميهم و يشـجعهم و يستفيد منهم ؟ أليس للفســاد في بلادنا من منبع؟

أقولُ أيتها الأخوات و الاخوة أن علينا أن نسمى الأشياء بأسمائها بدلاً من الإنشغال بفسـاد صغار المتنفعين و الشاكردية . لا أيتها الأخوات و الاخوة ، الفســاد الأخطر هو فســاد الكبار. و هم معرفون. و ســنكون نحن جميعا مســئولين إن نحن صمتنا أو تعامينا عن رؤوس الفســاد في بلادنا. أقولُ نحن جميعا ، مسئولون إن لم نســمِ الأشياء بأسمائها ، علينا أن نتحدث عن دور المسئول الأول في البلاد طوال الأربعة عقود و نصف الماضية . أي عن رئيس الوزراء الدائم خليفة بن سلمان. فهو الذي أمسـك و يمسك إلى الآن بزمام الأمور كلها و هو الذي وضع قبضته الحديدية على كل صغيرة و كبيرة في البلاد منذ أن تولى المسئولية العامة قبل حوالي 46 عاماً. و كما يقول الكاتب الرسمي للسيرة الذاتية لرئيس الوزراء, بل و حسبما يُنقل عن أقواله هو نفسه في مجالسـه ، فإنه هو الذي أسس الدولة ، و حده لا معين له لا من بين أخوانه و لا من بين أولاد أخوانه و لا من بين أفراد عائلته أو مئات الشاكردية الذين جمعهم حوله طوال هذه السنين . و لعل بعضكم يعرف إن هندرســون, الذي أجرمَ بحق الناس طوال خمسة و ثلاثين سنة, يؤكد دائماً إنه إنما كان ينفذ الأوامر و التعليمات التي يتلقاها حسب إدعائه من رئيس الوزراء خليفة بن سلمان نفسه. و لم نسمع و لا نعرف ما ينفي ذلك

أقول هذا لا لكي أبرئ هذا الوزير أو ذاك الوكيل أو تلك المديرة أو عشــرات و عشــرات تنعموا و ما زالوا يتنعمون في ظل الفساد . هؤلاء مسئولون أيضا عن فسـاد النظام لانه عاضدوه و ما يزالون و لأنهم يزينون له أفعاله. و لا أريد أن أبرئ بقولي هذا كل أولئك الطبالة و الطبالات من بين العاملين في الصحافة و الأعلام ، ممن جعلوا الأعمى بصيراً و من الناهب مصلحاً و من السـارق أمينا و جعلوا من فتات النهب مكرمات . أيتها الأخوات و الاخوة, هؤلاء أيضا مسئولون بتطبيلهم ، كما هو مسئولٌ كل من سكت منا عن فساد الكبار أو تجاهله أو ساهم في حرف الأنظار عمن يقف وراء مظاهر الفسـاد الإداري و المالي في بلادنا . إننا نخدع أنفسـنا إذا لم نستطع أن نرى من الفسـاد إلا بعض مظاهره ، و من التمييز إلا بعض مظاهره .. بالضبط مثل طبيب لا يرى من الأمراض إلا أعراضها. و حينها لا نخدع أنفسـنا فحسب بل و نخدع الناس و نسـاعد الأطراف المتشددة في النظام على تحقيق أهدافها و بخاصة أولئك منهم ممن يعتبرون البلاد مزرعة و يحسبون أهلها رعايا من ســبايا الغزو و غنائمه يرثوننا جيلاً بعد جيل. ا
أحييكم مرة أخرى , و أحي عبركم الدور التاريخي لنادي العروبة, هذا الصرح الوطني الذي تجتمعون فيه ,كما أحي ذكرى من غاب عنا من مؤسسـيه, فما نحن إلا على طريقهم نســير
عبدالهادي خلف

الإمارات تسحب قواتها من اليمن… وقد تبقى فيها

في بداية تموز/ يوليو الماضي نشرت وكالات الأنباء، ومواقع التواصل الاجتماعي أخباراً عن اعتزام الإمارات سحب جزء من قواتها التي تقاتل في اليمن. إلا أن المصادر الرسمية الإمارتية سعت فيما بعد للتخفيف من تداعيات الحدث، بالتأكيد على أن الأمر لا يعدو أن يكون “إعادة انتشار للقوات”، وأنها ما زالت ملتزمة بدورها في التحالف السعودي – الإماراتي، ولن تترك فراغاً في اليمن.

على الرغم من مرور عدة أسابيع على تلك الأخبار، فما زال من غير الممكن التحقق من مدى جدية القرار الإماراتي، سواء أكان يتعلق بانسحاب كامل لقواتها، أو كان إعادة انتشار لجزء منها. بالمقابل هناك مبررات معقولة للتشكيك في جدية القرار. فهذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الإمارات “انتهاء حرب اليمن”. فقبل ثلاث سنوات، صدرت تصريحات مماثلة عن مختلف مستويات المسؤولين الإماراتيين تعلن “انتهاء الحرب بالنسبة لهم”. بل إن وكالات الأنباء تناقلت تصريحات لولي عهد أبو ظبي (في 16/6/2016) – وهو الحاكم الفعلي لبلاده، والمسؤول الأول عن قواتها المسلحة – يعلن فيها أن “الحرب عملياً انتهت لجنودنا”. وأن بلاده ترصد “الترتيبات السياسية، ودورنا الأساسي حالياً تمكين اليمنيين في المناطق المحررة”.

كان إعلان انتهاء الحرب في 2016 جزءاً نافعاً من جهود الإمارات لتحسين مغانم مشاركتها في الحرب اليمنية. فعلى الرغم من تلك التصريحات الرسمية، فإن العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الإماراتية مباشرة، أو عبر مختلف التشكيلات التابعة لها في اليمن لم تتوقف مذاك. أما ما توقف من العمليات العسكرية، فكان ذلك الجزء الاستعراضي منها، أي الذي شارك فيه أولاد الشيوخ، والأمراء وقامت أجهزة الإعلام الرسمية، ووسائل التواصل الاجتماعي ببثه تخليداً لمغامراتهم هناك.

قرارٌ متأخر وناقص

كان الواجب إعلان وقف الحرب في اليمن بعد انقضاء الأسبوع الأول من بدئها. فحينذاك، أي بعد أسبوع من انطلاق “عاصفة الحزم” في 26 آذار/ مارس 2015، كان من الواضح أنها لن تحقق أياً من الأهداف المرجوة منها لكلٍ من الشريكين السعودي والإماراتي. فعشية إعلان حرب اليمن، لم تكن لدى الإمارات، ولا لدى السعودية القدرات الاستراتيجية – بما فيها القدرات العسكرية والسياسية – التي تؤهلهما للانتصار على الحوثيين. ناهيك عن تغيير موازين القوى في الخليج العربي، أو في منطقة الشرق الأوسط عموماً. لا يكفي الطموح، خصوصاً إذا كان لا يستند إلى تقييم واقعي للإمكانيات والقدرات، بل إن الطموح قد يتسبب في كوارث كالتي شهدناها طيلة السنوات الأربع الماضية، وكالتي سنشهدها في حال استمرت الحرب.

ولم يتغير الحال بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من تدمير اليمن، وهدر طاقات وثروات بلدان المنطقة. فلم يتمكن التحالف السعودي الإماراتي من هزيمة الحوثيين، بل لم يستطع حتى تأمين إعادة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وحكومته من الرياض إلى عدن، أو غيرها من المدن الواقعة تحت السيطرة الإسمية للتحالف، بينما هي تحت سيطرة واحدة من عشرات الميليشيات التي جندتها الإمارات ودربتها لاستخدامها حين اقتسام غنائم حرب اليمن.

أدى الغموض الذي ما زال يحيط بقرار الإمارات الأخير إلى بروز تكهنات متباينة تتراوح بين الإدانة والترحيب. فمن جهة لا يستبعد محللٌ يمني أن يكون قرار الانسحاب نتيجة “تفاهمات إيرانية – إماراتية، بحيث تحكم جماعة الحوثي بعض المناطق الشمالية، وتحكم ميليشيات “المجلس الانتقالي” التابعة لأبو ظبي بعض المناطق الجنوبية والشرقية”. فالإمارات، حسب هذا المحلل، تنفذ أجندات دول غربية ربما قد أوعزت لها “بالانسحاب التدريجي من اليمن من أجل توريط السعودية في الملف اليمني أكثر مما هو حاصل الآن تمهيدًا لإسقاط السعودية وتقسيمها”(1).

يتكرر هذا التفسير، على الرغم من غرابته، في عددٍ من تعليقات المحللين اليمنيين التي تشير أيضاً إلى أن سحب القوات الإماراتية من خطوط المواجهة، يأتي في وقت تعاظمت فيه الهجمات على الحدود السعودية وداخلها.

على الطرف الآخر، يدافع محللٌ مشهور في الإعلام الإماراتي عن انسحاب قوات بلاده من اليمن، بعد أن أدّت “واجبها القومي على أكمل وجه، وربما أكثر من غيرها […] ودفعت ثمن هذه المشاركة باهظاً، وحتماً أكثر من غيرها، بشرياً ومادياً ومعنوياً وسياسياً”. فقرار سحب القوات يأتي بعد “أن ساهمت أكثر من غيرها في تحقيق انتصارات عسكرية، بما في ذلك تحرير أهم المدن والموانئ، وكانت على وشك تحرير مدينة وميناء الحُديدة، وبعد أن قامت بإعداد وتدريب وتمويل آلاف الجنود وتزويد المقاومة الشعبية بأحدث المعدات والأسلحة”. وحسب ذلك المحلل الإماراتي، فإن قرار بلاده “سيشكل لحظة فارقة […] فمشاركة الإمارات في حرب اليمن لم تكن مشاركة رمزية وعابرة، بل كانت فاعلة وفعالة ومن الصعب الاستغناء عنها أو استبدالها بسرعة وبسهولة”(2). وبهذا المعنى، فإن قرار الانسحاب هو بادرة حسن نية سـتوفر أرضية خصبة ومناسبة لإنهاء الحرب في اليمن إنْ أحسن الحوثيون والإيرانيون استقبالها.

لا يمكن الاستخفاف بوجهتي النظر المشار إليهما. إلا أنهما لا تكفيان لتفسير توقيت إعلان قرار الإمارات سحب قواتها من اليمن. كما لا تكفيان لتفسير طابع المفاجأة فيه، وبدون التشاور مع الشريك السعودي في قيادة الحرب.

الطائرات المسّيرة، ورعب “مدن الملح”

تحولت هجمات الحوثيين بالمقذوفات الصاروخية، وبالطائرات المسيّرة من ضرب جيزان وأبها وغيرها من المناطق السعودية القريبة من الحدود، إلى استهداف متكرر لمناطق في العمق السعودي. وفي السنتين الأخيرتين نجح الحوثيون في استخدام المقذوفات الصاروخية لضرب مواقع استراتيجية بما فيها محطات ضخ النفط والغاز. وفي بداية 2018، نجح الحوثيون في توجيه صاروخ باليستي ضرب مطار الملك خالد في الرياض التي تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن صنعاء.

تمكّن الحوثيون، بفضل استخدامهم الفعال لتلك المقذوفات الصاروخية والطائرات المسيّرة، من نقل جزء من الحرب من اليمن والمناطق الحدودية إلى المدن السعودية. كما استطاعوا في الوقت نفسه إيصال رسالة ضمنية تقول بأن أبو ظبي وغيرها من مدن الإمارات لن تكون في مأمنٍ ما دامت الحرب مستمرة. خاصة وأن طبيعة المدن والمناطق السكنية الحديثة في الإمارات، تجعلها أكثر هشاشة وأقل أماناً في حال صارت هدفاً عسكرياً. وهذا بالفعل ما أراد توصيله إعلان الحوثيين عن استهدافهم مطار أبو ظبي بطائرة مفخخة في 27 تموز/ يوليو من العام الماضي.

نفى الإماراتيون الخبر، فأعاد الحوثيون تأكيده. والرسالة وصلت بوضوح إلى قادة الإمارات، وربما تكون قد أسهمت في تعجيل قرارها بسحب قواتها، أو “إعادة انتتشارها”ا

_____________________________________
1- د. عادل دشيلة “لهذه الأسباب انسحبت الإمارات من اليمن تدريجياً” (ساسة بوست 17/7/2019)
2- د. عبدالخالق عبد الله “دوافع سحب الإمارات لقوات من اليمن” (سي إن إن بالعربي 14/7/2019

حُلم ملك البحرين بغزو الفضاء

 في 12 شباط / فبراير 2014 أصدر ملك البحرين مرسوماً بإنشاء الهيئة الوطنية لعلوم الفضاء، وتبع ذلك مراسيم أخرى بتشكيل هيئاتها وتحديد المهمات المنوطة بها. من بين أولى تلك المهمات التي حددها المرسوم ” النهوض بعلوم الفضاء في البحرين وإنشاء بنية تحتية سليمة لمراقبة الفضاء والأرض من أجل تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة وتحقيق الريادة للمملكة في مجالات علوم الفضاء والمفاهيم التقنية المتعلقة بها”.

علوم الفضاء لزخرفة السلطة

على الرغم من الضجة الإعلامية (المحلية) التي رافقت إعلان مرسوم تشكيل “الهيئة الفضائية” لم يأخذ كثيرون دخول البحرين مجال علوم الفضاء بجدية. وإعتبر منتقدو سلطة العائلة الحاكمة في البحرين إن الهيئة الجديدة لا تعدو أن تكون مجرد زخرف إعلامي لتجميل صورة السلطة. فالبحرين لا تملك البنى التحتية (العلمية والتقنية والتنظيمية والمؤسساتية) اللازمة لتحقيق أحلام الملك الفضائية.

وبسبب حداثة التعليم الجامعي في البحرين وعدم الإهتمام بالبحث العلمي في مختلف المجالات، بما فيها العلوم الهندسية والفيزيائية، فلم تتشكل في البلاد الكتلة العلمية الحرجة التي تسهِّل دخولها إلى مجال البحث الفضائي ناهيك عن تحقيق الريادة فيه. وفوق ذلك، فالبحرين بلدٌ صغيرة وقليلة السكان وليس لديها ما لدى غيرها من شقيقاتها في الخليج العربي من الموارد المالية التي يتطلبها شراء تلك البنى التحتية أو إستئجارها. البحرين ليست الإمارات أو السعودية، فهاتان تستطيعان شراء أو إستئجار أكثر أشكال التقنية ومنتجاتها حداثة حتى ولو لم تكونا قادرتين على إستيعاب تلك التقنيات المستوردة

لحسن الحظ، وحتى الآن، لم يتهور مسئولو الهيئة الفضائية البحرينية ولم يندفعوا في الطريق الذي إفتتحه الملك بشطحته الفضائية. بل هم إكتفوا بإفتتاح صفحات الكترونية لها في مختلف مواقع التواصل الإجتماعي وبالإدلاء ببيانات تنشرها الصحف المحلية. وفي أحد تلك البيانات تشير الهيئة إلى أن من أهم إنجازاتها خلال الأربع سنوات الماضية كان إنها “صاغت واعتمدت الاستراتيجية الخاصة بالهيئة، واختارت الشعار والهوية، وأعدّت الميزانية التشغيلية وميزانية المشروعات للفترة من 2015 إلى 2018 بما يتوافق ومتطلبات تحقيق الاستراتيجية المعتمدة ورفعتها للجهات المعنية لاعتمادها” (صحيفة “البلاد” 5 /9/2017).

أول قمر صناعي بحريني في 2020

في 7 تموز/ يوليو 2018 أعلنت الهيئة الفضائية في البحرين عن طرح أول مشاريعها بتشكيل “فريق البحرين للفضاء”. وفُتح باب الإنضمام للفريق الذي سيتكون من عشرة أفراد أمام “ذوي الكفاءة من الجنسين”. ويتبين من التصريحات الرسمية إن أفراد العشرة الذين سيتم إختيارهم سيتلقون التدريب اللازم للإسهام في إطلاق أول قمر صناعي في العام 2020 ولتمكين البحرين بحلول العام 2023 من “تحقيق خطوات ملموسة نحو توظيف علوم الفضاء لخدمة التنمية ومواكبة الركب العالمي في هذا القطاع المهم” (صحيفة “الأيام” 15/7/2018).

أثار الإعلانان عن تشكيل الهيئة الفضائية وعن تشكيل “فريق البحرين للفضاء” حملات ساخرة على مواقع التواصل الإجتماعي. كما إستثارت مناشدات وجدت طريقها إلى الصحف المحلية، دعت إلى الإلتفات إلى قضايا أكثر أولوية وأقل صعوبة من غزو الفضاء كمكافحة الفساد الإداري ونتائجه بما فيها إنخفاض مستوى التعليم وسوء الخدامات الصحية. ففي مواقع التواصل الإجتماعي، كما في الصحف المحلية، تتكرر نداءات الإستغاثة التي يطلقها مواطنون بسبب المعاناة من نقص الأدوية في المستشفيات الحكومية أو بسبب رداءة نوعية المتوفر منها أو إنتهاء فترة صلاحيته (“الأيام” 15 /7/2018). إلا إن الوزير المشرف على الهيئة رفض تلك الإنتقادات وكرر التأكيد على إن “دخول مملكة البحرين بمجال علوم الفضاء جاء عبر رؤية ثاقبة تستشرف المستقبل من قبل ملك البحرين الذي يولي الهيئة اهتمامه ومتابعته الخاصة منذ تأسيسها” (وكالة أنباء البحرين 7/7/2018).

الكثير من اللغط حول لا شيء

شددت التصريحات الرسمية على إن برنامج البحرين الفضائي يهدف لاجتذاب النخبة من بين الكفاءات الوطنية من مختلف التخصصات العلمية، وأن من سيتم إختيارهم سيحصلون على فرصٍ وظيفية مستقرة في بيئة عمل ممتازة ومتميزة. وستقدم الهيئة لهم التأهيل اللازم في البحرين وخارجها لتمكينهم من تنفيذ المشاريع المتعلقة بالفضاء، بالإضافة إلى إلتزام الهيئة بتطوير مهاراتهم عبر فرص التدريب النوعية.

أسهمت التصريحات الرسمية في اجتذاب الآلاف من الراغبين في الإنضمام إلى الفريق الفضائي. ففي الإسبوع الأول بعد فتح باب قبول طلبات التوظيف تقدم 400 بحريني وبحرينية بطلباتهم إلى الهيئة وإستمرت الطلبات تتوالى حتى بلغت 2173 طلباً عند إنتهاء موعد إستلام الطلبات في نهاية الشهر نفسه.

رغم مرور سنة على إقفال باب الترشيح فلم يتم الإعلان عن أسماء من تمّ إختيارهم لعضوية “فريق البحرين للفضاء”. ولا يبدو في الأفق أن انتظار المتقدمين بطلباتهم سينتهي قريباً حسبما يتضح من مناقشات دارت في المجلس النيابي حول ميزانية الدولة للعامين القادمين. فالميزانية المرصودة للهيئة الفضائية لا تغطي سوى مصروفاتها التشغيلية، إذ يقل المبلغ المرصود لها في العام الحالي (2019) عن مليوني دولار أميركي (732 ألف دينار بحريني). وسيرتفع المبلغ المرصود في العام التالي (2020) – وهو عام إطلاق أول قمر صناعي بحريني – ليصل إلى مليونين وسبعمئة ألف دولار أمريكي (مليون وثلاثين ألف دينار بحريني). وهذا المبلغ لا يكفي لتشكيل فريق بحثي متواضع الطموح، ناهيك عن إطلاق مشروع يتضمن بناء قمر صناعي وإطلاقه وإدارته في خلال فترة قصيرة لا تتجاوز السنتين. جدير بالإشارة إن مجموع المخصصات المالية للهيئة الفضائية للسنتين القادمتين يقل عن ما تدفعه البحرين سنوياً لجامعة سابينزا في العاصمة الإيطالية مقابل تدشين كرسي أكاديمي تحت إسم “كرسي الملك حمد للحوار بين الأديان والتعايش السلمي”.

حتى بملاحظة تدَّني تحصيله التعليمي وعدم جَلَدِه على متابعة التفاصيل، فلا يُعقل أن يتخيل ملك البحرين أو أحدٌ من حاشيته أنْ تُحقق الهيئة الوطنية لعلوم الفضاء المعجزة التي ستذهل العالم. أي أن تستطيع خلال الوقت القصير المحدد لها وضمن الميزانية المتواضعة المخصصة لها أن تجعل ملك البحرين يدخل عصر الفضاء ويحقق لمملكته “الريادة في مجالات علوم الفضاء والمفاهيم التقنية المتعلقة بها”.

ولكن من يعرف ما الذي يدور في ذهن حاكمٍ لا يستطيع أن يتفاهم حتى مع الموالين له. حاكم فرض الضرائب على شعبه واستدان الأموال لشراء طائرات ف.16، ثمن الواحدة منها أكثر من سبعين مليون دولار أمريكي (الوطن 23/6/2018). هل هو الهوس بالتنافس مع حكام الخليج الآخرين على الرغم من أنهم يحكمون بلدانأ أغنى وأكثر سكاناً؟ هل هو الهوس بزخرفة “دولة” حوَّلها من إمارة إلى مملكة؟ أم هو ضربٌ من جنون العَظَمة الذي تتزايد أعراضه ويدفع العباد والبلاد ثمنه؟

——–

 مقال منشور في السفير العربي 14/7/2019

حُلم ملك البحرين بغزو الفضاء

البحرين “تستعد” للحرب ضد إيران

من يتابع وسائل الإعلام الرسمي البحريني يتيقن إن البحرين أصبحت دولة كبرى في منطقة الخليج العربي. ويتيقن إنها استكملت – أو هي على وشك استكمال – الإستعدادات التي تتطلبها الحرب مع إيران. وفيها يخرج كبار قادة القوات العسكرية والأجهزة الأمنية لطمأنة المواطنين والمقيمين على نجاحها في “تحقيق أعلى مستويات الجاهزية الدائمة للقوات وقدرتها على سرعة الانتشار لتنفيذ مهامها..” (أخبار الخليج 29/5/2019).

وتحت عنوان تأكيد الجاهزية، يندرج إهتمام وسائل الإعلام الرسمية بابراز خبر زيارات واستقبالات يقوم بها المشير الشيخ خليفة آلخليفة، القائد العام لقوة دفاع البحرين. ففي أحد الأيام الماضية قام المشير بزيارة تفقدية لمواقع عسكري لمتابعة الاستعدادات والتجهيزات وللوقوف على الجاهزية القتالية والإدارية (الأيام 24/5/2019). وفي اليوم نفسه إستقبل المشير البحريني وفداً عسكرياً أمريكياً برئاسة الجنرال جوزيف غواستيلا، قائد القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية، التي تُستخدم البحرين مركزاً لقيادة عملياتها، لمناقشة التنسيق العسكري والتعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة الأمريكية والبحرين.

توخي الحيطة والحذر

بهدف إستكمال تلك الإستعدادات للحرب قامت السلطات البحرينية بعددٍ من الإجراءات التي تؤكد من جهة على خطورة الأوضاع في المنطقة وتؤكد من جهة أخرى إهتمامها بسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها. ففي 18/5/2019 وجهت وزارة الخارجية في البحرين تحذيراً لمواطنيها من السفر إلى إيران والعراق “نظراً للأوضاع غير المستقرة التي تشهدها المنطقة، والتطورات الخطيرة، والتهديدات القائمة وما تحمله من مخاطر كبيرة على الأمن والاستقرار” مشددة على ضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر”. ودعت الوزارة جميع المواطنين المتواجدين في البلدين “إلى المغادرة فوراً وذلك ضماناً لأمنهم وحفاظاً على سلامتهم”. وكان لافتاً إن بقية دول الخليج العربية لم تحذُ حذو البحرين ولم تطالب مواطنيها بمغادرة العراق أو إيران أو عدم السفر إليهما.

وفي 21/5/2019 أعلنت قيادة الأمن العام في البحرين إنها ستقوم في اليوم التالي وضمن “الإجراءات المعمول بها دوريا، بمراجعة الخطط الوطنية للطوارئ ومن بينها التأكد من جاهزية صفارات الإنذار”. وطلبت قيادة الأمن العام “من كافة المواطنين والمقيمين الاطمئنان وعدم الانزعاج” خلال فترة تجربة الصفارات. وبالفعل انطلقت في اليوم التالي صفارات الإنذار لتنطلق معها وبعدها ردود الفعل الشاكية والساخرة. فحسب تقارير صحافية، لم يسمع الناس في بعض مناطق البحرين أصوات الصفارات. أما من سمعوها فلم يعرفوا ما المطلوب منهم القيام به بعد سماع صفارة الإنذار، إذ لم تتوافر لهم الإرشادات اللازمة حول إجراءات السلامة والوقاية من شظايا القنابل أو المواد الكيميائية التي قد تحملها الصواريخ. ففيما عدا عددٍ محدود من مواقف السيارات المغطاة في المراكز التجارية، فلا يوجد في البحرين ملاجئ محصنة يلجأ إليها الناس. بل إن صغر مساحة البحرين، كما أشار أحد المغردين ساخراً “يجعلها هدفاً عسكرياً واحداً”. وهنا أيضاً، كان لافتاً إن بقية دول الخليج العربية لم تعلن عن قيامها بتجربة صفارات الإنذار فيها.

تتصرف السلطات البحرينية كما تتصرف دولة كبرى. إلا إنها وبسبب إمكانياتها المتواضعة لم تقم بتوفير وسائل النقل اللازمة لنقل مواطنيها من البلدين اللذين دعتهم الى مغادرتها. وليس سهلاً معرفة عدد البحرينيين الذين غادروا إيران أو العراق إستجابة لتحذير وزارة خارجية بلادهم. من جهة أخرى لم تتسرب أية معلومات عن الدروس المستقاة من تمرين صفارات الإنذار ولا عن مدى إستفادة أجهزة الدفاع المدني في البحرين والأجهزة الأخرى المعنية بالخطط الوطنية للطوارئ، بدءاً من ملاحظات الناس وشكاواهم من إنعدام الملاجئ وغيرها من وسائل الوقاية والحماية في حال إندلاع المواجهة العسكرية مع إيران. وهذا يعزز الظن إن تحذير المواطنين البحرينيين من زيارة إيران والعراق وتمرين صفارات الإنذار يندرجان ضمن الحرب الإعلامية المستعرة في المنطقة.

البحرين تبحث عن دور في الميزان العسكري للمنطقة

بعد توليه مهامه الرئاسية، رفع الرئيس الأمريكي الحظر المفروض على بيع الأسلحة والمعدات العسكرية لعدد من البلدان بسبب إنتهاكات أنظمتها لحقوق الإنسان. ومن بين هذه البلدان البحرين التي تعاقدت خلال السنتين الأول من عهد ترامب على شراء ما تزيد قيمته على ستة مليار دولار من الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. وفي بداية أيار/مايو الماضي أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن الموافقة على بيع البحرين مجموعة من نظم صواريخ “باتريوت” والمعدات الرديفة تقارب قيمتها المليارين ونصف المليار دولار. تبع ذلك إعلانٌ آخرعن صفقة عسكرية بقيمة 750 مليون دولار لشراء معدات عسكرية رديفة لطائرات ف – 16 التي سبق أن تعاقدت البحرين على شرائها في صيف 2018 بقيمة ثلاثة مليار وثمانمائة مليون دولار. لا تبدو قيمة المشتريات العسكرية البحرينية كبيرةً عند مقارنتها بمئات المليارات التي تبلغها قيمة العقود العسكرية الأمريكية مع الدول الخليجية الأخرى. إلا إن البحرين ليست كشقيقاتها الخليجيات. فهي أصغر منهن جميعاً من حيث المساحة والتركيبة السكانية والبنى التحتية والقدرات المالية

يبدو جنونياً هدر السلطات البحرينية لموارد البلاد بالإضافة إلى الأموال التي تستدينها في محاولة محكوم عليها بالفشل لإنتزاع دور لها في الميزان العسكري الخليجي. فعدد أفراد القوات العسكرية في البحرين يقل عن العشرين ألف عنصر أغلبهم من المجندين من مواطني دول أخرى عربية وغير عربية. وهي تعاني مثل غيرها من القوات العسكرية الخليجية من معيقات استيعاب التقنية المتقدمة في أغلب منظومات الأسلحة التي تشتريها. وهو أمرٌ شاهدنا أمثلةً كثيرة على عواقبه المدمرة في حرب اليمن.

 ويتأكد جنون الهدر بالتذكير بأن البحرين تعاني من أزمة مالية تفاقمت أعراضها في السنوات الأخيرة ووضعتها على شفا الإفلاس. فبسبب الخشية من تداعيات إعلان إفلاس البحرين، تدخلت كلٌ من الكويت والسعودية والإمارات لتقديم حزمة دعم مالي بقيمة عشرة مليار دولار. وفرضت الدول الثلاث لتقديم دعمها المالي أن تُشرف على إنفاقه وأن تلتزم البحرين بتنفيذ إجراءات مالية تحد من الإنفاق الحكومي، وتلغي الدعم الحكومي على كثير من المواد والخدمات، بهدف إعادة التوازن في ميزانية الدولة. لسوء حظ البحرين أضاع النظام السياسي فيها الفرص التي كان يمكن لحزمة الدعم الخليجي توفيرها. فبدلاً من ترميم الوضع الاقتصادي وتخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية، اتجهت السلطات في البحرين إلى هدر مواردها على تكديس الأسلحة إرضاء لغرورملكٍ يأمل في أن ينتزع لنظامه دوراً سياسياً وعسكرياً يفوق إمكانياته وقدراته

———-.

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ   8/6/2019

 

/

 

 

.

البحرين “تستعد” للحرب ضد إيران

تتصرف البحرين كما لو كانت دولة كبرى في منطقة الخليج العربي، وهي استكملت – أوهي على وشك استكمال – الإستعدادات التي تتطلبها الحرب مع إيران

 

 

المقاال  منشور في السفير العربي بتاريخ 8/6/2019

البحرين “تستعد” للحرب ضد إيران

 

الحيرة بين نزع الجنسية وتثبيتها في البحرين

.

في 16 نيسان/ أبريل 2019، أصدرت المحكمة الكبرى الجنائية في البحرين أحكاما قاسية تضمنت الحكم بتجريد 138 متهماً من جنسيتهم البحرينية. وبتلك الأحكام وصل عدد من جردتهم السلطات البحرينية من الجنسية إلى أكثر من 950 شخصاً. ويستن معظم هذه الأحكام إلى قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته.

في 21 نيسان/ أبريل، أي بعد أقل من أسبوع من صدور ذلك الحكم، قرر ملك البحرين إلغاءه وإلغاء عدد آخر من أحكام مماثلة أصدرتها المحاكم في السنوات الست الأخيرة. يومها فوجئ الناس بما نقلته وكالة أنباء البحرين عن إن الملك أصدر أمراً بـ”تثبيت جنسية 551 محكوماً ممن صدرت بحقهم أحكاما بإسقاط الجنسية”. وفي هذا القرار أيضاً إستند الملك إلى قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته.

خمسة أيام حافلة

حفلت الأيام الخمسة الفاصلة بين الحكم بتجريد مواطنين من جنسيتهم البحرينية ويوم الإعلان عن إعادة الجنسية لهم بالبيانات والتصريحات والأنشطة. فمن جهة تتالت بيانات الإستنكار التي أصدرتها المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، وكان في المقدمة منها المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة التي أشارت إلى أن المحاكمات في البحرين “لم تحقق المعايير الدولية للمحاكمة العادلة”. بينما شددت منظمة “العفو الدولية” على أن تلك المحاكمات “تستهزئ بالعدالة، وتؤكد وجود نمط يثير القلق من أحكام الإدانة إثر محاكمات جماعية جائرة في البحرين”. ومن جهة أخرى تداول الناس في البلاد وخارجها تفاصيل المهازل القضائية التي تتكرر في المحاكمات الجماعية في البحرين، حيث يمكن للقاضي أن يصدر في جلسة واحدة أحكاماً قاسية، بما فيها الحكم بالإعدام أو بالسجن المؤبد، إستناداً إلى أدلة مشكوك فيها أو إلى إعترافات تمّ إنتزاعها تحت التعذيب، وفي الغالب بعد فترات طويلة من الإعتقال والتعريض للمعاملة الحاطّة بالكرامة.

عددٌ قليل في قائمة المجردين من جنسيتهم تم تجريدهم بقرارات إدارية صدرت في 2012، في مخالفة صريحة لقانون الجنسية في البحرين. أما غالبية تلك القرارات فاستندت الى قانون 2006 ذاك. وهو تبنى تعريفاً فضفاضاً للإرهاب، مما يسهل تطبيقه على كل نشاط معارض حتى في حال لم يتجاوز ذلك النشاط حدود إنتقاد قرار سياسي أو المطالبة بوقف أنشطة أو تغييرها، تقوم بها جهات حكومية أو أحد أفراد العائلة الحاكمة. فما يدخل عادة في الدول الديمقراطية ضمن أطر ممارسة الحريات والحقوق العامة، بما فيها حرية التعبير عن الرأي والحق في التجمع السلمي، إعتبره القانون البحريني إرهاباً. وبمتابعة أحكام التجريد من الجنسية الصادرة منذ 2013 وحتى الآن، يمكن ملاحظة إن من يتم تجريدهم من جنسيتهم هم من مواليد البحرين لوالدَين بحرينيين. بل إن فيهم، كما تبيَّن من المحاكمة الجماعية الأخيرة وما سبقها، عددٌ من صغار السن ممن أدينوا بالمشاركة في تجمهر إحتجاجي.

لماذا ألغى الملك أحكام قُضاته؟

سرت شائعات متناقضة في أجواء الإبتهاج التي عمت البحرين حين صدر الإعلان عن الإلغاء الجزئي لأحكام التجريد من الجنسية. بعض الشائعات بالغ في إعتبار قرار الملك رضوخاً لضغط خارجي وبعضها بالغ في التفاؤل بالتلميح إلى إنفراجة أمنية قريبة.

على الرغم من أهمية بيانات الإستنكار التي صدرت عن مؤسسات دولية معتبَرة، وعلى الرغم من أهمية الأنشطة المحلية والخارجية التي عبرت عن إستهجان واسع لأحكام التجريد من الجنسية، فلا يمكن المبالغة في تقدير تأثيرهما على قرار ملك البحرين بالتراجع الجزئي عن تلك الأحكام. فملك البحرين يستند على دعمٍ سياسي وأمني ومالي غير مسبوق من السعودية ومن الإمارات، بما يضمن له إستمرار دعم الولايات المتحدة الأمريكية لنظامه. وبسبب ذلك فهو لا يرى نفسه في حاجة لإرضاء أي طرفٍ خارجي، سوى هذه الدول الثلاث التي ليس من أولوياتها حماية حقوق الإنسان

ومن جهة أخرى لا يرى الملك نفسه مضطراً لإسترضاء أي طرف داخلي والمبادرة بإنفراجة أمنية. فلقد أدت مختلف إجراءات القمع المتواصلة منذ قمع إنتفاضة دوار اللؤلؤة، في ربيع 2011، إلى إستنزاف قوى المعارضة التي يقبع أغلب قادتها في السجن أو في المنفى. كما سهّل القمع عودة الروح للعلاقات التقليدية بين العائلة الحاكمة ووجهاء البلاد بمن فيهم رجال الدين. بل أخذت تلك العلاقات تستعيد شيئاً فشيئاً أبرز مظاهرها التقليدية. فهي تضمن للملك وعائلته إستمرار إستحواذهم على موارد البلاد وأدوات إدارة الدولة، كما تضمن للوجهاء مصالحهم وتعطيهم دوراً سياسياً وهيبة إجتماعية ضمن الحدود المعترف بها لوجهاء كل تعاضدية طائفية أو مناطقية. وعلى الرغم من عدم التكافؤ بين العائلة الحاكمة والوجهاء، إلا إن علاقتهما ضمنت في السابق مصالح الطرفين وفي مواجهة التحدي الذي تمثله قوى المعارضة الوطنية.

ملك البحرين: أنا الدولة

يتساءل كثيرون عن هدف الملك من قراره بإلغاء أحكام قضائية بعد خمسة أيام فقط من صدورها. لقد كان بإمكانه، مثلاً، أن يفسح المجال لمجلس النواب مباشرة أو عبر المحكمة الدستورية، إلغاء القوانين القمعية بما فيها قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته. إلا إن الملك إختار طريق “المكرمة الملكية” كي يستعيد مواطنون جردتهم سلطته من جنسيتهم بقانونٍ مجحف يخالف أحد أبسط الحقوق التي تنص عليها وثيقة حقوق الإنسان، أي الحق في الجنسية. قرار الملك بإلغاء أحكام قضائية بعد خمسة أيام فقط من صدور تلك الأحكام هو تأكيد على إن الإرادة الملكية فوق كل قانون. فالملك هو الدولة وإرادته هي قوانينها.

 

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ 5/5/2019

 

الحيرة بين نزع الجنسية وتثبيتها في البحرين